14 يناير 2026

الحب بلا مسؤولية... عندما تتحول المشاعر الجميلة إلى استنزاف وعبء نفسي

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

الحب بلا مسؤولية قد يبدو في ظاهره علاقة مفعمة بالمشاعر، لكنه في جوهره عبء نفسي خفي يفتك بالاستقرار العاطفي ببطء. فعندما تُقال كلمات الحب من دون أن تُترجم إلى التزام، وحضور، وسلوك ثابت، تتحول العلاقة إلى مساحة شكّ، وقلق، واستنزاف، ويجد أحد الزوجين نفسه مطالباً بالصبر والتفهّم بلا حدود، بينما يغيب الأمان الذي تقوم عليه أيّ علاقة صحية. ومع الوقت، لا يخسر الطرف المتألم شريكه فقط، بل يخسر ثقته بنفسه، وبمعنى الحب ذاته.

مجلة كل الأسرة

توضح الدكتورة رقية حسين محمد، المستشارة التربوية والأسرية «الحب شعور إنساني نبيل، لكنه لا يكفي وحده لبناء علاقة مستقرة، أو حياة مشتركة آمنة، فالمشكلة لا تكمن في الحب ذاته، بل في طلبه بمعزل عن تحمّل تبعاته، النفسية والعاطفية والإنسانية. هنا تبدأ المعاناة، ويتحوّل الارتباط من مساحة طمأنينة إلى ساحة استنزاف داخلي، وللأسف هذا النوع من العلاقات يُظهر الشريك في البداية مفعماً بالكلام العاطفي والمشاعر الجيّاشة، لكنه يتراجع عند أول اختبار حقيقي: حوار جاد، تحمّل خطأ، قرار مصيري، أو حتى مجرّد اعتذار، فتتجلّى المفارقة القاسية في التناقض بين ما يُقال وما يُفعل، فيجد الطرف الآخر نفسه أمام شخص مختلف تماماً عمّن أحبّه، كأن المشاعر كانت وعداً بلا ضمان».

  غياب المسؤولية غالباً لا يكون دليلاً على انعدام المشاعر بل على عجز داخلي عن تحمّل ثقل الالتزام

«هذا التناقض يخلق صدمة نفسية، خصوصاً لدى الطرف الذي منح ثقته كاملة، وبنى آماله على صورة شريك ظنّه سنداً وأماناً. كيف يمكن لشخص يعلن تعلّقه الشديد، وقد يصل أحياناً إلى الغيرة المفرطة، أو التهديد عند الفقد، أن يعجز عن أبسط صور الحضور والمسؤولية؟ هذا السؤال يتكرّر في كثير من العلاقات، ويشكّل بداية الشك، ثم الإنهاك، ثم الانكسار، وغالباً لا يكون غياب المسؤولية دليلاً على انعدام المشاعر، بل على عجز داخلي عن تحمّل ثقل الالتزام، فالبعض يحب الإحساس، لا العلاقة، ويطلب العطاء من دون أن يكون مستعداً للمقابل، كأن الطرف الآخر مطالب بأن يمنح بلا توقف، من دون احتياجات، أو حقوق، أو ضمانات نفسية تحفظ استمرارية العطاء، وهنا تختل المعادلة، ويتحوّل الحب إلى علاقة غير متوازنة، طرف يعطي وآخر يستهلك».

