الهبة المالية بين الشقيقات.. هل تعزز التضامن أم تزرع التنافس والغيرة؟
كثيراً ما نسمع شكاوى من الشقيقات على بعضهن بعضاً، لماذا؟ ولماذا نعاني من الأخت الشقيقة أكثر مما نعاني من الصديقة؟ فما هو نسيج هذه العلاقة بين الشقيقات الغريبة بين هاتين المرأتين؟ ازدواجية في المشاعر، اندماج، إسقاطات لا واعية... يقارب هذا الكتاب كل ما سبق لتحليل عمق وخفايا هذا الرابط الذي قام إبان طفولة مشتركة عبر أسئلة توجهها الصحفية صوفي كاركان إلى عالمة النفس ماريز فايان.
لعبة المقارنات
س: ماذا عن التنافس بين الشقيقات، ما هو مصدره؟
ج: نظرة الأب تقيس وتضع الترتيبات، وتشير إلى الفوارق، ما يسبب التنافس بين الشقيقات من خلال المقارنة بينهن. نظرة الأم ترغب في التوحيد وإزالة هذه الفوارق وإخضاعها لقاعدة مشتركة ومشروع موحد. وقد يكون الوضع مقلوباً كذلك. وفي الحالتين رغبة الأهل تفرض ذاتها على الفتيات بقوة الأمر والرغبة في بلوغ كمال جسدي أو أي نوع آخر من التفوق.
وهذا وضع مؤلم لأن الأهل يعرضون بناتهن من دون أي مراعاة ويخضعوهن لأحلامهم ومشاريعهم. وعادة ما يتلقى الطفل رغبات الأهل سواء تم التعبير عنها أم لا ويسعى إلى إرضائها. بكلمات أخرى، إن الكثير من الخلافات بين الشقيقات يتم التحضير له من قبل الأهل، سواء أكان بشكل واعٍ أم لا، من خلال رغبتهم العميقة النابعة عن تاريخهم الشخصي.
س: حين ترغب الأم بالشيء نفسه لكل بناتها، هل هذا يعني أنها تلاحق حلماً خاصاً بها؟
ج: لا نعرف الأسباب العميقة التي تدفع الأم إلى الرغبة في رؤية بناتها ينجحن في مجال معين. هذا الأمر متصل بقصة حياتها، الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نراه هو أن رغبة الأم وحتى الأب تتجذر بعنف في أعماق الفتاة. بعضهن يجدن أنفسهن فيها وبعضهن الآخر بحاجة إلى التحرر منها حتى يتمكنّ من عيش حياتهن.
ليس من السهل دائماً أن نصير أطفالاً لأهلنا، أن نواجه أحلامهم وأن نجد أحلامنا، أن نقبل بميراثهم وأن ننجح في أن نصبح ما نريد. هذه هي مغامرة حياة بأكملها، وهي مغامرة صعبة تستلزم سبراً نفسياً طويلاً. تنطلق المسألة مع المراهقة وتشهد اندفاعات متجددة مع كل أزمة في الحياة، وهو ما يبرز تأثير الطفولة على العلاقات الأسرية في مراحل العمر المختلفة.
س: هل زوال التنافس بين الشقيقات يحتاج إلى أن تصيب إحداهن مصيبة كبيرة؟
ج: حين تحقق واحدة من الشقيقات نجاحاً باهراً يضعها في موضع الغيرة بين الأخوات والحسد من جانب شقيقاتها، ثم تمر بأزمة طاحنة أو بمصيبة ما، كمرض عضال أو فقدان عزيز مثلاً، ترجع بنظرهن امرأة مشابهة لكل النساء. تشعر شقيقاتها حينها بعنف الألم الذي تعاني منه حتى لو كانت قد ابتعدت عنهن.
ولكن هذا لا ينطبق على الجميع، فالمآسي العائلية قد تعيد إحياء التنافس المتخيل وحتى السادية العميقة تحت ستار التعاطف. بيد أنه في أغلب الأحيان، حين تصاب الشقيقة المحسودة بمصيبة ما قد تسعى الشقيقات الأخريات إلى مواساتها ومشاركتها ألمها ومعاناتها.
