مجلة كل الأسرة
15 يناير 2026

عندما يتحول التشجيع إلى ضغط نفسي... كيف يفقد الطفل شغفه بالرياضة؟

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

في كل مرة يخطو فيها طفل نحو الملعب، يظن الكبار أنهم يدفعونه نحو الصحة والانضباط، بينما الحقيقة ربما تحمل في ثناياها عكس ذلك، فوسط ضجيج الهتافات والتوقعات، يختلط على الطفل صوت المتعة، بصوت الواجب، وتتحول الرياضة التي جاءت لتفرّغ توتره، إلى مصدر توتر جديد.

ولأن السؤال لم يعد: «هل يلعب طفلي جيداً؟»، بل «هل لا يزال يستمتع؟»، كان لابد من فهم ما يحدث في أعماق الصغار حين تصبح الرياضة امتحاناً يومياً، بدلاً من كونها مساحة للحياة والفرح.

مجلة كل الأسرة

في هذا الصدد، تضع سارة معماري، الأخصائية النفسية المتخصصة في علاج الأطفال والمراهقين، خطوطاً واضحة بين الشغف والضغط، وبين المنافسة الصحية والاستهلاك النفسي، وتقول «تصبح الرياضة عبئاً حين تُسحب من مساحة اللعب إلى مساحة التوقعات العالية، ويُطلب منه أداء يفوق قدرته، أو حين يشعر بأن قيمته تُقاس بما يقدمه في الملعب، وهنا يفقد النشاط معناه، ويصبح الطفل أسير الخوف من خيبة أمل الآخرين».

المنافسة المبالغ فيها قد تهز ثقة الطفل بذاته

وتسلط سارة معماري الضوء على أكثر السلوكات الشائعة لدى بعض الآباء، التي تجعل الطفل يشعر بأن الرياضة واجب ثقيل «من أبرز تلك السلوكات التركيز الشديد على النتائج، والنقد بعد كل مباراة، والإلحاح على التدريب من دون فترات راحة، كما يشكل سحب حقه في اختيار تجربته الرياضية ضغطاً إضافياً، فيتبدّد الشغف، ويحلّ محله الإحساس بالواجب، ولا نغفل المنافسة المبالغ فيها، والتي قد تهز ثقته بذاته، وتعيق بناء تقديره الذاتي».

مجلة كل الأسرة

  علامات تشير إلى أن الطفل لم يعد يستمتع بالرياضة

  • الشكوى المستمرة قبل التدريب.
  • الانزعاج عند الحديث عن الرياضة.
  • الشعور بآلام جسدية بلا سبب معروف.
  •  الرغبة في الانسحاب.
  • فقدان الحماس.
  •  صعوبات في النوم.
  • القلق المفرط من الأخطاء.

تكمل الأخصائية النفسية سارة معماري «عندما يصبح الحب مشروطاً بالأداء، أي ربط الرياضة بالرضا الوالدي يعدّ ذلك من أخطر الممارسات، لكونه يخلق قيمة ذاتية مشروطة، تجعل الطفل يعيش في خوف دائم من الإخفاق، ويفقد إحساسه بالأمان العاطفي، فالأطفال دون 14 عاماً هم الأكثر تأثراً، لأن هويتهم في طور التشكل، ولأن تقييم الآخرين يلعب دوراً كبيراً في صورتهم الذاتية، فأيّ ضغط في هذه المرحلة قد يترك أثراً نفسياً طويلاً».

مجلة كل الأسرة

كيف نعيد شغف طفلك بممارسة الرياضة؟

تؤكد سارة «ينبغي على الأهل التركيز على الجهد والتطور، لا على النتائج، فدعم الطفل بعد المباراة، أو أي لعبة يمارسها، وقبول الخطأ كجزء من التعلم، وعدم إغراقه بالتوجيهات والنقد، أمور في غاية الأهمية، لأنه يشعر في تلك اللحظة بأن محبة والديه ثابتة، وغير مشروطة. ولكي نعيد الشغف المفقود، علينا أولاً أن نترك له المساحة لاختيار نوع الرياضة التي يحب أن يمارسها، لأن ذلك يعزز استقلاليته ودافعيته الداخلية، ويجعله أكثر التزاماً واستمتاعاً بالنشاط، لكونه نابعاً من رغبته وليس استجابة لتوقعات الكبار. كما علينا منحه حرية اختيار العودة في حال زهد اللعب،كما يجب علينا السماح له باستكشاف أنشطة جديدة من دون ضغط، ما قد يفتح أمامه مساحة لاستعادة فرحته الطبيعية بالرياضة. ولا نغفل دور المدرب الذي يعد شريكاً أساسياً في خلق بيئة آمنة قائمة على التشجيع لا الترهيب، فالتعاون بينه وبين الأهل في تقييم الضغط ومراقبة علامات الإرهاق هو بلا شك مفتاح تجنب الاحتراق النفسي».

في النهاية، تشير معماري «ليست الرياضة مجرّد مهارة يتقنها الطفل، بل تجربة تشكّل جزءاً من نموه العاطفي، ونظرته لذاته. وبينما يبحث الأهل عن الأفضل لأبنائهم، قد يتحول الحرص الزائد، من دون قصد،  إلى عبء يسرق من الطفل شغفه الطبيعي بالحركة واللعب، فما يحتاج إليه الصغار ليس مزيداً من التوقعات، بل مساحة آمنة يخطئون فيها، ويتعلمون، ويكتشفون قدراتهم على طريقتهم الخاصة، ومتى ما أدرك الأهل والمدربون أن قيمة الرياضة لا تُقاس بالفوز والخسارة، بل بمدى ما تمنحه للطفل من ثقة ومتعة واتزان، عندها فقط، يمكن للملعب أن يعود مكاناً تنمو فيه الطفولة، لا الضغوط، ويكبر فيه الشغف لا الخوف».