التغلب على «السترس»، الشفاء من إدمان أو من رهاب أو تعلُّم الوثوق بالنفس في المجتمع... كل هذا ممكن بناءً على طرائق علمية مثبتة ومعترف بها هي العلاجات السلوكية المعرفية التي تقترح حلولاً فعّالة لتعديل سريع في العادات والسلوكيات التي تنغِّص عليك حياتك، وتحسين الصحة النفسية وجودة الحياة.
العلاجات السلوكية المعرفية هي واحدة من أهم فروع العلاج النفسي وهي تمتلك خاصية تميزها عن التيارات الأخرى إذ إنها ترتكز على المعارف المتأتية عن علم النفس العلمي. ولمزيد من الوضوح، هي تستند إلى طرائق ملاحظة دقيقة ليتم تأكيد فعالية التقنيات المطوَّرة بواسطتها عبر تجارب تطبيقية تمكّن من الحكم عليها، ما يجعلها من أكثر طرق العلاج النفسي الحديث فاعلية وانتشاراً.
وحتى تتمكنوا من فهم ما قلناه بشكل أفضل، إليكم ما يلي: تخيلوا أنكم تعانون من ألم في المعدة. لحل هذه المشكلة، تأخذون دواءّ أثبت فعاليته على المستوى العلمي من خلال سلسلة من التجارب العيادية. تخيّلوا الآن أنكم تعانون من نوبات قلق أو رهاب أو من اضطراب الوسواس القهري. لحل هذه المشكلة، تتبع العلاجات السلوكية المعرفية النهج ذاته: تقترح حلاً عملياً وملموساً أثبت نجاحه على المستوى العلمي من خلال سلسلة من التجارب العيادية.
هذه الحلول هي أدوات مختلفة ومتنوعة، من بينها يمكن أن نذكر إعادة البنيان المعرفي والتدرج التدرجي، وحل المشكلات وسواها... وكذلك التأمل أو الاسترخاء، وهي تقنيات فعالة في علاج القلق والتوتر. وهي كلها تقنيات وأدوات قد خضعت لعمليات تقييم علمية. وهكذا فإن العلاجات السلوكية والمعرفية تضم مجموعة من الأدوات والنهوج الهادفة إلى مساعدة كل واحد منا على حل مشكلاته الانفعالية والنفسية من قلق وغضب ورهاب وإدمان ومشكلات جنسية واضطرابات الشخصية أو المزاج، ضمن إطار تحسين الصحة النفسية والتوازن العاطفي.
تنبع هذه الأدوات من تيارين أساسيين في علم النفس كما يشير اسم هذه العلاجات نفسه، أي العلاجات السلوكية من ناحية والعلاجات المعرفية من ناحية أخرى. ولمزيد من الدقة، ينبغي إضافة العلاجات الانفعالية.
فالعلاجات السلوكية والمعرفية تتشكل من عملية جمع هذه التيارات الثلاثة التي توالت على امتداد القرن العشرين وقدم كل واحد منها مقاربته الخاصة به، وأسهمت في تطوير أساليب العلاج النفسي السلوكي الحديثة.
العلاجات السلوكية: ما يدل عليه سلوكك
في بداية القرن العشرين وحتى الخمسينيات منه، اهتم علماء النفس أساساً بالسلوك الفردي الذي يمكن ملاحظته واستبعدوا كل ما لا يمكن ملاحظته، وقد سميت هذه المقاربة بالمقاربة السلوكية. اعتبر السلوك الإنساني على أنه الوسيلة لفهم ما يجري في الدماغ والفكرة من وراء هذا هي أن سلوكنا مشروط ببيئتنا وبأحداث الحياة. وهو ينتج كرد على مختلف المحفزات، فتكون عملية التعلُّم أساسية، أي أننا نتصرف بهذه الطريقة أو تلك لأننا تعلمنا أن نتصرف بهذه الطريقة أو تلك، وهو ما يفسر الكثير من أنماط السلوك الإنساني.
