03 سبتمبر 2026

الطلاق المبكر.. لماذا تنتهي بعض الزيجات سريعاً؟ المسؤولية مشتركة

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

أسرع قضية طلاق وقعت بعد ثلاث دقائق من الزواج، وذلك بعد أن تعثرت الزوجة وسقطت أرضاً فور الانتهاء من عقد الزواج لتسمع زوجها يسخر منها، فتعود الزوجة للقاضي وتطلب منه الطلاق. اختلفت آراء الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي التي نقلت الخبر بين مؤيد للزوجة لتصرفها الشجاع وتداركها الدخول في علاقة مصيرها الفشل وبين معارض لكونها تسرعت في أخذ قرار الطلاق.

هذا الرقم القياسي للطلاق السريع (3 دقائق) نسخ الرقم السابق لحالة الطلاق التي حدثت سابقاً والتي تم فيها الطلاق بعد ساعتين من الزواج، بسبب خلاف وقع بين عائلتي العروسين حول أغنية أدت إلى صدام العائلتين ليتحول الخلاف من مشادة كلامية إلى اشتباك بالأيدي.. ووقوع الطلاق!

هاتان الواقعتان وغيرهما توضحان الوضع الحرج الذي بات يصبغ بعض العلاقات الزوجية والتي سرعان ما تنتهي لأسباب مختلفة مؤكدة مآسي الطلاق المبكر في أسرنا العربية.

«كل الأسرة» حاولت البحث في أسباب الطلاق المبكر واستطلعت الآراء وخلصت إلى هذا التحقيق..

أسباب الطلاق المبكر.. سرعة الانفعال وقلة الصبر

يشير عبدالكريم عبدالرحيم (متزوج) إلى أن سرعة الانفعال والغضب والعجلة السبب الرئيسي في الكثير من القرارات الخاطئة التي قد يتبعها ندم كبير.. جيل اليوم يفتقر إلى الصبر والتحمل، والانفصال هو أول الحلول التي يفكرون فيها بعد الزواج إذا ما واجهتهم أبسط مشكلة، وأكثر حالات الطلاق نجدها تتم في أول سنتين من الزواج.

قرارات كثيرة في حياة الإنسان تحتاج إلى التأني والصبر قبل أخذ أي قرار حاسم فيها والتي يمكن أن نقول عنها «قرارات العمر» مثل الزواج، والطلاق، وقرار إنجاب الأبناء، وحتى القرارات الخاصة بالعمل.

الطلاق المبكر قد يكون سببه قرار زواج مبكر غير مدروس، فالعلاقة الزوجية التي تتسم بالسطحية تكون نتائجها غير صحيحة ينتج عنها انفصال مبكر. البداية الخاطئة يتم تصحيحها بأخطاء أخرى فيكون الطلاق هو الحل الوحيد لحل الأزمة.

قلة وعي الزوجين وأثرها في الطلاق المبكر

يبين محمد هاشم (متزوج) أن نجاح الزواج هو مسؤولية الزوجين، وقرار الطلاق قد يكون بسبب قلة وعي الزوجين خاصةً خلال الفترة الأولى التي تعقب الزواج، فيكون القرار سريعاً غير مدروس.

قد يكون صغر السن لبعض المتزوجين وجهلهم بخلفية الحياة الزوجية وعدم وصولهم إلى مرحلة النضوج العقلي ليكتشف أحد الأطراف فيما بعد بأنه قد اتخذ قراراً غير صحيح باختياره شريك حياة غير مناسب له، وبذلك يكون قرار الطلاق بالنسبة لهم أمراً بسيطاً لكونهم لا يدركون حجم التبعات والخسائر التي تسببها مسألة الطلاق.

وقد يحدث الأمر لاختلاف المستوى الاجتماعي والثقافي والتعليمي وما ينتج عنها من فجوة في طبيعة التفكير والتنشئة، فكل شخص منهما جاء من بيئة تختلف من ناحية الأفكار والطباع ما يتسبب بصدمة للطرف الآخر قد ينجم عنها عدم تقبل.

يضيف هاشم: هناك أشياء لاتعرف ولا تكتشف إلا بالمعاشرة تفاصيل لا تعرفها الزوجة ولا يعرفها الزوج إلا بعد الزواج تكشف عنها الحياة اليومية وأحداثها، سمعنا عن الكثير من حالات الطلاق بعد الزواج لأصدقاء وجيران حدثت بسرعة خلال أسبوع أو في نفس اليوم وأكثرها كانت بسبب سوء الفهم.

