اختارت أن تنسج من ذاكرة الطرب ثوب أصالة ترتديه في مسارها الفني، هي صوت يستعيد زمن الطرب الجميل، ويعيدنا إلى إيقاع ينبض بالعمق، وإلى جذور الفن الأصيل، في وقت تسيطر الإيقاعات الهابطة على المشهد.
في حوار خاص معها، تستعيد المطربة، ميرنا ملوحي، ملامح الطفولة في زواريب الشام، وصوت الوالدة الذي فتح مسامعها على هذا العالم وكان «رفيق طفولتها»، في خضّم إرث موسيقي كبر معها، وبات البوابة التي تعيد الجمهور إلى الأغاني الطربية.
في لقائها مع «كل الأسرة»، تتحدث ملوحي عن بداياتها، علاقتها بالموروث، دور الحنين في فنها، ومسارها الاختياري للطريق الأصعب، وهو طريق الغناء الملتزم.
تستعيدين كل زهو الماضي وألقه عند الصعود على خشبة المسرح، كيف تنسجين ذاكرتك في الشام وزواريبها؟
كلما اعتليت خشبة المسرح، تعود بي الذاكرة إلى طفولتي، وإلى تلك اللحظات التي تعلمت فيها الإصغاء للطرب، بين أفراد عائلتي الذين كانوا مستمعين حقيقيين للفن الأصيل. وأتذكر دائماً أول حفل شهدته في دار الأوبرا بدمشق. تلك كانت بدايتي الأولى، البداية الجميلة التي انطلقت من الشام وزواريبها وروحها، هناك تكوّن شغفي بالموسيقى، وهناك تشكلت أولى صور الذاكرة التي ترافقني اليوم على كل مسرح.
تختارين الأغاني الخالدة من زمن الطرب الأصيل. كيف تولّدين هذا التواصل مع أجيال عربية مختلفة تعيش على إيقاع السرعة؟
الأغاني الخالدة تعيش طويلاً لأنها تنتمي إلى الذاكرة، على عكس الأغاني السريعة التي قد تمرّ وتختفي. وعلى الرغم من سرعة العصر، لا يمكن أن نظلم الأجيال الجديدة، فما زال بين الشباب من يستمع للطرب، ويقدّر جماله. وأنا حين أغنّي هذه الأعمال، أغنّيها من قلبي، والإحساس الصادق يصل دائماً إلى المستمع، مهما كان عمره. ومن يأتي إلى هذا النوع من الحفلات، يكون محباً أصلاً لهذه الأغاني، وهذا ما يمنح التواصل قوته واستمراريته.
صوتك يختزن ذاكرة الطرب، كيف استطاع ربط الجمهور بذاكرة جماعية؟
أنا أغنّي ما أحبّه، وما يلامس قلبي منذ الطفولة. وحين أغنّي من قلبي يصل الإحساس إلى الناس من دون حاجز. صوتي يحمل ما تربّيت عليه، ولذلك، أرى الجمهور يعود عبر صوتي إلى ذاكرة موسيقية قد لا يعيشها يومياً. هذا الارتباط ليس أمراً صعباً حين يكون الفنان صادقاً في أدائه، وحين يشعر المستمع بأنه يستمع إلى شيء حقيقي، يعيد إليه جزءاً من جذوره.
هل يمكن القول إن الحفلات اليوم تمثل تماسّاً وجدانياً يعيد الناس إلى جذورهم؟
بالتأكيد. هذا واجب كل فنان ملتزم بهذا اللون، أن يحافظ على حضور الأغاني الطربية، وأن يُعيد الجمهور إلى جمال هذا التراث. هذه الحفلات ليست مجرد عروض موسيقية، فهي مساحة وجدانية تُعيد الناس إلى ما يحبّونه، وتذكّرهم بأن الأغاني الطربية القديمة ما زالت حية وقادرة على لمس القلوب.
صوت الوالدة كان الصوت الذي فتح مسامعك على هذا العالم، ماذا تقولين عن تلك المرحلة؟
صوت أمي كان رفيق طفولتي، وطفولة إخوتي. تعلّمنا منه كيف نُصغي جيداً، وكيف نُحب الموسيقى بشغف. أثّر هذا الجو العائلي، بشكل كبير، في مسيرتي لاحقاً، وكان السبب الأساسي في تعلّقي بالأغاني الطربية وبكل ما هو جميل وأصيل. تلك المرحلة زرعت فيّ حب الفن، وكانت الشرارة التي دفعتني إلى الغناء.
تلقيت إشادة كل من وديع الصافي وطوني حنا، ما الذي تركاه في داخلك؟
شهادة فنانين كبيرين مثل الراحل وديع الصافي، والفنان طوني حنا، لا تُنسى. كلماتهما عن صوتي أثّرت فيّ، كثيراً وجعلتني أزداد حباً بهذا المجال. دعمهما منحني ثقة إضافية بأنني قادرة على العطاء أكثر، وأن هذا الطريق يستحق أن أستمر فيه. ما قالاه لي سيبقى محفوراً في قلبي، ولن أنساه ما حييت.
اخترت الطريق الأصعب، طريق الغناء الملتزم . كيف استطعتِ الحفاظ على نهجك؟
نعم، اخترت الطريق الأصعب، لكنّه الأحب إلى قلبي. أشعر براحة حين أقدّم ما يُشبهني، وليس ما يفرضه السوق. صحيح أن هذا الخيار مملوء بالتحدّيات، لكنه يمنحني صدقاً وراحة لا أجدها في غيره. حين نحب ما نفعله، يصل هذا الحب إلى الجمهور، وهذا ما يجعلني متمسّكة بما أقدمه، ومصمّمة على الاستمرار فيه، رغم الصعوبات.
ما رسالتكِ إلى الأجيال الجديدة للتواصل مع الماضي ومع ذاكرتهم الثقافية؟
لست ضد الأغاني الدارجة، بل أؤمن بأنّ بإمكان الجيل الجديد الاستماع إلى ما يحبّه منها، لكن في الوقت ذاته من الهام أن يمنح مساحة للطرب، ولأغاني الزمن الجميل، لأنها هي التي تبقى في الذاكرة. ليس خطأ أن يستمع إلى النوعين معاً؛ الهام ألّا يقطع صلته بجذوره الموسيقية. هذا التوازن سيمنحه ذائقة أغنى وأعمق.