وراء الرومانسية المصطنعة.. هل تخفي الزوجات أزمات لا يراها أحد؟
ما بين التصنع والبساطة والذكاء العاطفي للمرأة الذي هو هبة إلهية، وبين سيل العواطف والرومانسية المصطنعة التي تحاول بعض الزوجات الإعلان عنها خاصة أمام الآخرين يبقى الأمر أشبه ما يكون بمحاولة لتزييف الواقع.
فالزوجات اللائي يمتلكن هبة الذكاء العاطفي يملكن في الوقت نفسه القدرة على استقطاب الرجل، وبناء حياة زوجية ناجحة تجمع بين التناغم ما بين العقل والقلب، وتحقيق الانسجام بين العواطف والقيم، والحفاظ على قدسية الحياة الزوجية وهو ما يخلق حالة من الثقة بالنفس لديهن.
ويرى أخصائيو علم النفس والاجتماع أن الرومانسية المصطنعة الزائدة عن الحد هي بمثابة إعلان عن اهتزاز الثقة بالنفس عازين أسبابها إلى عوامل نفسية وبيئية وتربوية قد تلقي بظلالها على واقع الحياة الزوجية والأسرية، وحتى المحيط الاجتماعي القريب منها، على الجانب الآخر يرى آخرون أن تصنع الرومانسية ربما قد تكون له مردودات إيجابية بالحفاظ على الشكل الاجتماعي للأسرة أو وسيلة لإظهار الحب بين الزوجين والاهتمام بالزوج.
«كل الأسرة» استطلعت الآراء وسألت المختصين للتعرف إلى أسباب تصنع الزوجة الرومانسية وأبعاده الإيجابية والسلبية وكان التحقيق التالي:
ترى نازلي سيف أن تصنع المرأة للرومانسية لا يشترط أن يكون سلبياً، فأصل العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة هو العلاقة الطيبة التي تأتي التصرفات الرومانسية كحلقة من حلقاتها، وإذا ما سعت المرأة الى الوصول إلى غايات في نفسها عبر هذه الرومانسية فالأمر يبقى مقبولاً ولا ضرر منه، أما إذا ما تصنعت الرومانسية بهدف إظهارها أمام الغير فالأمر هنا لا شك يعني وجود نوع من الخلل في العلاقة، والزوجات اللائي يتصنعن السعادة في حياتهن الزوجية لا شك أن هذا مؤشر لوجود نقص ما يحاولن من خلال هذه التصرفات تعويضه، فالحياة المبنية على خداع الآخرين والمظاهر المصطنعة بالتأكيد هي حياة خاوية.
مردودات سلبية
يروي عمر العيدروس «متزوج» تجربة أحد أصدقائه «الذي لم يحالفه الحظ في استمرار علاقته بخطيبته بسبب محاولاتها المستمرة في تصنع الرومانسية المصطنعة المبالغ فيها أمام الناس من خلال الضغط عليه مادياً واطلاع الآخرين على خصوصياتهما وهو ما كان غير مقبول بالنسبة له.
وبالرغم من المثالية التي كان يتعامل بها معها ظناً منه أنها مرحلة من الممكن تجاوزها إلا أنها لم تقدر تضحياته وتالياً تتطور الأمر لأزمة نفسية مما دفعه في النهاية للانفصال عنها»، ويوضح أن التصنع أو التظاهر «لا شك له مردودات سلبية وإيجابية، والعامل الفاصل في الأمر هو الدافع وراء هذا التصرف منوهاً بمساوئ المبالغة في هذا التصرف والذي قد يؤثر في جميع العلاقات المحيطة، ولا يقتصر تأثيره في الزوج فقط».