فقدان الأمان وأسباب طلب الطلاق

تؤكد سيما سيد (متزوجة) فقدان المرأة الأمان مع الزوج يدفعها إلى طلب الطلاق. الزوجة أمانة لدى الرجل عليه صونها فهو سندها ومصدر الأمان بالنسبة لها، مهما علا شأنها فإنها تحتاج إليه لتحتمي به، لا ليهينها ويذلها. للأسف في مجتمعاتنا العربية يوجد الكثير من الرجال من يرى الزوجة هي أدنى منه مرتبة ويعتقد أنها تحت جميع الظروف مجبرة على تقبل تصرفاته المهينة وغير المنصفة لها.

تذكر سيما سيد أحد الأزواج ممن هي على معرفة به وعائلته ينعت زوجته أمام إخوته وأهله بألفاظ غير لائقة، محاولاً التقليل من قيمتها بالرغم من قيامها بجميع واجباتها تجاهه وتجاه أبنائها حتى بعد أن تزوج بأخرى.

تضيف: لا ضير من أن تهتم المرأة بزوجها لكن في نفس الوقت يجب أن يكون لها شخصية مستقلة وقرار إن لم يكن مستقلاً فعلى الأقل تكون مشاركة فيه.. تحافظ على حقوقها كزوجة وتعلي من قيمة نفسها لا تذلها أو ترضى لها بالإهانة.

أهداف غير واضحة وراء فشل الحياة الزوجية

أن ظاهرة الطلاق المبكر تعود لأسباب ثقافية واجتماعية أكثر مما هي نفسية. فقد اختلف المفهوم النفسي للزواج بالنسبة للأجيال الجديدة فأصبحت الغالبية العظمى من الشباب غير مؤهلة لبناء أسرة وتحمل مسؤوليات الحياة، بسبب قلة الوعي وعدم إدراك المفهوم الصحيح للحياة الزوجية وتكوين الأسرة التي تقوم على أساسها المجتمعات وتبنى وتتطور، ليتحول مفهوم الزواج لديهم إلى حفلة زفاف وتجهيزات وفستان وشهر عسل!

الأمر لديهم شابته الضبابية وأصبحت أهدافه غير واضحة وذلك لغياب القدوة الحسنة في الزواج والتي تتمثل بالأم والأب ليكونوا غير مؤهلين لبناء أسرة وتحمل مسؤوليات الحياة.

أن قصر عمر الزيجات يظهر خللاً في أسس التربية والتنشئة عند الأزواج كونهم مثالاً غير جيد لهذه المؤسسة، على العكس عندما تكون علاقة الأم والأب مستقرة وسعيدة ينعكس ذلك على الأسرة والأبناء.

أصبح الكثير من الأزواج يفتقدون إلى الاتزان النفسي.. يثارون لأبسط المواقف بسبب تراجع القوة النفسية للزوجين، لا يستوعبان المشكلات أو يتخطيانها ليكملا حياتهما بشكل طبيعي.. الخلافات أصبحت كبيرة والمسائل البسيطة أصبحت معقدة بينهما، وعلاقتهما افتقدت للاحترام.

مجلة كل الأسرة

قد يكون للتدليل أو الرفاهية التي يحظى بها الشاب أو الفتاة عوامل مساعدة على حدوث الطلاق، فكل ما يأتي بسهولة يكون التخلي عنه سهلاً.. طبيعة الإنسان بصورة عامة يكون من الصعب عليه التنازل عن أشياء صعبة المنال.

كذلك للتباين الاجتماعي والثقافي أثر كبير في طبيعة العلاقة بين الأزواج، فانتماء الزوجين إلى بيئتين مختلفتين سواء كانت ثقافية أو أجتماعية قد تتسبب في الكثير من الخلافات لاختلاف الرؤى وتقييمهما للأحداث، فكل شخص ينظر إلى المشكلة أو الحدث من زاوية تختلف عن الآخر مما يسبب اختلافاً كبيراً في وجهات النظر قد يتطور على أثره فيؤدي بهما إلى الطلاق.

ولا نغفل هنا الدور الكبير الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي بما تطرحه من رؤى وأفكار لأشخاص يدعون العلم والمعرفة يستعرضون من خلال هذه المواقع تجاربهم الشخصية من خلال تركيزهم على الذات، متناسين تأثير هذه الأفكار على متابعيهم من الشباب وعدم ملائمة تجاربهم الشخصية وصعوبة تطبيقها على الجميع.

