07 مايو 2026

كن كما أنت: لماذا لا يأتي الجمال في المرتبة الأولى عند اختيار الشريك؟

أستاذة وباحثة جامعية

مجلة كل الأسرة

يحلل هذا الكتاب العناصر التي تلوث شخصيتنا وتفسد علينا حياتنا. ليس من السهل أن نعرف حقاً من نحن؛ لأننا نتطور على الدوام، وأيضاً لأننا نحدد أنفسنا بالنسبة إلى الآخرين، هذا من دون الحديث عن عبء الماضي والتربية والضغوط الاجتماعية والعائلية وتأثيرات الأصدقاء والعمل، وكلها تؤثر في تكوين الشخصية والصحة النفسية. يساعدك هذا الكتاب على التعامل مع انفعالاتك وقبول نفسك وتقديرها حتى تكتسب الثقة وتعرف ماذا تريد حقاً، وهو أساس الثقة بالنفس.

يقول بوريس سيرولنيك: «إن المفارقة في الحياة الإنسانية هي أنه لا يمكن أن نكون كما نحن إلا تحت تأثير الآخرين». والمشكلة هي بالطبع مسألة توازن. يمكن أن نصبح، على سبيل المثال، أكثر نزاهة تحت تأثير الآخرين، وهو ما يرتبط بـ السلوك الاجتماعي. هذا ما أثبته باحثون من جامعة نيوكاسل في بريطانيا. على امتداد سنوات طويلة، وضع في قاعة الجامعة العامة «صندوق النزاهة» حيث كان الناس أحراراً في ترك المبلغ الذي يريدونه لدفع مشروباتهم في غياب أي بائع. وكان يعلو الصندوق بطاقة بأسعار المشروبات وصورة تتبدل كل أسبوع بين صورة عينين أو باقة أزهار.

وجاءت النتيجة مدهشة: فالناس قد وضعوا أحياناً ثلاثة أضعاف الثمن في الصندوق حين كانت الصورة تمثل عينين شاخصتين إليهم في مقابل صورة باقة الأزهار، ما يعني أنه يمكن أن نصبح أكثر نزاهة وأقل نزاهة. والسبب هو حاجتنا إلى الانتماء، على الرغم من إحساسنا أحياناً بأننا وحيدون، إلا أننا كائنات اجتماعية نعتمد على نظرة الآخرين وموافقتهم أو عدم موافقتهم على تصرفاتنا، وهو ما يعكس الحاجة للقبول الاجتماعي.

كما أننا نشأنا على مبادئ مشتركة بين جميع المجتمعات هي مبادئ الطاعة واحترام السلطة والحدود والعادات... وكذلك نمط التربية الذي تلقيناه من والدينا، فقد نشأنا بطريقة معينة، وتمت «برمجتنا» بشكل مسبق نوعاً ما. كل هذا يجعل منا ما نحن عليه، الأكثر هشاشة منا كما الأكثر قوة يتأثر بتأثيرات الآخرين؛ لذا يكون من الصعب أحياناً أن نكون كما نحن أو أن نبقى كما نحن، وهو ما يؤثر في صورة الذات.

أما من ناحية الشكل الخارجي، فمن الواضح أن توزيع الجمال على البشر لا يتسم بالعدالة. فبعضهم يولد بتكاوين شبه مثالية (2% من سكان الأرض) وبمظهر جميل، وبعضهم الآخر يولد بأذنين بارزتين كالأمير تشارلز أو بساقين قصيرتين. وقد يتناول بعضهم الطعام طيلة النهار من دون أن يزيد وزنهم ولو جراماً واحداً في حين أن بعضهم الآخر يزداد وزناً لمجرد النظر إلى الحلوى! وفي الواقع، أن المشكلة مع عيوبنا الشكلية الصغيرة منها والكبيرة لا تنجم في أغلب الأحيان من العيب بحد ذاته، بقدر ما تنجم عن الفكرة التي نحملها عنه، وهو ما يرتبط بـ تقدير الذات. ويكفي أن نغير النظرة التي نحملها إزاء أنفسنا لنعود غير مهتمين بعيوبنا الحقيقية أو الخيالية.