ويرى علي فتح الرحمن «متزوج» أن السبب الرئيسي لمحاولات بعض الزوجات التصنع يعود للتنشئة والمحيط البيئي والصديقات فهي تحاول جاهدة إظهار جانب مشرق عن حياتها وعلاقتها بالزوج واستقرار الأسرة الذي تفتقده، ويذكر علي تجربة أحد أصدقائه مع زوجته «بالغت في إظهار الرومانسية المصطنعة مما دفع الزوج إلى أنتقادها بغيابها أمام الأهل والأصدقاء».
وعلى النقيض من ذلك يرى نادر سليمان «أن الرومانسية في حقيقتها مشاعر لا تحتمل التصنع، وإذا ما حاولت الزوجة تصنعها أحياناً فالأمر يعود لوجود مشكلات زوجية تلقي بظلالها على الحياة الزوجية والأسرية نتيجةً لضغوط الحياة، لذا من الضروري بالنسبة لها الحفاظ على الشكل الاجتماعي، ويشير سليمان إلى الجانب الإيجابي لهذا التصرف من خلال حرص الزوجة على الحفاظ على أسرتها بإبراز الصورة الإيجابية والمشرقة لها أمام الآخرين، بينما تظهر آثارها السلبية عندما تعيش في صدام ما بين الحقيقة والخيال الذي تبنيه لنفسها وهو ما يمكن أن ينعكس على الصحة النفسية لها».
يقول د. محمد حمدان «تصنع الرومانسية من بعض الزوجات قد يكون وسيلة لإظهار الحب بين الزوجين فلكل شخص طريقته الخاصة للتعبيرعن المشاعر، للحفاظ على استمرارية واستقرار العلاقة الزوجية، وترابط الأسرة يحتاج أحياناً إلى ابتكار طرق مختلفة لكن من الضروري أن تكون بمنهجية وعقلانية مع ضرورة الحفاظ على خصوصية العلاقة.
مدلولات عدة
د. راشد سيف يقول «تحمل الرومانسية مدلولات عدة لدى البشر، وتخضع لعدة عوامل منها العمر الزمني لكل إنسان وطبيعته وتكوين الشخصية هل هي رومانسية أم لا، وكذلك تخضع لكمية العواطف والجينات الداخلية واستقرار الحياة من عدمه، وأسوء ما يمر بالمسائل العاطفية هو إظهار ما لا يبطن الشخص أي مخالفة الخارج للداخل وهي صفة مذمومة، وهي مسألة لها مردودات سلبية على الشخص ذاته لأن الرومانسية بالنهاية هي أمر قلبي، وتصنع مثل هذا الأمر يعود بتأثيرات سلبية في العلاقة الزوجية أولاً ثم في الأسرة، والتي تفتقد الحب الحقيقي والعاطفة الصادقة على مستوى المحيط الداخلي والخارجي وحتى على محيط العمل، بل تصبح فيه المرأة المتصنعة عرضة لألسنة الآخرين، وفي حديث عن الرسول «صلى الله عليه وسلم» «رحم الله امرأ جب الغيبة عن نفسه»، لذا على الزوجة تجنب التصنع لأنه فعل ممقوت يعود عليها بالتعب والشعور بالانكسار بل عليها أن تتعايش مع الآخرين بمصداقية حتى تصل رسالتها القلبية بصورة شفافة مما يكسبها ثقة المحيطين.
هروب من الواقع
من جانبه يقول د. محمد سيف: التصنع هو التفاخر بالنفس على غير حقيقتها، ومحاولة إظهار صفات غير موجودة قد يكون لأسباب نفسية كإحساسها بالغرور أو التكبر أمام الأصدقاء أو لشعورها بالنقص فتتصنع بعض السلوكيات للتغطية على حقيقة ذاتها التي لا ترضي الآخرين، وللهروب من الواقع الذي لا يتقبله الآخرون أو عدم الثقة بالنفس، فهي غير مدركة لخطورة هذا التصرف لكنه في حقيقة الأمر يحمل مردودات إيجابية كما هي المردودات السلبية وخطورتها في الحياة الزوجية، ممكن أن يكون الهدف منه الوصول لأهداف سلبية، لكن في نفس الوقت وفي بعض الأحيان تكون له آثار إيجابية كالتصنع من أجل كسب ود ورضا الزوج للحفاظ على استقرار الأسرة ومن الممكن أن يعود لأسباب التنشئة وطبيعة التربية التي تلقتها أو محاكاتها لأحد أفراد أسرتها كالأم أو الأخت مثلاً.