ما الأسباب النفسية والاجتماعية وراء هذا السلوك؟

تجيب د. رقية «غالباً يكون السبب من الناحية النفسية خوفاً غير واعٍ من الفقد، أو الفشل، أو نمط تعلّق غير آمن اجتماعياً، فنحن نعيش في زمن يروّج للمتعة السريعة، والعلاقات السهلة، من دون تعلّم حقيقي لمعنى الالتزام، إذ يحب الزوج الإحساس، لكنه يخاف من التعمق في العلاقة، وتقبّل جوانب مسؤولياتها، إضافة إلى طريقة التربية في الصغر، وتكوين الشخصية على حبّ تحمل المسؤولية، أو الإهمال في تعليمها للأبناء منذ الصغر، أو حتى ممارسة الضغط أثناء التربية، الذي يجعل من الشخص نافراً، أو باحثاً عن الراحة من دون جهد، أو تعب أو عناء، ناسياً، أو متناسياً، أن الطرف الآخر لو تصرف بنفس الطريقة ستكون النتيجة دماراً حتمياً وسريعاً للمنظومة الاجتماعية، وكل منهما ينتظر من الآخر أن يضحي، ويقدم،  ويبذل  الجهد، والنتيجة الفشل، وتتحول المشاعر الجياشة إلى كره، ونفور، وحرب، وعداوة قد تصل إلى معارك لأروقة المحاكم، وتشويه سمعة عائلات، والسبب واحد ومعروف، والحل واضح وبسيط».

مجلة كل الأسرة

مؤشرات يومية تكشف غياب المسؤولية العاطفية

ترصد د. رقية حسين، التهرّب من المسؤولية العاطفية عبر سلوكات متكررة، قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات نفسية عميقة، من أبرزها:

  • تجاهل المشاعر أو التقليل من أهميتها عند الخلاف.
  • التهرّب من الاعتذار وتحميل الطرف الآخر مسؤولية التوتر.
  • كسر الوعود الصغيرة والمتكررة من دون مبرر واضح.
  • الغياب عند الحاجة والدعم، والحضور فقط في أوقات الراحة.
  • ترك عبء المبادرة والحوار والاحتواء على طرف واحد.

وتضيف «هذه السلوكات لا تعكس ضعف الحب، بقدر ما تكشف ضعف القدرة على تحمّل المسؤولية العاطفية، ومع الوقت، تفقد العلاقة أهمّ مقوّماتها: الأمان العاطفي، فبدونه يعيش الطرف المتأثر في حالة توتر مستمرة، يراقب، ويتوقع، ويخشى السقوط في كل لحظة، لا شجار صاخباً، بل تراكم صامت، وهو الأخطر، لأنه يطفئ المشاعر ببطء، ويحوّل القرب إلى برود، ثم إلى انسحاب داخلي. ولا يتوقف الأثر عند الطرف المتحمّل فقط، بل يمتد إلى الأسرة بأكملها، فالعلاقة غير المتوازنة تُنتج بيئة غير مستقرة، وقد يلتقط الأبناء، إن وُجدوا، هذا النموذج المشوّه، فيتعلّمون أن الحب بلا حضور، أو أن العلاقة بلا أمان، فتنتقل الدائرة من جيل إلى آخر، حتى الطرف الذي يتهرّب لا ينجو من الأذى. فالهروب يخفف القلق مؤقتاً، لكنه يضاعفه على المدى البعيد، ويظل الشعور بالتهديد قائماً، وتبقى العلاقة هشّة، ويغيب الإحساس بالطمأنينة الحقيقية، لأن الاستقرار لا يُبنى على المشاعر وحدها، بل على الثبات والسلوك المتكرر».

 وتشير الدكتورة رقية، إلى حالة جاءت تشتكي عدم تحمّلها شريك حياة يحبها كثيراً، إلا أنها تفتقر معه إلى الشعور بالمسؤولية «الحب ليس اختبار كلام، الحب اختبار ثبات، وهذا الشيء  ليس رأياً شخصياً، هذا ناتج عن سنوات من العمل العلاجي، ومسنود بعلم النفس الحديث، وموجود بوضوح في القرآن والسنة. جاءتني زوجة تشرح صفات زوجها في نقاط (طيّب، رومانسي، يعشق المفاجآت، كلامه طيّب، يقسم بحبه لها)، ولكن إذا أشارت في حديثها لموضوع خاص بميزانية البيت، تربية الأولاد، التخطيط للمستقبل، أو حتى اعتذار واضح وقت الخطأ، يختفي، أو يغلق الموضوع، أو يقلب الحديث لمزاح، وعندما بدأت أتعمق في المشكلة وجدت أننا أمام رجل فعلاً يحب الإحساس، لكنه لا يتحمّل ثقل الالتزام، وهذا النمط لا نراه صدفة، بل يتكرر، ومشروح بوضوح في أكثر من مدرسة علاجية (كلام عاطفي كثير مقابل فعل مسؤول قليل)».