والمقاربة السلوكية تستند إلى أعمال اختصاصيين عدة حيث نميز بين نموذجين أساسيين وهما الإشراط المستجيب الذي طورته تجارب إيفان بافلوف والإشراط الفاعل. يرتكز الإشراط المستجيب على تجربة أصبحت اليوم غاية في الشهرة والتي يطلق عليها ببساطة اسم «تجربة كلب بافلوف»، إذ حملت اسم هذا الطبيب الروسي الذي عاش في نهاية القرن التاسع عشر. تتم التجربة على مراحل متعددة: يقدم في البداية طعام للكلب فيسيل لعابه، ثم يقدم له الطعام برفقة جرس يرن في الوقت ذاته فيسيل لعابه. تكرر هذه المرحلة مرات عدة وفي النهاية يتم رن الجرس من دون تقديم أي طعام للكلب فيسيل لعابه لمجرد سماع الجرس. وكان الاستنتاج أن الكلب قد تم إشراطه ليسيل لعابه استجابة لصوت الجرس.
وقد أصبح سلوكه هذا تلقائياً وهذا ما يسمى الإشراط المستجيب. وبحسب المقاربة السلوكية، إن عدداً من سلوكياتنا ينجم عن هذا النوع من الإشراط. على سبيل المثال: تتعرضون للسرقة في القطار، وخلال هذا الحدث ينتابكم إحساس بالخوف. وبمجرد أن تركبوا القطار مرة ثانية ينتابكم الخوف ذاته، فتنظرون من حولكم وتحذرون من الجميع وتضمون حقيبتكم إلى جواركم وتمشون بسرعة ليصير القطار مصدر قلق بالنسبة إليكم، وهو مثال على ترسخ اضطرابات القلق المرتبطة بالتجربة. وهدف المقاربة السلوكية هنا هو التمكن من فصل القطار عن السلوك المرتبط به أي الرغبة بالهرب منه.
أما الإشراط الفاعل فهو ثمرة مقاربة قام بها علماء نفس سلوكيون تعتبر أن سلوكنا الحالي مرتبط بتجربتنا الماضية، أي أنه متصل بنتائج السلوك ذاته الذي اتبعناه في الماضي. والمثال النموذجي للدلالة على هذا المفهوم هو الطفل الذي يضع اصبعه على شمعة مضاءة، إن شعر بالألم فهو لن يعيد الكرة مرة ثانية أما لو كانت الشمعة غير مضاءة فإنه سيفعل. وبحسب واضع هذه المقاربة وهو العالم النفسي الأميركي بوروس سكينر، فإن ثمة ثلاث حالات ممكنة: إذا كانت نتائج سلوك ما إيجابية وممتعة، فإن الفرد سيميل إلى تكرار هذا السلوك وهذا ما يسمى بالتعزيز الإيجابي. وعلى العكس، إذا كانت هذه النتائج سلبية ومزعجة فإن الفرد سيميل إلى إلغاء هذا السلوك بسرعة، وهذا ما يسمى بالتعزيز السلبي.
وإذا كانت النتائج حيادية، فإن السلوك سيميل كذلك إلى الزوال ولكن بطريقة أبطأ بكثير. وبحسب هذه المقاربة، فإن الكثير من سلوكياتنا مرتبط بهذا النوع من الإشراط الفاعل. على سبيل المثال: أنتم تمرون يومياً أمام حارس المبنى وتلقون التحية عليه، إلا أن هذا الأخير لا يرد عليكم. بعد فترة معينة ستمتنعون عن إلقاء التحية لأن عملكم لم يأتِ بنتائج إيجابية وسلوككم المهذب مع هذا الشخص سيميل إلى الزوال. وتعتمد هذه المقاربة السلوكية على الفكرة القائلة إنه من أجل تعديل سلوك ما، ينبغي أن تتبعه نتائج ممتعة أو مزعجة أو أيضاً لا نتائج بالمرة، بحسب ما إذا كنا نود أن نزيد السلوك أو نخفف منه، وهو أساس تعديل السلوك في العلاج.
