14 يونيو 2026

الحظ ليس صدفة.. كيف تصنع حظك وتحقق النجاح في الحياة؟

أستاذة وباحثة جامعية

مجلة كل الأسرة

الحظ ليس مسألة صدفة ولكنه مسألة حسن تصرّف والذكاء في استغلال الفرص. في أي سن كان، يمكنك أن تتعلّم من جديد كيف تجعل الحظ حليفك، أي تعرف كيف تستغل حدثاً ما ظهر بشكل غير متوقع لتستفيد منه إلى الحد الأقصى في سياق تطوير الذات والنجاح. فالحظ ليس نوعاً من هبة سحرية محصورة بعدد قليل من الناس بل هو نظام حياة يستطيع أي كان أن يقرر اتباعه ضمن مفهوم إدارة الحياة وتحقيق النجاح.

الحظ ليس بالضرورة وليد الصدفة تبدو الحياة ظالمة أحياناً، فلماذا ينجح بعضهم بسهولة في حين يراكم بعضهم الآخر فشلاً على فشل في سياق البحث عن النجاح والحظ؟ لماذا ترى السعادة تلازم بعض الناس في حين أن بعضهم الآخر يتخبطون في عيشة كئيبة المرتبطة بعوامل التفكير الإيجابي وتطوير الذات؟ لماذا يحقق أحدهم ذاته بينما يراوح آخر مكانه؟ ما هي مكوِّنات «الحياة الحلوة» وكيف تختلف عمّا يكوِّن «الحياة الفاشلة» المرتبطة بمفهوم الحظ والصدفة وتطوير الذات؟

منذ فجر الفلسفة، تساءل المفكرون والمربون حول طبيعة هذا اللغز، وفي العصور الحديثة، انكب علماء النفس والاجتماع على دراسة المبادئ التي تكوّن الحيوات السعيدة والمنجزة في ذاك البحث عن التوازن المفقود بين الحياة وعواملها المقرِّرة وبين العمل الفردي المتّسم بالقرارات والخيارات في إطار تطوير الذات والنجاح المستدام.

في ما يتعلق بالحياة والبيئة التي نولد فيها، من الواضح أن أيًّا منا لم يقم باختيارها، فبعضنا يمتلك منذ البداية موارد استثنائية في حين أن بعضنا الآخر ينطلق في الحياة خالي الوفاض تقريبًا ضمن لعبة القدر والفرص والحظ. ومنذ غابر الأزمان، تتوزع بين هذين الطرفين مختلف الصيرورات الإنسانية، عبر مليارات الحكايا الفردية والفريدة والمتشابهة، لأنها تتسم بقواعد لعبة كثيراً ما تكون متماثلة المرتبطة بـالحظ واستغلال الفرص.

هذه الأوراق التي نملكها في البداية، منذ ولادتنا والتي دمغها التاريخ والجغرافيا والموروث البيولوجي والثقافي، متنوعة بحد ذاتها ضمن مفهوم الفرص والصدفة وتطوير الذات.

تضاف إليها بسرعة أوراقٌ أخرى شخصية هذه المرة ولكنها تتّسم بالقوة ذاتها وترتكز على الشكل الخارجي ومتانة الصحة والقدرات الفكرية أو الفنية في سياق النجاح وتطوير الذات. كثير من هذه العناصر يُفرض علينا من دون أن نتمكن من اختياره في حين أن بعضه الآخر يمكن معالجته بهذا القدر أو ذاك من الجهد مع الزمن ضمن حسن التصرف في الحياة وتطوير الذات. هذا ما يفسر الاهتمام الذي نوليه، في ما يتعلق بالمصير، لما يمكن تسميته «الاستثناءات الملحوظة» المرتبطة بـالحظ والفرص غير المتوقعة، تلك التي تعطينا الإحساس بأن اللعبة لم تتبع المسار الذي كان محددًا لها.

مجلة كل الأسرة

فثمة مسارات حياة تعاكس بشكل واضح ما كان يبدو أن المعطيات الأساسية توجهها نحوه ضمن مفهوم تطوير الذات والنجاح الشخصي.

فبعض الناس الذين كانوا يملكون كل ما يلزم للنجاح والسعادة يفسدون في النهاية مواهبهم وثرواتهم وصولاً إلى الضياع في دهاليز الحياة وظلامها رغم توفر الفرص والحظ وتطوير الذات. وقد نرى بعضهم ينطلقون في الحياة من دون أية ورقة في يدهم ويبذلون جهودًا ويوظفون مواهبهم وطاقاتهم وذكاءهم في خدمة إنجاز يعترف به ليخرجوا مرفوعي الرأس ممّا كان متوقعاً لهم طبقاً لأصولهم ويحققوا أهدافاً استثنائية لم تكن تبدو من نصيبهم ضمن مسار النجاح وتطوير الذات واستغلال الفرص.

