27 يونيو 2026

العلاجات السلوكية المعرفية.. كيف تساعدك على علاج القلق والتوتر وتغيير السلوكيات السلبية؟

أستاذة وباحثة جامعية

مجلة كل الأسرة

التغلب على «السترس»، الشفاء من إدمان أو من رهاب أو تعلُّم الوثوق بالنفس في المجتمع... كل هذا ممكن بناءً على طرائق علمية مثبتة ومعترف بها هي العلاجات السلوكية المعرفية أو العلاج المعرفي السلوكي، التي تقترح حلولاً فعّالة لتعديل سريع في العادات والسلوكيات التي تنغِّص عليك حياتك، وتُعد من أبرز أساليب العلاج النفسي الحديثة في تحسين الصحة النفسية.

السلوكيات والأفكار والمشاعر هي محاور العمل الأساسية الثلاثة في العلاجات السلوكية والمعرفية. وهذه العلاجات هي نهج شامل يتعاطى مع الفرد بكليته، وهدفها مساعدته على تطوير كفايات جديدة؛ حتى يتمكن من إعادة تنظيم نفسه بنفسه. وهكذا سيكون قادراً على مواجهة مشاعره السلبية، وإدراك سلوكياته من أجل أن يعدّل من طرائق تفكيره، بما يسهم في إدارة المشاعر وتعزيز القدرة على التكيف.

كثيراً ما تقارن العلاجات السلوكية والمعرفية بالتحليل النفسي، من أجل فهمها بشكل أفضل، هذا لأن هاتين المقاربتين تشكلان طرفي نقيض. إليكم طريقة عمل كل واحدة منهما: يستند التحليل النفسي إلى تفسير الأحداث الماضية. ينطلق من تاريخ الفرد، ولا سيما من طفولته؛ من أجل تفسير مشكلاته الحالية.

كما يتم درس أحلامه وزلات لسانه وأعماله غير المقصودة والمعتبرة انعكاساً لما يعتمل في لاوعيه. يكون تفسير هذه العناصر ذاتياً بالطبع، وبالتالي لا يمكن التحقق منه من وجهة نظر علمية. يقدم التحليل النفسي فهماً ذاتياً للاضطراب الذي يعانيه المريض من دون أن يقدم له حلاً عملياً وملموساً.

في المقابل، تستند العلاجات السلوكية والمعرفية إلى ملاحظة السلوكيات والأفكار والانفعالات لدى الفرد هنا والآن. تنطلق هذه العلاجات من المشكلة الملموسة والراهنة، تتعرف إليها بحد ذاتها، وتجد حلاً مناسباً وفعالاً لها. وعلى عكس التحليل النفسي، لا تسعى العلاجات السلوكية والمعرفية إلى البحث عن الأسباب الأساسية للاضطراب، بل تقترح حل المشكلة بطريقة سريعة وعملية، ليتم تقييم النتائج بعدها، وهو ما جعلها من أكثر الأساليب استخداماً في علاج القلق والتوتر.

هذا هو المنهج العلمي المطبق على علم النفس. باختصار، إن العلاجات السلوكية والمعرفية مناسبة لك إن كنت تود الانخراط في آلية تعلُّم. وفي المقابل، إن مقاربة التحليل النفسي مناسبة لك إن كنت تود أن تفهم رمزية سلوكياتك وأسبابها، وإن كنت تود اتباع مقاربة فكرية لمشكلتك أكثر من رغبتك في مقاربة عملية.

ما هي طريقة عمل العلاجات السلوكية والمعرفية؟ قلق، توتر، قلة ثقة في النفس، رهاب، إدمان... تقدم العلاجات السلوكية والمعرفية إجابات عملية عن مشكلات نفسية محددة، كما تقدم أدوات بسيطة وعملية ثبتت نتائجها في علاج الرهاب وتعزيز الثقة بالنفس والتعامل مع الضغوط اليومية.

مجلة كل الأسرة

في العام 2004، قيّم تقرير صادر عن المعهد الوطني الفرنسي للصحة والأبحاث الطبية ثلاثة أشكال مختلفة من العلاجات، وهي العلاج بالتحليل النفسي، والعلاج العائلي، والعلاجات السلوكية والمعرفية. تم التعرف إلى 16 مرضاً نفسياً، وتقييمها الواحد تلو الآخر، من خلال فعالية العلاجات التي جرى ترتيبها بحسب درجات ثلاث:

الدرجة أ= فعالية مثبتة، الدرجة ب= فعالية غير مؤكدة، والدرجة ت= فعالية غير مثبتة. وكانت النتيجة أن العلاجات السلوكية والمعرفية قد تلقت الدرجة «أ» بالنسبة إلى عدد من الاضطرابات وهي: الهلع، الخوف من الفضاءات الخارجية، القلق المعمّم، اضطرابات ما بعد الصدمة، الوسواس القهري، علاج الاكتئاب بحدة متوسطة، واضطرابات الشخصية. وحصلت العلاجات السلوكية المعرفية على الدرجة «ب» في سلسلة أخرى من الاضطرابات، ليتبين أنها فعالة في 15 من 16 مرضاً نفسياً جرت دراستها.

كما ثبتت فعاليتها في دراسات أخرى لا مجال لذكرها هنا. لاحظوا أن العلاجات السلوكية والمعرفية ليست محصورة بالأشخاص الذين يعانون مشكلات نفسية. فهي قادرة كذلك على مساعدة أي كان في معرفة نفسه بشكل أفضل، وحسن التعامل مع مشاعره أي في عيش حياة يومية أفضل لا تخلو من السعادة. فهي تمكّن المرء من تطوير سلوكيات جديدة من أجل فهم نفسه وتنظيمها وتحقيق قدر أكبر من الصحة النفسية.