مفاهيم خاطئة وأساليب تقليدية تهدد الزواج

يرى علماء البحث الاجتماعي أن الزواج هو أصعب قرار في حياة كل إنسان بعد قرار العمل، لكونهما يحددان مسار حياته. وما ينطبق من حرص في اختيار نوع العمل من حيث مواءمته والنتائج المترتبة على نجاحه وفشله ينطبق أيضاً على الزواج، أي يجب دراسة هذه الخطوة من جميع جوانبها. هناك أيضاً الفكرة الخاطئة للزواج لدى الكثيرين على أنه علاقة شراكة بين شخصين هو أحد الأسباب الرئيسية للطلاق والطلاق المبكر بشكل خاص، بتصدير مفاهيم مغلوطة لعقول الشباب يصبح من اليسير لأحد الزوجين أن ينهي هذه الشراكة بكل سهولة.

الزواج بمفهومه الصحيح والدقيق هو بما وصفه الله سبحانه وتعالى بـ«الميثاق الغليظ»، وبترسيخ هذه الفكرة في عقول الشباب يمكن الحد والسيطرة على نسبة الطلاق ولو بشكل نسبي. وباختلاف طريقة الزواج سواء كان بشكل تقليدي أم عن سابق علاقة يجب أن يكون هناك تقبل من الطرفين لأهمية هذا العلاقة وقدسيتها.

وهناك أيضاً محاولة بعض الآباء فرض أساليب وطرق تقليدية لزواج الأبناء وهو أسلوب غير صحيح، فما طبق في الماضي لا يمكن أن يلائم العصر لاختلاف الجيل الحالي عن الأجيال السابقة من حيث مرحلة النضوج والاستعداد النفسي والفكري لفكرة الزواج وحتى الاستقلال المادي.

إن الطلاق المبكر ناتج عن زواج مبكر، وهو ما يعني انعدام الخبرة الحياتية، وخاصة إن كان سن الزوجين صغيراً، لعدم تأهيل الشباب المقبلين على الزواج بالشكل الكافي.. والنتيجة أن يتم الزواج على أسس غير صحيحة.

الطلاق المبكر لعدم فهم العلاقة الزوجية من الناحية الشرعية

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها)، من خلال هذا النص القرآني يبين الله أن الأصل في العلاقة الزوجية هو الاستقرار والاستمرار والسكن، ويقول النبي «صلى الله عليه وسلم»: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». وصفة الأهلية التي ذكرها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث هي الاستمرار والاستقرار.

من خلال هذه النصوص يتبين أن الأصل في الزواج هو الاستمرارية، لذلك أفتى الفقهاء بحرمة الزواج المؤقت وحرمة المتعة والتي تدخل تحت بند الزواج المؤقت ولفترة معينة لكونها لا تلبي الحاجات الأساسية للزواج.

ظهور الكثير من المشكلات الاجتماعية التي أدت إلى انحلال العلاقة الزوجية لأتفه الأسباب يعود إلى عدم رؤية الزوجين وفهمهما لهذه العلاقة بقوله تعالى «هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن». والسبب الوحيد للطلاق السريع أو المبكر هو عدم فهم العلاقة الزوجية من الناحية الشرعية والتأثر بالمجتمعات غير الإسلامية.

النظرة إلى الغير ومحاولة تقليد الآخرين بإقامة الحفلات بالملايين دون النظر إلى من نحن وما نملكه، كذلك التعجل من الطرفين لمحاولة فرض الإرادة على الآخر، فالرجل يريد أن يثبت قوامته على المرأة دون إفهامها معنى القوامة والمرأة تريد أن تفرض شخصيتها دون فهم للعلاقة. لو استمعت نساء اليوم لوصية المرأة العجوز لابنتها لفهم كل منا العلاقة، حينما قالت لها: «كوني له أرضاً يكن لك سماء، وكوني له فراشاً يكن لك غطاء، وكوني له أمةً يكن لك عبداً وإياك ومواطن غضبه وجوعه»، إلى غير ذلك من الوصايا التي سطرتها المرأة.

اقرأ أيضاً:

- تأجيل الإنجاب في العام الأول من الزواج.. هل يقلل الطلاق المبكر ويعزز استقرار الأسرة؟
- لماذا نفشل في سنة أولى زواج؟... أخطاء شائعة تقود إلى الانفصال السريع
- ما الشروط التي يمكن وضعها في عقد الزواج؟