وإذا ما اعترفنا أن محدّدات الولادة ليست كل شيء، يبدو لنا أن الإرادة الفردية وروح القرار تحتل مكانة في مكوّنات النجاح والسعادة والإنجاز المرتبطة بـحسن التصرف والذكاء الاجتماعي وتطوير الذات. وإذا ما افترضنا أن كل فرد يمكن أن يكون مسؤولاً في جزء كبير عما يحصل معه، فإن مفاتيح نجاحه المهني أو الشخصي يجب أن تكمن أساسًا في داخله ضمن إطار تطوير الذات والنجاح المستدام.

وفي هذه المرحلة، يكون الخيار كذلك مفتوحًا للآخر. فالشخصية القوية والطباع الواثقة والتي تكونت على مرّ التجارب والمحن في الحياة هي من دون شك جزءٌ من الموارد الضرورية لتحقيق الذات في سياق النجاح والحظ وتطوير الذات. ولكن ثمة الكثير سواها، وحيث بعضهم يذكر من دون أي تردّد الموهبة والذكاء والعمل من أجل تفسير نحاجهم، لا يؤمن بعضهم الآخر سوى بالمثابرة والشجاعة والإرادة التي برهنوا عنها ضمن مفهوم تطوير الذات المستمر.

وقد يذكر بعضهم الانضباط والصرامة واحترام القواعد والأصول، في حين يذكر بعضهم الآخر الإبداع والتجديد وروح المغامرة كصفات سمحت لهم بتحسين حياتهم خارج النطاقات المعهودة المرتبطة بـاستغلال الفرص والحظ وتطوير الذات. وفي مقابل تصميم الفرد وحده أمام المصاعب والمحن قد يذكر قوة المجموعة التي لا تقاوم والتي تمكِّن كل امرئ من الصعود إلى جانب الآخر بفضل وجوده ودعمه ضمن إطار النجاح والتعاون وتطوير الذات. وهكذا، إزاء توزيع غير عادل في البداية لأوراق الحياة، ترتسم أمامنا فكرة القدرة على رسم حياتنا من خلال قراراتنا وخياراتنا وحكمتنا المرتبطة بـحسن التصرف وتطوير الذات والنجاح. وإذا كنا لا نتحكّم بكل الأوراق التي نمتلكها في بداية لعبة الحياة، فإنه يمكن أن نتعلم كيفية استخدامها على أفضل وجه ضمن مفهوم النجاح والحظ.

ولكن بين عوامل البداية التي تحدّد مصيرنا وقدرتنا على اختيار هذا المصير، ثمة مكوّن شبحي نلاحظ وجوده وقوته من دون أن نتمكّن دائماً من السيطرة على طريقة استخدامه وهو عنصر الحظ والصدفة. وهذا العامل الثالث، الذي يحمل كل أنواع الخيالات، يمتلك على ما يبدو قوة هائلة تمكنه لوحده من كسر كل القيود الاجتماعية ومواجهة أعتى المصاعب.

سواء أكان اسمه صدفة أو حادثة، نراه قادراً على الظهور في أية لحظة وفي أية حياة، وهو ما نطلق عليه اسم الحظ ضمن مفهوم الفرص غير المتوقعة والنجاح. لكن بداية، ما هو الحظ؟ يمكن أن نحدّده بالطبع بطريقة حيادية وعمومية بوصفه هذا الجزء الغامض وغير المتوقع والمساعد المرتبط بصدف الحياة ضمن إطار النجاح وتطوير الذات.

ولكن على المستوى الفردي، بالنسبة إلى ما يسمى بالشخص «المحظوظ»، فإن الحظ لا يمكن أن يكون فقط صدفة سعيدة بل نتيجة حسن التصرف واستغلال الفرص. فكيف نعرف أننا قد صادفنا الحظ؟ نحن نستعمل هذا التعبير عموماً حينما تحدث صدفة تؤثر بشكل إيجابي على مجرى حياتنا ضمن سياق الحظ والنجاح وتطوير الذات.

ولكن الذي يجعل من الحدث حظاً هو ما يجري طبقاً لشروط غير معروفة من قبلنا ويبدو أنها لا تخضع بتاتاً لسيطرتنا المباشرة. من أين تأتي هذه الأحداث المفيدة وغير المنتظرة؟ ولماذا تحصل ضربات الحظ مع بعضهم في حين أن بعضهم الآخر لا يحصد سوى ضربات القدر؟ أهي الفطرة على الروح المعنوية الإيجابية أو السلوك القادر على التكيّف إلى النهاية مع وقائع العالم ضمن مفهوم تطوير الذات؟ أهي إمكانية إحصائية أو مجرد صدفة؟ هذه كلها وجهات نظر ومحاولات لفهم وتفسير هذه الفئة المدهشة من التجارب الإنسانية التي نطلق عليها اسم الحظ والتي تحتفظ بغموضها والتباساتها.