صورة الذات هي التمثل الذهني الذي نركبه عن جسدنا وهو مرتبط بإدراكنا لجسدنا (حين أنظر إلى نفسي هل أحب نفسي بشكل عام أو أكره شكلي؟)، ومرتبط بما نعتقد أنها الطريقة التي يرانا فيها الآخرون (حين ينظرون إلي، هل أعتقد أنهم يجدونني جذاباً/ جذابة أم لا؟)، وهو جوهر الثقة بالنفس. بالطبع، كل هذا مسألة ذاتية جداً، فصورة الذات لا علاقة لها إلا قليلاً بالواقع. ونعرف مثلاً أن النساء ينزعن منهجياً إلى التقليل من قدر مظهرهن من الرجال، كما ينزع هؤلاء إلى زيادة تقدير أشكالهم. لماذا نجد أنفسنا قبيحين أكثر فأكثر؟ نحن نعلم أن الجمال هو مسألة نسب وتوازن.

مجلة كل الأسرة

وقد أثبتت ديفنرا سينغ، وهي عالمة نفسية من جامعة تكساس، أن الرجال في كل الأعمار والإثنيات والثقافات وفي جميع القارات، يفضلون بشكل منهجي نسبة خصر على وركين تقارب 0.7 (أي أن يبلغ الخصر 70% من عرض الوركين). ويقل رضانا عن شكلنا بقدر ما نسمع خلال طفولتنا أو خلال فترة البلوغ ملاحظات تبخس منه بسبب طولنا أو جنسنا أو لون بشرتنا أو قدراتنا البدنية إلخ. لكن اليوم، نلاحظ أن مستوى عدم الرضى يزداد بسرعة لم نعهدها من قبل مع تدهور للصورة الجسدية عند الناس، كيف نفسر هذا التدهور؟ يمكن بالطبع أن نتهم الإعلانات والموضة ووسائل الإعلام التي تلاحقنا باستمرار بصور عن أجسام مثالية، بيد أن وسائل الإعلام تنقل وتضخم الأيديولوجيا المسيطرة وهي تقديس الشباب والشكل والنحافة، مما يؤثر في معايير الجمال.

صحيح أنهم يقدمون لنا أشكالاً نسائية ورجالية بعيدة عن الواقع؛ إذا إن 5% فقط من الناس تتطابق معها، ولكن لا شيء يجبرنا على الانصياع لهذه النماذج. فحتى القبيحون تماماً يستطيعون إيجاد من يحبهم شرط أن يقبلوا بقباحتهم، وهو ما يعزز قبول الذات. بالطبع، يمكن تحسين الأمور بعض الشيء ولكن إذا كنتم مهووسين بعيوبكم فلن تذهبوا بعيداً.

أما إذا ما قبلتم جسدكم كما هو فستشعرون بحسرة أقل، والأسباب كثيرة، إليكم بعضها: -لا تملكون جسماً آخر سوى جسمكم: قد يبدو القول غبياً، ولكن مهما كان جسمنا فنحن لا نملك الكثير من الحلول: إما أن نمضي حياتنا متحسرين وإما أن نستفيد منه قدر الإمكان، وهو أساس الرضا عن النفس.

فأنتم لستم الأجمل ولكن سيكون هناك دائماً من هو الأقبح. -أنتم لا ترون أنفسكم أبداً كما يراكم الآخرون: حين ننظر إلى أنفسنا في مرآة، نرى صورة معكوسة عن جسمنا ببعدين اثنين، في حين أن الآخرين يروننا بثلاثة أبعاد وهذا يغير كل شيء. ونحن لا نعرف أبداً كيف يرانا الآخرون ولا حتى كيف يبدو لهم صوتنا. ومن المؤكد أنك لست قبيحاً بقدر ما تتخيل.

-أنتم تطلعون بخلاصات غير صحيحة: إن عقدنا الخاصة بشكلنا الخارجي غالباً ما تكون أوهاماً بصرية. فالكثير من الأطفال يركزون مثلاً على أنفهم الكبير، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الأنف مركزي ونافر وسط الوجه ويلفت النظر أمام المرآة. -أنتم تزيدون من قدر الجمال: بالطبع، للجمال فوائد كثيرة، فبعض الناس يُعتبرون أكثر ذكاء أو كفاءة من الآخرين بسبب الجاذبية التي يمارسونها. بيد أن للجمال وجهاً آخر، فالنساء الأكثر جاذبية يُعتبرن عموماً أقل كفاءة وأقل صدقاً ويُظن أنهن وصلن إلى مراتب عليا بسبب جمالهن وليس بسبب كفاءتهن، فلا يحصلن على مواقع في العمل تُعتبر «ذكورية»، وهو ما يعكس تأثير الجمال في المجتمع.

