لا يُعد العمل مجرّد وسيلة لكسب الرزق، بل مساحة يتكوّن فيها الإحساس بالهوية، والانتماء، وعندما يواجه الإنسان تجربة قاسية في هذا المسار، فإن أثرها لا يقف عند حدود الوظيفة، بل يمتد إلى الداخل النفسي، وقد يلامس أسئلة عميقة حول الذات والمعنى.
وفي مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، حيث يتشابك العمل مع الاستقرار الأسري والمكانة الاجتماعية، تصبح هذه التجارب أكثر حساسية، وتحتاج إلى وعي نفسي عميق في التعامل معها، لا إنكارها أو تجاوزها شكلياً. من هنا تبرز أهمية الفهم السليم لهذه التجارب، وتحويلها من عبء نفسي إلى فرصة للنضج وإعادة التوازن.
هذا ما أكد عليه مرعي محمد القرني، مرشد أسري ومدرّب في جمعية بنيان الاجتماعية، ومعلم في مجمع الملك سعود التعليمي، قائلاً «غالباً ما يمر الإنسان بعدة مراحل نفسية عند التعرض لتجربة مهنية قاسية، ويؤدي إدراكها إلى التخفيف من جلد الذات، فالمشاعر هنا طبيعية وليست دليل ضعف».
مراحل ردّة الفعل تجاه الصعاب
والجدير بالذكر أن هذه المراحل لا تأتي بترتيب ثابت، بل تتداخل وتتكرر، متمثلة في:
- الإنكار: «هذا لا يمكن أن يحدث لي».
- الصدمة والذهول: حالة من التجمّد الداخلي وصعوبة الاستيعاب.
- الغضب: موجّه للمحيطين، أو حتى إلى الذات.
- الحزن والإحباط: شعور بالفقد، يشبه الحداد النفسي.
- إعادة التقييم: بدء التساؤل عن الخيارات والمسار المهني.
- القبول والتكيّف: وهي مرحلة النضج وإعادة البناء الداخلي.
من أخطر ما قد تخلّفه التجارب المهنية القاسية، بحسب مرعي محمد، هو اهتزاز تقدير الذات، حين يبدأ الإنسان بربط قيمته الشخصية بمنصبه أو وظيفته «تظهر حينها أفكار قاسية مثل: «أنا غير كفؤ»، أو «أنا فاشل»، وهي أفكار مؤلمة لكنها غير واقعية، لتبدأ عملية استعادة التوازن بالفصل الواعي بين الذات الإنسانية والدور المهني. فالوظيفة مرحلة، وليست تعريفاً كاملاً للإنسان، ومن المهم التذكير بالخبرات المتراكمة، والنجاحات السابقة، والمهارات التي لا تزول بزوال منصب أو وظيفة، ما يجنب الشخص الوقوع في براثن الأخطاء الشائعة التي تعيق التعافي، ومنها اتخاذ قرارات متسرعة بدافع الخوف، والانعزال التام وقطع العلاقات، وجلد الذات، وتحميل النفس كل اللوم، والتظاهر بالقوة وإنكار الألم. هذه السلوكات قد تؤخر التعافي، بينما الاعتراف بالمشاعر وطلب الدعم، هو في حد ذاته علامة نضج وقوة نفسية».
أدوات عملية لإدارة القلق والخوف من المستقبل
من واقع الخبرة الإرشادية، يشير المرشد الأسري إلى مجموعة ممارسات بسيطة لكنها فعّالة، وتعزز الإحساس بالسيطرة الداخلية، وهي أهم مفاتيح التوازن النفسي في فترات التحول، وهي:
- تنظيم اليوم حتى في فترات التوقف أو التغيير المهني.
- التنفيس الصحي عبر الكتابة، الحوار، أو المشي.
- إعادة هيكلة الأفكار والتمييز بين الواقع والتوقعات الكارثية.
- التركيز على ما يمكن التحكم فيه بدل الاستغراق في المجهول.
- الجانب الروحي من خلال الدّعاء، والصلاة، والتسليم الواعي لله، الذي يعيد الطمأنينة إلى القلب.
دور الأسرة والمحيط الاجتماعي في التعافي من التجارب الصعبة
يشدد مرعي محمد على أن الدعم الأسري عامل أساسي في التعافي من أيّ هزة ترتبط بمجال الوظيفة، فأكثر ما يحتاج إليه الإنسان في هذه المرحلة هو الاستماع من دون تقديم نصائح فورية، والحرص على تجنّب المقارنات، أو التقليل من المشاعر، وعدم الاستعجال في إصلاح الوضع، وطمأنة الشخص بأن القبول والتقدير غير مشروطين بالوضع المهني، فأحياناً، جملة صادقة مثل: «نحن معك، وخطوتك القادمة ستتضح في وقتها»، تكون أقوى من أيّ حل جاهز».
وفي ختام حديثه، يؤكد مرعي محمد أن التجارب المهنية الصعبة، رغم قسوتها، قد تكون لحظة وعي عميقة. كثيرون أعادوا اكتشاف ذواتهم، أو غيّروا مسارهم نحو ما يتسق مع قيمهم، وقدراتهم الحقيقية، ويضيف «هذه التجارب ليست نهاية الطريق، بل منعطف يحتاج إلى وعي، وصبر، ودعم إنساني، وعندما نتعامل معها بوعي نفسي وروحي، تتحول من تجربة كسر إلى تجربة تشكيل، ومن خسارة ظاهرية إلى نضج داخلي عميق».