ويجدر بنا الاعتراف أن الحظ لا يملك سمعة جيدة. صحيح أنه يساهم بانتظام في تغذية جزء من الأحداث الراهنة، سواء عبر ربح ورقة يانصيب أو لعبة متلفزة أو مجداً بعيداً في تلفزيون الواقع سواها من الفرص ضمن مفهوم الحظ والصدفة... إلا أن هذه الحكايات تزعجنا في غالبيتها ولا يتردّد الكثيرون في التقليل من قدر الذين أصابتهم، باعتبار أن الحظ لا يمكن السيطرة عليه وهو عامل قلّاب وظالم. وأحد أهم أسباب حذرنا إزاء الحظ ومحاسنه هو أنه لا يخضع لأي شكل من أشكال السيطرة والتأثير ضمن سياق تطوير الذات. فضربة الحظ الحقيقية هي من حيث التعريف بها مجرد صدفة كاملة لا يلعب فيها الجهد والإرادة إلا دوراً ضئيلاً.

باختصار، الحظ السعيد والصدف المؤاتية تظل عصية على أي توقع وأي تخطيط وتصميم. هذا لأن الإنسان قد حلم على الدوام بتطويع حظه واخترع من أجل هذا السحر والتقنية حتى يتمكّن من تنشيط القوى الخفية المسيّرة للحظ لمصلحته ضمن إطار تطوير الذات واستغلال الفرص. ثمة حكمة فرنسية قديمة تقول إن ما من حظ إلا وينقلب، وهذا ما يقودنا إلى الحذر من الحظ لأنه متقلّب وصاحب نزوات، لذا يعتبر ضرباً من التهور أن نبني أي شيء مستقر على هذه القاعدة المتحركة. كما أن الحظ قد يعطينا أشياء لم نفعل شيئاً لنستحقها ضمن مفهوم الحظ والنجاح، وقد يكون من نصيب من لم يقم بأي جهد ومن لا يتمتع بأي صفة أخلاقية أو جدارة أو أهلية، وهذه كلها أسباب تجعلنا نحذر من الحظ أو حتى نكرهه. بيد أن هذه المفاهيم ترتكز على قاعدة محدودة جداً لما يسمى بتجربة الحظ.

ويمكن النظر إلى الأمور بشكل مختلف إذا ما اعتبرنا أن الحظ واقع يحمل طبيعة أخرى أكثر تعقيداً بكثير ضمن إطار تطوير الذات والذكاء في استغلال الفرص. فربما الحظ لم يكن فقط وليد نزوات الصدف أو أن بعض الناس يلتقونه في حياتهم ربما لأنهم يتمتعون بحسن تصرف حقيقي في الحياة. وماذا لو كان باستطاعتنا أن نتعلم كيف نغذي حظنا أي أن نتسبب من حولنا بظهور ظروف غير منتظرة ومناسبة ضمن مفهوم النجاح وتطوير الذات؟ نحن نعيش في عالمٍ مملوءٍ بالإمكانات كما بالتهديدات الكامنة.

وكثيراً ما تتأثر حياتنا بالتقلبات في أساساتها التقليدية وظهور أوضاع غير ثابتة من أي طبيعة كانت. نحن مخلوقات تتمتع بالعقل ولكننا نواجه باستمرار ما هو غير متوقع ونكتشف كل يوم أننا محدودون في معارفنا وأن المعلومات من حولنا كثيرة وناقصة في حين أنه يتعيّن علينا أن نتخذ قرارات مهمة ضمن إطار تطوير الذات والنجاح.

وهكذا فإن إرادتنا في مواجهة هذا الضباب مهما كان الثمن تستلزم أن نتعلم من جديد كيفية الثقة بالحظ، ليس كنتاج ظروف وليدة الصدفة ولكن كقدرة على الاستفادة إلى الحد الأقصى من هذه الظروف. فالحظ ليس وليد الصدفة المؤاتية أو غير المؤاتية وحسب، حتى لو أنه يتغذى منها. هو يبدو كطريقة محددة للإدراك والعمل إزاء ظروف الحياة. الحظ الذي نتحدث عنه هو هذا الشكل المهمل من الذكاء الذي يمكن تسميته بذكاء الصدف أو ذكاء اللامتوقع، وهو ما يقودنا إلى الاستفادة من الظروف الأكثر فجائية ضمن مفهوم تطوير الذات والنجاح. نحن لا نمدح هنا فضائل الحظ، بل فضائل الذكاء والتفاؤل والجرأة إزاء ظروف غير متوقعة.

كما أن الحظ ليس نوعاً من هبة سحرية محصورة بعدد من الناس قادرين على جذبها، بل كل شيء يشير إلى أنها نمط حياة يستطيع كل واحد منا أن يتبناه في أي مرحلة من مراحل حياته ضمن مفهوم تطوير الذات. هو موجود في كل مكان ويشكل مقدرة موجودة في كل واحد منا حيث نستطيع أن ننمّيها ونطوّرها شرط أن نريد ذلك ونحترم قواعد عملها.

تأليف: فيليب غابيليه