مجلة كل الأسرة

الفرق الجوهري بين الحب الناضج والعاطفة من دون التزام

توضح الدكتورة رقية حسين «الحب الناضج يسكّن، يواجه، ويبني على المدى الطويل، أما العاطفة غير المسؤولة فتُحمّس، ثم تتقلّب، وتطلب الإحساس، وتهرب من تبعاته. هذه الظاهرة لا تقتصر على جيل بعينه، بل تختلف في شكلها باختلاف الأعمار والبيئات، فبين جيل يملك التزاماً شكلياً بلا تعبير، وآخر يفيض عاطفة بلا ثبات، تبقى النتيجة واحدة: غياب الأمان. والتعامل مع هذا التحدي لا يكون بالصمت ولا بالضغط، بل بالوعي وفتح المجال للحوار الهادئ، وطلب الوضوح، ومراقبة السلوك لا الوعود، ووضع حدود تحمي النفس، كلها خطوات ضرورية، فتغيير السلوك ممكن، لكنه مشروط برغبة حقيقية واستعداد داخلي، وإلا تحوّل الانتظار إلى استنزاف».

8 نصائح للزوجة للتعامل مع الزوج غير المسؤول

  • لا تصدّقي الكلام وحده: فالحب الحقيقي يظهر في الأفعال، لا في الوعود. راقبي تصرفاته عند التعب والمشكلات، فهناك تتضح الحقيقة.
  • عبّري عن احتياجك بوضوح وهدوء: قولي ما تحتاجين إليه من أمان ودعم، من دون تهديد أو انفعال.، فالكلام الواضح أفضل من الصمت الطويل، أو الانفجار المفاجئ.
  • لا تبرّري تقصيره على حساب نفسك: تفهّم ظروفه لا يعني إلغاء مشاعرك، أو قبول الإهمال، فأنتِ لستِ مطالبة بالتحمّل الدائم وحدك.
  • ضعي حدوداً تحميك نفسياً: من حقك أن توضحي ما يؤلمك وما لا تستطيعين قبوله، فالحدود ليست قسوة، بل احترام للنفس.
  • اطلبي أفعالاً لا وعوداً: بدلاً من «سأتغيّر»، اسألي: كيف؟ ومتى؟ وما الذي سيتغيّر فعلًا؟ التغيير الحقيقي يُرى، ولا يُسمع فقط.
  • لا تحمّلي نفسك دور الزوج والزوجة معاً: العلاقة شراكة، وليست تضحية من طرف واحد، فحين تتحمّلين كل شيء، يتعوّد هو على الغياب.
  • استمعي لجسدك ومشاعرك: الإرهاق، القلق، وقلة النوم، إشارات هامة، تجاهلها لا يعني القوة، بل يؤخر المواجهة، ويزيد الألم.
  • اطلبي مساعدة متخصصة عند الحاجة: إذا تكرر الوجع من دون تغيير، فالاستشارة الأسرية أو النفسية حماية لكِ، وليست فشلاً، أو ضعفاً.

وفي النهاية، العلاقة الصحية ليست تلك التي تُتعبك، بل التي تطمئنك، وتمنحك مساحة أمان لتكون نفسك، فليس كل حب يستحق التضحية، ولا كل تضحية دليل حب، والعلاقة السليمة تحمي، لا تُنهك، وتقرّب الإنسان من ذاته قبل أيّ شيء آخر.