سلطة الألوان المدهشة.. كيف تؤثر الألوان في النفس والسلوك والإدراك البصري؟
ثمة ألوان تريح الأعصاب وأخرى توترها وهي جميعها تتحدث إلى لاوعيكم، وقد حملت مع مختلف الثقافات والحضارات معاني مختلفة. بيد أنكم ستكتشفون، من خلال دراسات علمية وتجارب مدهشة كم أن تأثير الألوان يمتد إلى حياتنا اليومية سواء أكان في المجال النفسي أو التعلّمي أو الديكور أو الموضة أو الإنتاجية والإبداع والتسويق حتى أنكم لن تتمكنوا بعدها من اختيار ألوانكم بشكل عشوائي.
على الرغم من أنكم ستصابون بخيبة أمل إلا أنني أؤكد لكم أن اللون لا وجود له! أو بالأصح، هو موجود لأننا ننظر إليه. من المؤكد أن هذا أمر يصعب القبول به وهو يناقض أبسط حدس لدينا حتى أن العلماء لم يتفقوا حول الموضوع إلا في نهاية القرن العشرين. فما هو اللون إذاً أو بالأحرى ما هو إدراك الألوان؟ إنه موجة ذات طول معين تراها العين الإنسانية.
والعين حساسة إزاء طول موجات معينة ما بين 380 و780 نانومتراً، وهو ما يسميه العلماء الطيف المرئي أي بكلمات أبسط الضوء الذي تراه العين. فالضوء ظاهرة موجية تماماً كالموجات ما دون الأحمر والموجات الصغرى وموجات الراديو، وهي أطول من موجات الضوء، أو أشعة إكس أو الموجات فوق البنفسجية وهي أقصر من موجات الضوء. والفرق الأساسي هنا هو أن عيوننا «لا ترى» تلك الموجات.
قد يصدر هذا الضوء عن الشيء الذي «تراه» عيننا (اللمبة، الشمس، السطح الفوسفوري، الشمعة، إلخ.) وقد يكون مفلتراً بطريقة تجعله يمر بشكل جزئي على طريقة النظارات الشمسية، وقد يكون معكوساً بالكامل أوجزئياً ما يمكننا من رؤية الأشياء من حولنا والقمر أيضاً.
وهكذا، فإن الضوء موجة كهرومغناطيسية صادرة، مفلترة أو معكوسة. لكن أينشتاين أصدر فرضية تم تأكيدها في ما بعد هي أن النور المرئي ليس مجرد موجة كهرومغناطيسية ولكنه أيضاً حزمة من الفوتونات (أو كوانتا ضوئية). وهكذا يكون الضوء بالتالي طاقة منقولة، فالفوتون البنفسجي يمتلك مثلاً طاقة قدرها ثلاثة إلكترونات-فولت.
يتميز اللون بثلاثة عناصر: الصبغة، الضوئية (أو القيمة) والإشباع. الصبغة هي اللون المروحي ويقابلها طول موجة واحد (الأزرق، الأخضر، الأصفر، الأحمر...) والضوئية هي نسبة الأبيض في الصبغة، فالأحمر مثلاً، يمتد ما بين الزهري الفاتح والنبيذي الغامق، والأزرق يمتد من زرقة السماء الفاتحة إلى الكحلي. أما الإشباع فهو نسبة الرمادي. وإذا كنا نرى الألوان فهذا لأن شبكية العين تحمل ثلاثة أنواع من الخلايا الحسية، كل واحد منها يستشعر مجالاً من طول موجات في المروحة البصرية، فمنها من يكون حساساً للموجات الصغيرة ومنها للموجات المتوسطة ومنها للموجات الطويلة. ويعتقد اليوم أن حوالي 10% من الرجال و50% من النساء يملكون نوعاً رابعاً من الخلايا الحساسة لموجات البرتقالي وهم يتمتعون بالتالي بإدراك أفضل لفويرقات الألوان في الألوان الصفراء والبرتقالية والحمراء.
