22 فبراير 2026

فارس الحمادي: عينا الشيخ زايد نافذة إلى الروح والحكمة

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

في تماسّه مع الفن، يطلّ شغف كبير بقيمه الإماراتية، وتتسم أعماله بعمق إنساني واضح. تنطلق لوحات الفنان التشكيلي فارس الحمادي من عالم خاص، يعطي فيه للعيون روحاً، وتتجذّر علاقته بالخطوط والألوان. منذ طفولته، كبُر معه هذا الشغف حتى أصبح أسلوب حياة، ومساراً طويلاً من البحث عن الجمال. يحضر المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في أعماله باعتباره رمزاً، ويتجاوز ذلك إلى كونه حالة وجدانية يعيشها الفنان الحمادي، مع كل ضربة فرشاة.

في هذا الحوار، نتقرب من عالم فارس الحمادي، ونتتبع بداياته، رؤيته، وطموحاته، وكيف يبني تجربته الفنية على علاقة خاصة بالطبيعة، والسفر، والمرسم، والوجوه التي يرسمها.

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

كيف ترسخت علاقتك بالفن، وما الذي قادك إلى تلك العوالم؟

بدأ ارتباطي الحقيقي بالفن عندما اكتشفت نفسي مندمجاً في الرسم لساعات طويلة، من دون أن أشعر بالوقت. أذكر أنني أمضيت ست، أو سبع ساعات متواصلة في الرسم من دون توقف، وعندما انتبهت لذلك، أدركت أن هذا هو عالمي الحقيقي، والمكان الذي أنتمي إليه. تلك اللحظة كشفت لي أن الفن هو المساحة التي أتنفس فيها، وأعبّر من خلالها عن ذاتي.

تركز في أعمالك على عينَي الشيخ زايد… لماذا هذا التعلّق بالعين تحديداً؟ وما المشاعر التي ترافقك في تلك العوالم؟

العين بالنسبة لي ليست جزءاً من الوجه فقط، بل هي الوجه كله. هي التي تنقل المشاعر، والتعبير، والصدق. من هنا جاء تركيزي على عينَي الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، كنت أستعيد من خلالهما حكمته، ووقاره، وما قدمه لنا. كل مرة أرسم فيها عينيه أشعر بأنني أقترب أكثر من تلك الشخصية القيادية الإنسانية التي لا تزال تلهم الأجيال. عيناه تحملان تاريخ دولة، وحكمة قائد، وحنان أب. حين أرسمهما أشعر كأنني أستحضر ما قدّمه لنا… تلك النظرة التي لا تزال تُدرَّس وتُلهم.

مجلة كل الأسرة

عندما ترسم الشيخ زايد… هل هو نوع من الاقتراب من حقبة لم تعِشها؟

كنت في الثالثة عشرة حين رحل الشيخ زايد، رحمه الله، وكنت أتمنى أن أراه وأسمع صوته عن قرب. فضله كبير علينا، وحبّه راسخ فينا، لذلك أعيد رسمه دائماً، لأتخيل حضوره بيننا. ربما أرسمه لأعيش لحظات لم يسعفني الزمن أن أعيشها معه. تأثيره في حياتنا كبير، وحبه لوطنه وشعبه لا يزال يُستشعر، وهو حاضر دائماً في القلب والذاكرة.

إلى جانب الشيخ زايد، رسمت شيوخاً وشخصيات بارزة… أيّ التجارب تركت فيك أثراً خاصاً؟

كل شيوخ دولة الإمارات لهم فضل كبير علينا. وكل لوحة أرسمها تترك في داخلي أثراً مختلفاً، بخاصة عندما يتناسق اللون والظل، وتتحقق الواقعية التي أبحث عنها. في تلك اللحظة أشعر بعلاقة خاصة تربطني بالعمل وصاحبه. لكل لوحة روح، وحين تنبض هذه الروح أمامي أشعر بأني صنعت شيئاً يستحق أن يبقى.

أرسم عينَي الشيخ زايد لأتخيّل حضوره بيننا... والسفر مفاتيح جديدة للرؤية والإلهام

خلال تجارب الرسم المباشر… ما أجمل المواقف أو العبارات التي بقيت راسخة في ذاكرتك؟

من أبرز المواقف كان أثناء احتفالات عيد الاتحاد، عندما زارني سمو الشيخ ذياب بن محمد بن زايد، قال لي إنه كان يشاهد اللوحة أثناء عملي عليها، وإنها أعجبته حين اكتملت. دار بيننا حديث جميل عن الفن، وكلماته بقيت محفورة في ذاكرتي لأنها كانت داعمة وملهمة، وقد منحتني دافعاً إضافياً للاستمرار.

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

ترسم بين أحضان الطبيعة وفي المرسم، أيّ المساحتين أقرب إلى روحك؟

الرسم بين أحضان الطبيعة مدرسة متكاملة؛ الضوء الطبيعي، تغير الألوان، حركة الظلال… كلها تفاصيل تُنمّي العين والذاكرة البصرية. أما المرسم فهو مساحة للتأمل، والتركيز، والممارسة الفنية الدقيقة. أحب كلا المكانين، لكن الطبيعة تظل أكثر قدرة على إلهامي، وإثراء تجربتي.

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

ماذا عن «مرسم فارس للفنون»… كيف بدأ الحلم وأصبح مساحة لاحتضان المواهب؟

المرسم جزء كبير من حياتي. أتدرّب فيه يومياً، وأدرّب الفنانين والأطفال عبر منهج مبسّط صممته لمساعدتهم على التطور. هذا المكان يمنحني طاقة واستمراراً، لأنني أشارك فيه خبراتي وتجربتي مع الجيل الجديد. وأطمح إلى أن يكبر المرسم مستقبلاً، ليخدم المشهد الفني بشكل أوسع. أتعلم فيه باستمرار، وأنقل خبرتي إلى الأطفال بطريقة مبسطة تتناسب مع مستوياتهم.

الأسفار مساحة للتواصل وتعزيز الشغف والرؤى، كيف توظف هذه الرحلات ضمن جماليات الفن؟

السفر يفتح أبوابا واسعة لخيال الفنان، ويطوّر قدرته على الملاحظة. وتنوع الثقافات والأساليب والمناظر الطبيعية يمنحني أفكاراً جديدة، ويلهمني ألواناً وطرقاً مختلفة للتعبير. أتعلم من اختلاف الثقافات، وتنوّع الطبيعة، وأساليب الفن في كل دولة. كل مشهد جديد يعزز قدرتي على الرؤية، ويضيف إلى مخيلتي صوراً وألواناً تنعكس لاحقاً على أعمالي.

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

لو أتيحت لك فرصة إهداء الشيخ زايد لوحة جديدة اليوم… كيف تتصورها؟

سأعمل على لوحة واقعية كلاسيكية فخمة، تليق بمكانة الشيخ زايد الرفيعة وبما يمثله في قلوبنا. ستكون عملاً يترجم مشاعري وامتناني لهذا القائد الاستثنائي، ويختصر كل ما يمثّله بالنسبة لي، كفنان وكابن لهذا الوطن.

كلمة أخيرة لعشاق الرسم، وما طموحك الأكبر؟

أتمنى من كل رسام أن يواصل الرسم بلا توقف، وأن يتعمق في فهم الطبيعة لأنها أفضل «معلّم». أما طموحي الأكبر فهو تطوير مهاراتي بشكل أعمق، وفهم أوسع لعالم الفن، وأن أواصل رحلتي نحو الإبداع بلا حدود، والاستمرارية هي الطريق إلى الإبداع.