س: كثيراً ما نلاحظ شكوى النساء من شقيقاتهن، لماذا هذه الضغينة؟
ج: كثيراً ما تظهر الشكاوى في حديث الشقيقات عن بعضهن كما لو أن الشقيقة الغيورة أو الحاسدة كانت الصورة السلبية التي تعكر صفو ذكريات الطفولة وتمتص كل مرارة الماضي حين لم يكن يبدو حب الأهل موزعاً بالتساوي.
هذه الأخت الحسودة هي الأنا الأخرى المزعجة والظل في لوحة نرغب في أن تكون خالية من الشوائب. الشكاوى والانتقادات بين الشقيقات تحمل علامة حسد الأخوات والغيرة والرغبة وكل علامات النقص التي شابت الطفولة. ليس من النادر، عندما تكبر الشقيقات، أن يعشن طفولتهن مجدداً بحثاً عن أسباب ما وصلن إليه في حياتهن ليتم توجيه إصبع الاتهام إلى الأخت المختلفة التي جعلت حلم المستقبل المشرق الموعود يضل طريقه.
كما أن كل أخت قد تتهم أختها بأنها سرقت منها مستقبلها لترتدي الخلافات بين الشقيقات أبعاداً كبيرة.
س: هل يمكن لإنجاب ولد من قبل إحدى الشقيقات أن يجعلها موضع حسد الأخريات؟
ج: في حكايات النساء، وبخاصة حينما يطلب منهن الحديث عن شقيقاتهن أو عن أمهاتهن، نادراً ما يذكرن الرجال وكذلك الأبناء. إلا أن غياب هؤلاء عن الحكاية لا يعني أنه لا دور لهم، بل على العكس. فالأب هو عنصر أساسي، حتى من خلال غيابه.
أما مكانة الابن فهي جوهرية في حياة كل امرأة، سواء أكان ابنها أو ابن شقيقتها، لأن الابن في المخيلة هو علامة السلطة والتفوق. الشقيقة التي تنجب ولداً تسيطر نفسياً على شقيقاتها حينما تعطي وريثاً ذكراً لسلالة زوجها.
وما من أخت ستذكر بشكل عفوي أنها حسدت شقيقتها عند ولادة ابنها لأنه نادراً ما يتم وعي هذه الغيرة الناجمة عن مشترك ثقافي بطريركي قديم قدم العالم ومرتبط بانتقال اسم العائلة عبر الولد، وهو أمر قد يتسبب بنشوء حالة من الغيرة بين الأخوات.
س: هل الهبات المالية بين الشقيقات علامات تضامن أم سلطة؟
ج: الهبة المالية هدية معقدة دائماً وبالأخص داخل الأسرة وفي علاقة من المفترض أن تكون أفقية أي متساوية كـالعلاقة بين الشقيقات. الشقيقة التي تهب المال هي التي تعطي لنفسها مكانة مميزة وقوية وسلطوية ناجمة عن قدرتها على العطاء لتخرج من العلاقة المتساوية.
هذه الهبات بحد ذاتها تبين المسافة وتؤكدها، فالهبة تفرق بقدر ما تربط وتقيم هرمية بين من يتلقى ومن يعطي. فالكرم ليس مجانياً البتة. أن تعطي يعني أن تكون قوياً وقادراً ومسيطراً. والشقيقة التي تعطي تخرج من علاقة التساوي بين الإخوة لتنضم إلى دور الأم أو الأب.
والمال هو أكثر الرموز زئبقية لأنه قد يمثل الاستقلالية كما العبودية، والدين كما الهبة، والمساعدات المالية بين الشقيقات قد تساعد على السيطرة كما على التحرر.
س: هل يمكن الخروج من الجرح الذي يصيب الفتاة حين تشعر أنها ليست الابنة المفضلة؟
ج: ألا تكون المفضلة يعني أنها محبوبة أقل من شقيقتها، أي أنها ليست محبوبة بالقدر الكافي ومحبوبة بشكل سيئ. والطفل يعتبر أن أهله قادرون على كل شيء ويفترض بهم أن يعطوه ما هم قادرون عليه، وأي تفرقة قد تحفر ثلماً كبيراً يؤدي إلى عذابات حقيقية.