وهكذا، فإن رؤية اللون هي مزيج من هذه الإدراكات الثلاثة أو الأربعة التي يترجمها الدماغ في منطقته الخلفية. قوة رؤية الخلايا الحسية تعني الضوئية، ففي نصف العتمة مثلاً، حين تخف قوة الضوء، لا تعود الخلايا ذات الحساسية المحدودة ترى الألوان.
ولحسن الحظ تمتلك العين خلايا من نوع آخر، ليست حساسة للألوان بل فقط لحدة الضوء. فحين تخف هذه الأخيرة تتحرك هذه الخلايا من دون أن تتحرك الخلايا الخاصة بالألوان. وفي المقابل يصيبنا الانبهار حين تصطدم الكثير من الفوتونات بخلايا الشبكية فيصيبها الاشباع. وتتشكل الخلايا التي ترى الألوان في الشهر السادس من العمر، قبلها لا يرى الرضع الألوان الزرقاء ولا البنفسجية التي تبدو لهم رمادية ولا الألوان المائية التي يرونها بيضاء.
حرارة الألوان.. لماذا يعد الأزرق أكثر حرارة من الأحمر علمياً؟
ما هو اللون الأكثر حرارة؟ هل هو الأحمر أم الأزرق. قد يقول غالبية الناس أن الأحمر لون دافئ والأزرق لون بارد... لكن العلماء لا يقرون بالأمر ويقول علماء الفضاء منهم أن النجوم الزرقاء أكثر حرارة بعشر مرات من النجوم الحمراء. فـ حرارة اللون هي عكس ما يظن، وكلما كانت الحرارة مرتفعة تحول اللون إلى الأزرق.
إن مسألة حرارة اللون مهمة لأن دماغنا يرى الألوان بشكل مختلف بحسب حرارتها. لقد اعتدنا أن نميز ضوء القنديل واللمبة وضوء النهار. ألا يحكى مثلاً عن ألوان الصباح الجميلة؟ وبإمكاننا أن نقول أن لون الحامض يبدو أبيض في ضوء أحمر وبنياً فاتحاً في لون أخضر ولا نراه أصفر إلا في ضوء أبيض. بعض صانعي الأقمشة يفكرون بلون الرداء في وضح النهار وكذلك في نقطة العرض في المخزن. فالأخضر مثلاً في وضح النهار ألن يصبح بنياً في ضوء شديد الاصفرار؟
كم لوناً تستطيع العين البشرية تمييزه؟
يختلف الإدراك البصري للألوان إذاً بحسب مادة الشيء وردة فعل الدماغ وحرارة اللون وحدة الضوء، ولكن كم من لون نستطيع أن نرى؟ اعلموا أن عينكم تملك ذاكرة بصرية للألوان سيئة جداً. تخيلوا مجموعة من عشرة آلاف بطاقة تحمل كل واحدة منها لوناً مختلفاً.
إذا ما فتحت أمامكم بضعاً من تلك التي تحمل فويرقات لون شبه متماثلة ستكونون قادرين على المقارنة بينها لتروا أن واحدة منها أكثر أو أقل ازرقاقاً من سواها. ولكن إذا ما عرضت عليكم بعد بضع ثوان واحدة من هذه البطاقات ثم عرضت عليكم واحدة أخرى من المجموعة ذاتها، ستكونون عاجزين عن التمييز بين البطاقتين.
فذاكرة الألوان لدى الإنسان غير دقيقة البتة، والسؤال هو كم من الألوان باستطاعتنا التمييز إذا ما عرضت أمامنا جميعها؟ والجواب هو الكثير الكثير، أي بين بضعة آلاف وبضعة ملايين. ويتفق خبراء قياس اللون اليوم على القول أن بالإمكان تمييز الألوان حتى 150 صبغة أحادية اللون أي ثلاث مئة ألف لون مع اللعب على الضوئية والإشباع. وبعض كبار خبراء اللون يظنون أننا قادرون على تمييز ثلاثة ملايين لون.