-أنتم تخلطون بين الشكل الخارجي والقدرة على الجذب: إن ما يجذب الرجال والنساء على السواء هو اللطف والقدرة على التعاطف وهذا في العالم أجمع، ولا يأتي الجمال إلا في المرتبة الثالثة عند الرجال والسادسة عند النساء، وهو ما يوضح أن اختيار الشريك لا يعتمد على الشكل فقط. فالابتسامة والذكاء وحس الفكاهة إلخ، هي من العناصر الجاذبة أكثر بكثير لدوام الحب والصداقات، ما يعزز العلاقات العاطفية الناجحة. لذا، قد يكون المرء قبيحاً وجذاباً في وقت واحد.

-أنتم تنسون أن فوراقنا البدنية غالباً ما تشكل محفزات قوية: نعرف مثلاً أن قصيري القامة ينجحون بشكل أفضل من طويلي القامة. نعلم أن أصحاب القامات القصيرة، 160 سنتيمتراً أو أقل يشكلون ثلاثة أضعاف النجوم ورؤساء مجالس الإدارات الطويلي القامة.

كما أن القبيحين قدموا أعداداً كبيرة من قادة الفكر والسياسة والفلسفة والأدب والعلوم وسواها. الشعور بالقبح موجود في الرأس أولاً. ومهما كان الشكل الخارجي، فنحن جميعاً نملك في رؤوسنا صورة غالباً ما تكون مغايرة.

وحين تتطابق هذه الصورة مع ما نراه في المرآة نشعر بالراحة، ولكن إذا ما كان هناك فرق كبير نشعر بالانزعاج. وحين لا نكون راضين على جسمنا، ننزع بشكل عفوي إلى اللجوء إلى الحل الأبسط، وهو إما الحمية أو الجراحة التجميلية، بحثاً عن تحسين صورة الذات.

وغالباً لا ينجح هذا الإجراء؛ لأن الصورة في رأسنا تقاومه. في حالة الحمية، نخسر وزناً ولكن نستعيد ما خسرناه في يوم آخر. أما إذا ما عملنا على صورتنا الجسدية من أجل جعلها تتطابق بقدر الإمكان مع صورة المرآة، فستتغير الأمور رأساً على عقب. نخسر وزناً إذا كان الأمر ضرورياً أو على الأقل نتعايش بشكل أفضل مع وزننا.

صحيح أن عقدنا لا تمنعنا بالضرورة من أن نحب ونعمل ونؤسس أسراً وحياة مهنية، لكننا كثيراً ما نقول لأنفسنا إن حياتنا من دونها ستكون أجمل وأسهل؛ لأننا بسببها نتخيل ألف فرصة فوّتناها على أنفسنا، وهو ما يؤثر في تطوير الذات. كقولنا لو لم يكن أنفي كبيراً لربما قبل بي كزوجة، أو لو لم أبتسم بشكل أحمق لربما كان أعطاني هذه الوظيفة... بالطبع نحن مخطئون وحين نفكر بعقدنا نخجل ألف مرة من جبننا وفشلنا. وننسى أن الخجل أو الشعور بالدونية يشكلان محفزين قويين على النجاح.

بيد أن عقدنا تسهم كثيراً في هدم معنوياتنا والتنكيد على حياتنا، خاصة إن كانت مبررة، ولكن في أغلب الأحيان هي لا تكون كذلك، وهو ما يرتبط بـ الصحة النفسية.

تولد أغلبية عقدنا، وبالأخص عقدة الدونية، خلال الفترة الحساسة بين سن السادسة والسابعة، لحظة ندرك أننا صغار وندرك ضعفنا أو فروقاتنا.

وثمة مراحل حساسة أخرى هي البلوغ والمراهقة حين تتشكل صورة الذات نهائياً. والمشكلة مع عقدنا هي أنها تستند غالباً إلى ملاحظة فرق شخصي يعتبر باخساً حقَّنا، وقد يكون هذا الفرق عيباً جمالياً أو فارقاً ثقافياً في طريقة الحياة أو التفكير أو اللباس، أو مصاعب مدرسية أو الانتماء إلى أقلية اجتماعية وثقافية أو وسط محروم وما شابه، مما يؤثر في تكوين الهوية الشخصية.

* تأليف: جيل أزوباردي