وفي كل أسرة، ثمة امتيازات ومظالم، سواء أكانت بسيطة أو خطيرة. وفي أغلب الأوقات نجد أن الأهل لا يدركونها. وهكذا نجد أن الولد مفضل على البنت والبنت البكر على البنات الأصغر أو الصغيرة على الباقين. ويرجع تفضيل الأبناء إلى حكاية كل من الوالدين الشخصية والظروف المحيطة بالحمل أو الولادة.
كل طفل يولد يأخذ مكانه في سياق مختلف ومعقد، سعيد أم تعيس. كل طفل يخرج إلى حياة امتلأت بالمشاعر والانفعالات والهموم قبل مجيئه وهو سيحمل وزر كل ما سبقه.
بكلمات أخرى، عمليات تفضيل الأبناء تنجم عن تاريخ الأهل أكثر مما تنجم عن الطفل نفسه، إلا أن هذا الأخير سينسبها إلى فضيلة فيه أو إلى عيب فيه. لأسباب لا يدركها بعض الأهل، نجدهم يمتنعون عن محبة واحد من أطفالهم.
ما الذي يمثله بالنسبة إليهم؟ أهو فرق كبير أم شبه كبير؟ المؤكد هو أثر الحلقة المفرغة الذي ينجم عن هذا الموقف. الطفل المحبوب سيكون أكثر وداً من الطفل المرفوض وسيثق بذكائه وقدراته وسينجح بشكل أفضل، في المرحلة الأولى ربما.
هذه الأمور الصغيرة تشير إلى الطريقة التي يبني الحب فيها طفلاً وكيف يعمل نقص الحب على تدميره، وهي من القضايا المرتبطة بـالصحة النفسية للأسرة. على الطفل غير المحبوب أن يصارع ليتم الاعتراف بوجوده، وعليه أحياناً أن يبتكر حياته في حال فشل في نيل اعتراف أهله، وهنا يمكن للحلقة المفرغة أن تُكسر.
وفي حال كان النقص العاطفي بسيطاً أو قليل العمق، سيسعى الطفل بوسائله الخاصة لتجميل عالمه حتى يخرج من قسوة القدر ويتمكن من خلق الآليات النفسية والمادية التي ستمكنه من عيش حياة أفضل. بقوة خياله ورغبته سيستخدم ما ستضعه الحياة في طريقه من أجل أن يخرج من هذا المصير التعيس ليبني حياته، من خلال الألم ومعه وربما أحياناً بفضله.
س: لماذا كل هذا الألم؟
ج: الطفل مركز العالم من الناحية النفسية، وهذه ضرورة بنيوية بالنسبة إليه، وسيحظى بكامل طفولته حتى يفهم أن الآخرين مثله. بانتظار ذلك، يتوقع الطفل أن يكون هو المفضل، وبطريقة ما، يجب أن يكون كذلك.
حتى يكبر ويتفتح، يحتاج الطفل إلى أن يشعر بأن حب أهله له لا حدود له وليس معدوداً، ولا يمكنه أن يفترض أنه سيحظى بحب أقل مما يعطى إلى سواه. وحين يحدث هذا، سيكون بمثابة نقص بالنسبة إليه.
حين يشعر طفل أنه يأتي دائماً في مرتبة بعد شقيقه أو شقيقته من حيث اهتمام أهله وبالأخص أمه في سنواته الأولى، وحين يتولد لديه انطباع بأنه دائماً في الظل ولا يُحسب حسابه وأنه غير محبوب بما فيه الكفاية، سيكون تقديره لنفسه قليلاً وثقته بنفسه أقل.
ما من طفل يمكن أن يعتبر أن أهله على خطأ أو أنهم قد يرتكبون خطأً، وإذا كانوا يحبون سواه فهذا يعني أن سواه يتمتع بصفات لا يملكها. وهكذا، فإن الشقيقة المفضلة ستكون معتبرة من شقيقاتها على أنها الأفضل في كل المجالات ولا مجال لنقاش هذه الحقيقة، بل المتاح وحده هو الألم والصمت خلال سنوات الطفولة بانتظار أن تتعدل الأمور في المراهقة أو بعدها.
وحينها إما أن تتغير العلاقة بين الشقيقات فتتوطد، أو تنفجر.
*تأليف: ماريز فايان وصوفي كاركان