لكن الشيء اليقين الوحيد هو أنه من السهل علينا أن نميز بين لونين قريبين جداً نراهما على مساحة واسعة أكثر من قدرتنا على التمييز بين لونين قريبين نراهما على مساحة صغيرة.
وحتى اليوم، لا يوجد جواب نهائي حول عدد الألوان التي نستطيع رؤيتها، هذا لأننا لسنا متساوين من حيث القدرة على رؤية الألوان. فالنساء، مثلاً، يمتلكن عموماً قدرة أكبر على تمييز الألوان من الرجال. والمصابون بـ الدالتونية يخلطون بعض الألوان وهم بنسبة 0,4% لدى النساء و8% لدى الرجال.
والنساء يميزن ألوان الأخضر والأصفر والأزرق أفضل من الرجال. كما يتأثر إدراك الألوان أيضاً بحسب القدرات البصرية التي تختلف بين شخص وآخر، بحسب قوة الضوء.
فعيون الآسيويين المبطنة أقل تأثراً بالضوء القوي من عيون سواهم، وتتأثر بنوعية السطح الذي قد يكون لامعاً أو جافاً، وزاوية الانكسار والمسافة بين الشيء الذي نراه والعين، وثمة تأثير كذلك للحجم، فكلما كان الشيء الذي نراه كبيراً بدا لنا اللون أكثر شدة.
ويتغير اللون بحسب حدة الضوئية، فكلما كان الأصفر فاتحاً، أي مضيئاً، كلما رأيناه يميل نحو الأصفر المخضر. وكلما كان اللون مشبعاً بدا لنا أكثر اغمقاقاً.
ويجب ألا ننسى أن الإحساس باللون يتغير بحسب ما يوضع بجانبه من ألوان أخرى. فالليلكي مثلاً يبدو أكثر حرارة إلى جانب لون أكثر برودة كالأزرق، لكنه سيبدو أكثر برودة إذا ما وضع إلى جانب لون دافئ كالبرتقالي.
إن مفهوم التناقض هذا مهم وقد تمت دراسته بالأخص من جانب شركات الإعلان حتى تكون الإعلانات مرئية بشكل واضح تماماً، كما أنه يدخل ضمن تطبيقات الألوان في التسويق وسيكولوجية الألوان.
كيف ترى الحيوانات الألوان؟ وهل تختلف عن رؤية الإنسان؟
ساد الاعتقاد لفترة طويلة أن 90 % من الحيوانات اللبونة لا ترى الألوان. إلا أن هذا الأمر قد تم دحضه بنسبة 90%، للقول إن الحيوانات لا ترى الألوان ذاتها التي يراها الإنسان بل لديها مروحتها المرئية الخاصة بها.
فغالبية الحيوانات اللبونة دلتونية أي أنها تمتلك نوعين من الخلايا في الشبكية. فالكلب مثلاً لا يميز الألوان جيداً إلا في مروحة الأخضر في حين تبدو له الألوان الأخرى رمادية غامقة أو فاتحة. كما أن الأرانب والقطط والجرذان والأبقار لا تعرف الأحمر، بل تتعرف إلى الأزرق والأخضر. فالثور مثلاً لا يرى الأحمر أبداً.
أما الحصان فهو يرى جيداً الأصفر والأخضر، لكنه يخلط بين الأزرق والأحمر. وعند الزواحف، نعرف أن السلحفاة تميز بين الأزرق والأخضر والبرتقالي.
أما الحشرات فهي تحب بشكل خاص الأصفر، والطيور ترى مروحة واسعة من الألوان وتضبط سلوكها على اللون أكثر منه على الشكل.
وأخيراً، الحيوانات الوحيدة التي ترى تقريباً مثلما يرى الإنسان هي السناجب والفراشات، لكن ثمة حيوانات تتمتع بـ رؤية الألوان بصورة أفضل بكثير من الإنسان كالقشريات مثلاً والأسماك التي ترى الألوان فوق البنفسجية.