لذلك دائماً ما يكون هناك توجيه وتحذير للأهالي بضرورة الانتباه إلى سلوكيات الأهل السلبية وتأثيرها في الأبناء، كما يمكن أن يكون التقليد هو الدافع وراء التصنع وهو ما ينم عن عدم قناعة، وقد يكون طريقة للهروب من الواقع المحبط الذي تعيشه وبالتالي يتحول هذا الهروب إلى سلوك يومي، وقد يكون نتيجة للتأثر بالواقع الاجتماعي الذي تعيشه أوعدم الرضا بما قسمه الله سبحانه وتعالى لها، وتذمرها على واقعها الذي تعيشه، أو يكون طريقة للهروب من مخاوفها في حياتها الزوجية، أو يعود الى فقدان الهوية، وهذا يعني محاولاتها أرضاء الآخرين أو جذب اهتمامهم أو ربما نتيجة لعدم وجود رقابة ذاتية للنفس بتغليب المصلحة الشخصية على الأسرة فهي وسيلة للوصول إلى أهداف شخصية تختزلها الأنانية وحب الذات أو لفقدانها الحب والعاطفة في الحياة الزوجية وبالتالي يكون التصنع وسيلتها لإخفاء ما تمر به ويبقى هو طريقة لشد وجذب انتباه الآخرين، على الرغم من السلبيات الكثيرة التي يحملها التصنع إلا أن له إيجابيات كثيرة، إن أحسنت المرأة استخدام تصنعها ليتحول إلى أمر إيجابي في حياتها.
أما أشكال التصنع الإيجابي:
- فمنها التظاهر بمثالية الحياة الزوجية والتي يمكن أن تكون جزءاً من الواقع وأن يكون له جانب إيجابي من حيث تبادل المشاعر مع شريك الحياة.
- تصنع الهدوء والمرح عند غضب الزوج مع كرم العواطف والمشاعر والأحاسيس الصادقة.
- تصنع الاستمتاع بالحياة الزوجية والأسرية بهدف نشر الحب والاطمئنان والألفة داخل البيت ويجب الفصل بين التصنع الإيجابي والنفاق والرياء، ومحاولة تغيير السلوكيات السلبية، تصنع التظاهر بحب العلم من خلال القراءة والمتابعة بهدف غرس هذه السلوكيات الإيجابية لدى الأبناء.
- أيضاً التصنع فيما يتعلق بمظاهر الحياة الخارجية من الملبس والمأكل والسفر وحتى أثاث المنزل، وهذا النوع يكبد الزوج التزامات مالية قد لا تكون له القدرة عليها، وتصنع الكرم والجود والبذخ من دون تدبير يكون على حساب الأسرة والزوج.
يتابع: يبقى أنه للتصنع تأثير سلبي في هرمون المناعة لدى الإنسان فهو يحتاج الى جهد ووقت وموارد مالية، والأخطر أنه يدمر العلاقات الأسرية والاجتماعية والزوجية حتى على مستوى الأبناء، كما أن من يمارسونه يفتقدون التصالح مع الذات.
اقرأ أيضاً:
- الخرس الزوجي بين الصمت العاطفي وغياب الحوار.. كيف يهدد استقرار الحياة الزوجية؟
- هل الأزواج أكثر رومانسية من الزوجات؟ كيف تعيق العادات والتقاليد التعبير عن الحب
-السعادة الزوجية: أسرار الحفاظ على علاقة زوجية ناجحة ومستقرة
