بين ضغط الحياة اليومية ومتطلبات العمل، تجد كثير من الأمهات أنفسهنّ مضطرّات إلى ترك أطفالهنّ لساعات طويلة، إمّا في الحضانة، وإما مع أشخاص ذوي ثقة، لكن ما لا يدركه البعض أن لحظات الغياب هذه ليست مجرّد فراغ زمني، بل تجربة نفسية حقيقية يعيشها الطفل، تؤثر في شعوره بالأمان، وثقته بوالديه.
كيف يمكن للطفل أن يتعامل مع الغياب؟ وكيف تستطيع الأم العاملة أن تحافظ على توازنه النفسي من دون الشعور بالذنب؟ هذا ما تكشفه الدكتورة شهيرة سامي، الأخصائية النفسية والتربوية، عن الانفصال الآمن والوعي النفسي أثناء غياب الوالدين، وتقول «يظن كثير من الآباء أن ترك الطفل مع شخص آخر، لفترة مؤقتة، أمر بسيط، لكن الحقيقة النفسية تختلف تماماً، فالغياب المتكرّر للوالدين من دون تمهيد قد يخلق ما يعرف بـ«قلق الانفصال»، وهو حالة تمثل البوابة الأولى نحو مشكلات واضطرابات نفسية يمكن تفاديها باتّباع خطوات صحيحة».
«وقبل البدء بالحديث عن تلك الخطوات، لابد أن نشير إلى نقطة هامّة، وهي أن العام ونصف العام من عمر الطفل يفضل قضاءه مع الأم لبناء الارتباط العاطفي، أما في حال الاضطرار إلى الحضانة، فيجب اختيار بيئة مناسبة وآمنة، ما يفرض علينا معرفة تأثير العمر في استجابة الطفل للغياب.
- فمن الولادة حتى عامين: لا يدرك مفهوم الذهاب والعودة، وبكاؤه وصراخه تعبير طبيعي عن فقدان الأمان.
- ومن عامين إلى أربعة أعوام: يبدأ الطفل تدريجياً بفهم فكرة الغياب والعودة، لكنه يحتاج إلى التمهيد والروتين الآمن.
- ومن أربعة إلى ستة أعوام: يدرك أن الغياب مؤقت ويمكن التعبير عن مشاعره بالكلمات.
- ومن ستة أعوام فأكثر: يمتلك الطفل استقلالية ومهارات اجتماعية تساعده على التكيّف، لكن الخبرة السابقة للانفصال تؤثر في مدى سهولة التكيف».
قلق الانفصال باب يقود لاضطرابات نفسية يمكن تجنبها بالوعي والتهيئة
علامات وجود اضطراب بسبب الانفصال
«وبلا شك هناك علامات تنذر باضطراب قلق الانفصال، منها:
- البكاء الشديد والتمسك المفرط بالوالدين
- رفض الذهاب إلى الحضانة أو المدرسة
- وجود شكاوى جسدية متكررة
- اضطرابات النوم أو الأكل
- قلق مستمر من الفقد أو الوحدة
- التمسك المفرط بالأشخاص المألوفين
- الانسحاب الاجتماعي أو الانطواء
وكلها أمور يمكن تجنبها بالوعي والتهيئة».
كيف نُعد الطفل نفسياً للانفصال؟
تجيب د. شهيرة:
- لابدّ من الإعداد المسبق والتمهيد التدريجي بالحوار الهادئ.
- عمل زيارات تعريفية للمكان، أو الشخص المسؤول عن رعاية الطفل.- الحرص على التواصل عن بُعد، ولو برسائل قصيرة، لتعزيز شعور الطفل بالأمان.
- تجنب الإفراط الذي قد يزيد القلق، ويمكن أيضاً الاعتماد على الكاميرات كوسيلة للتواصل والمراقبة، وفي الوقت نفسه، تُشعر الطفل بحضور والديه، رغم غيابهما.
- عند انتهاء تلك الفترة من اليوم على الوالدين التركيز على جودة الوقت بعد العودة من العمل، وليس مدّته، والحرص على توفير اللحظات الدافئة، وممارسة الألعاب البسيطة مع الطفل، مع تبادل الحديث الهادئ معه لتعويضه عن ساعات الغياب الطويلة.
- تخصيص عطلة نهاية الأسبوع للأسرة لتعزيز الروابط بين أفرادها، ومنحه الحنان والحب والتعبير عن ذلك بشكل واضح وصريح».
بروتوكول الانفصال الآمن لسلامة الطفل
تشير د. شهيرة إلى أن تدريب الأهل على بروتوكول الانفصال الآمن أساسي لحماية الطفل، ويشمل:
- التمهيد المسبق: التحدث مع الطفل قبل الانفصال، وشرح السبب بطريقة مناسبة لمستوى فهمه، مع الاستعانة بالقصص أو الفيديوهات، وتجنب المغادرة المفاجئة ضروري.
- التعريف بالمكان والشخص: زيارة المكان مسبقاً وربطه بشيء يحبه الطفل، والتعرف إلى من سيتولى رعايته.
- وداع خاص: ابتسامة، أو أغنية قصيرة، أو سلام مميّز، مع كلمات دافئة.
- ترك رمز من الأم: ترك شيء يحمل رائحة الأم، أو يذكّر الطفل بها لتعزيز شعوره بالأمان.
- تدرّج المدة: تبدأ فترات الغياب تدريجياً حتى يعتاد الطفل الوضع الجديد من دون صدمة مفاجئة.- الاستقبال بعد العودة: استقبال الطفل بحرارة وعبارات تشجيعية لتكوين صورة إيجابية عن الانفصال.
وتختم الدكتورة شهيرة سامي حديثها، قائلة «غياب الأم، أو الأب، القصير قد يترك أثراً طويلاً، لكن بالوعي والتخطيط يمكن تحويله إلى درس في الثقة والأمان، بدلاً من جرح نفسي، بتطبيق بروتوكول الانفصال، واختيار الشخص المسؤول بعناية، ودعم الأسرة، والحفاظ على الروتين، كلها أدوات تضمن بناء شخصية طفل مستقرة وآمنة عاطفياً، مع تحقيق التوازن بين متطلبات العمل واحتياجاته النفسية».