الركائز الثلاث في العلاجات السلوكية والمعرفية

من المهم أن نعرف القواعد الثلاث الأساسية التي ترتكز عليها العلاجات السلوكية والمعرفية:

تعلّم أن تراقب نفسك: تنطلق العلاجات المعرفية والسلوكية من الفرد ومن الفرد وحده، وترتكز على ملاحظات وليس على تفسيرات.

لذا يتعين على كل واحد منا أن يتبع نهجاً علمياً مع نفسه؛ ليراقبها بشكل موضوعي. والهدف النهائي هو التعرف بطريقة دقيقة وعلمية إلى المشكلة. يسمح مجمل هذه الملاحظات ببناء ما يسميه علماء النفس بـ«التحليل الوظيفي» أو التحليل السلوكي، وهو يتصل بمراقبة السلوك الممكن تحديده بشكل كمي، إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، وهدفه تحديد ظروف ظهور بعض السلوكيات والاحتفاظ بها.

تحدَّد هذه السلوكيات مع مناسبتها ووتيرتها وحدّتها والأشخاص المحيطين بها. كما تحدَّد نتائج السلوكيات على الأقرباء والبيئة الاجتماعية المحيطة: من يستفيد منها ومن يصيبه الأذى منها. ولا يتوقف التحليل الوظيفي عند حدود المظاهر السطحية، بل يسعى إلى تحديد المشكلة أو المشكلات الرئيسية، والتي يؤدي حلها إلى تعديل السلوك بطريقة مستدامة وكبيرة.

كما يدرس المعالج النفسي الأفكار والصور الذهنية والأحاديث الداخلية التي ترافق السلوك المعني؛ لذا، ومهما كان الوضع، من المهم أن نطرح على أنفسنا الأسئلة الآتية: ماذا أفعل؟ وما هي سلوكياتي؟ ينبغي وصف الوضع بدقة، أين ومتى ومع من؟ هل ارتبط هذا الوضع بحادثة معينة؟ ماذا أشعر وما هي انفعالاتي؟ ماذا شعرت في تلك اللحظة مع تقييم حدة الشعور؟ بماذا أفكر؟ وما هي الأفكار التي راودتني بشكل فوري؟ وكذلك ما هي الصور التي عبرت ذهني؟ ماذا فعلت؟ ماذا كانت نتائج سلوكي؟

التقويم الذاتي المنتظم: تستند العلاجات السلوكية والمعرفية إلى تقويمات ذاتية منتظمة تسمح بقياس التقدم الذي يحرزه الفرد حتى يبقى محفزاً لمتابعة العلاج.

ويتوفر لهذا الأمر عشرات الاستمارات أو السلالم للتقويم الذاتي لكل نوع من أنواع الاضطرابات.

التدرُّب باستمرار: العلاجات المعرفية والسلوكية هي علاجات بواسطة الفعل وليس بواسطة الكلام، فالفعل وحده يمكننا من تغيير أنفسنا، وهي تتطلب بهذا المعنى جهداً دائماً؛ إذ من أجل بلوغ أهدافنا ينبغي لنا أن نتمرّن ونتدرب ونمارس.

وحتى تكون التدريبات فعالة يجب القيام بها بشكل منتظم جداً من ثلاث إلى أربع مرات أسبوعياً وحتى كل يوم. يعتمد هذا الأمر على نوعية الاضطراب وعلى الأدوات المستخدمة.

والأهم هو وضع خطة للتعلُّم بطريقة دقيقة؛ إذ نقرر مسبقاً متى سنمارس التمرين والمكان الذي سنمارسه فيه والطريقة التي سنتبعها. من المهم ألا نترك شيئاً رهن المصادفة لتجنب القيام بالتمرين بحسب مزاج اللحظة وتجنُّب تأجيله إلى ما لا نهاية.

أما النصائح السبع الأساسية التي تقدمها العلاجات المعرفية والسلوكية لأي شخص يعاني أو لا من اضطرابات نفسية ومن مشكلات يومية فهي الآتية: كن متيقظاً بقدر الإمكان لما تعيشه بشكل فوري، لما تشعر به ولما تقوله لنفسك. اقبل بالتغيير بفضل تعلُّم سلوكيات جديدة.

احرص على كتابة ما لديك من مشاعر وأفكار؛ حتى تستمر في العمل على نفسك. أعطِ لنفسك مساء موعداً مع نفسك، ودوّن مختلف الوضعيات التي عشتها، ما فكرت به، وما شعرت به حقاً. لا تنسَ القيَم التي تؤمن بها، فهي بوصلتك.

لست مضطراً بالضرورة للانصياع إلى القيود الخارجية. إذا كنت تخشى الماء ولا ترغب حقاً باكتشاف البحر، فلا ضرورة من أن تعمل على تغيير مشاعرك.

وفي المقابل، إذا كنت تعاني الخوف من الماء، ولكنك ترغب في السفر واكتشاف آفاق جديدة، فإن العلاجات المعرفية والسلوكية تستطيع مساعدتك. اقبل بالفشل! الفشل أو النتيجة غير المناسبة جزء من عملية التعلُّم والمهم هو أن تحاول.

لا تنسَ أن حسن إدارة المشاعر والسلوكيات يمكنك من الانفتاح بشكل أفضل على الآخرين. باستطاعتنا جميعاً أن نحرز تقدماً دائماً وهذا طيلة حياتنا.

* تأليف: بوريس جيمبل.