العلاجات المعرفية تصغي إلى أفكارك
ابتداءً من نهاية خمسينيات القرن العشرين، أخذ علماء النفس يضعون سلوكيات الفرد في المرتبة الثانية ليهتموا أولاً بمعرفته، أي بأفكاره وتمثلاته. وهذا ما سمي بالمقاربة المعرفية. أما دخول المعلوماتية فقد حثّ علم النفس العلمي على دراسة دواخلنا كما لو أنها نظام معالجة معلومات على طريقة الحاسب الإلكتروني، باعتبار الدماغ علبة سوداء تعالج المعلومات الوافدة إليه والخارجة منه من جديد. النقطة المركزية في هذه المقاربة هي الآتية: ما يثير في داخلنا انفعالات أو سلوكيات سلبية ليست الوضعيات بحد ذاتها ولكن التفسيرات التي نضعها لها. والاضطرابات النفسية هي في هذه الحالة انعكاس لخلل وظيفي في طريقة تفكيرنا وإدراكنا وفهمنا للعالم المحيط بنا، وهو ما تعالجه العلاجات المعرفية.
على سبيل المثال: الزوج يتأخر في العودة إلى المنزل. تتخيل الزوجة فوراً أنه قد تعرّض لحادث سيارة ما يثير الخوف والقلق لديها. تهدف هذه المقاربة المعرفية أولاً إلى فهم الأفكار الفورية الذي تعبر في الذهن بشكل تلقائي، أي ما يثير قلق الزوجة ليس الوضع بحد ذاته ولكن الفكرة التلقائية الذي ولدها هذا الوضع. وهنا يُحكى عن «تشوهات معرفية». والهدف النهائي إذاً للمقاربة المعرفية هو إعادة بناء نمط التفكير من أجل أن يتم استبدال بعض التفسيرات بتفسيرات أخرى، وهو ما يساعد في علاج التفكير السلبي وتحسين الاستجابة النفسية.
العلاجات الانفعالية تصغي إلى انفعالاتك
في بداية التسعينيات من القرن العشرين أضيفت المقاربة الانفعالية إلى المقاربتين السابقتين بفضل تقنيات تصوير الدماغ وطرائق ملاحظة تعابير الوجه حيث بدأ علماء النفس يهتمون بدراسة الانفعالات من زاوية علمية بحتة وليس ذاتية. والفكرة المركزية هي الآتية: الانفعالات ظاهرة وظيفية وطبيعية وهي تمكننا من الرد على بعض الوضعيات (كالخوف مثلاً الذي يحثنا على حماية أنفسنا في حال الخطر)، وهو ما يدخل ضمن فهم إدارة المشاعر.
لكننا لم نعد نعيرها الاهتمام الكافي ولم نعد نفهمها ونستطيع إدارتها. كما أنها تسيطر علينا أحياناً وتصير مرضية، لتصبح المتعة، مثلاً، نوعاً من الإدمان وليتحوّل الخوف إلى رهاب والحزن إلى اكتئاب، ضمن نطاق اضطرابات الصحة النفسية. وتهدف هذه المقاربة إلى تعلم كيفية التعرف على الانفعالات وقبولها من أجل التعبير عنها بشكل أفضل والتمكن من السيطرة عليها.
ويعتبر قبول الانفعالات أمر مهم جداً لدى الأشخاص الذين يعانون من الرهاب مثلاً، لأنهم يميلون عموماً إلى تجنب الوضعيات التي تثير الانفعال لديهم، لكنهم كلما تجنبوا هذا الوضعيات كانوا أكثر ضعفاً إزاءها. والهدف هو حملهم على مواجهة خوفهم تدريجياً من أجل السيطرة عليه، وهو ما يعد من أساسيات علاج الرهاب والقلق.
*تأليف: بوريس جيمبل
