الحظ ليس مسألة صدفة ولكنه مسألة حسن تصرّف كيف تجذب الحظ. في أي سن كان، يمكنك أن تتعلّم من جديد كيف تجعل الحظ حليفك تنمية الحظ الشخصي، أي تعرف كيف تستغل حدثاً ما ظهر بشكل غير متوقع لتستفيد منه إلى الحد الأقصى. فالحظ ليس نوعاً من هبة سحرية محصورة بعدد قليل من الناس بل هو نظام حياة يستطيع أي كان أن يقرر اتباعه تطوير الذات وتحقيق النجاح.
ثمة مفاهيم عديدة تعرّف بالحظ، لكن ما يعنينا هنا هو امتلاك تلك المقدرة الخاصة التي تسمح لنا بإعادة تدوير هذه المادة الأوّلية التي تسمّى الصدفة من أجل تحويلها إلى نتاج مكرّر سنطلق عليه اسم «الفرصة المناسبة» استغلال الفرص. وما هي الفرصة المناسبة سوى ظرف غير متوقع حصل في الوقت المناسب. وهكذا فإن الفرصة المناسبة يمكن أن ترتدي شكل فعل أو علاقة أو اكتشاف أو حادثة قد لا يكون في سياق آخر النتائج الإيجابية التي صدرت عنها فرص النجاح في الحياة.
وهنا نلتقي مع فكرة شائعة جداً في عالم الاقتصاد والمؤسسات ومجالات العمل التي تتحدث عن فرصة على أنها حدث غير متوقع يخلق، عند وقوعه، فسحة جديدة من الاحتمالات فرص العمل والنجاح، أي أنها فسحة لم تكن متوافرة قبل وقوع الحدث. الحدث الذي يخلق الفرصة هو إذاً غير متوقع، على الرغم من أننا ربما قد خلقنا الظروف المناسبة له صناعة الفرص، بيد أن ظهوره لم يكن بالكامل تحت سيطرتنا. وقد يكون الحدث الذي يخلق الفرص إيجابياً أو سلبياً، سعيداً أم تعيساً، إلا أن ما سنقوم به والطريقة التي سنرد فيها بعد الحدث هي التي ستجعل منه فرصة مناسبة إدارة الفرص والتحديات.
وهكذا، فإن الحظ الجيد أو السيئ قد يولد من تضافر ظروف متماثلة يفرق بينها الطريقة التي يؤقلم المرء سلوكه إزاءها التفكير الإيجابي والنجاح. ويمكن القول إن الحدث المولِّد للفرص يشكل دائماً نوعاً من مفترق طرق في الحياة يتعيّن على الإنسان أن يحدد ويقرر طريقة تصرفه إزاء الفرصة غير المتوقعة حتى يجعلها مؤاتية إلى أكبر قدر ممكن اتخاذ القرارات الصحيحة. لذا، نقترح من باب التبسيط أن نعرّف الحظ على أنه حدث ما، ظهر عن طريق الصدفة، لكننا عرفنا كيف نستفيد منه بالطريقة الأكثر إيجابية وفعالية ممكنة استثمار الفرص.
والملحوظ في هذا النوع من الحظ هو أنه يمكّننا من فهم اللعبة المعقدة التي تدور على امتداد الحياة بين الصدفة والإرادة النجاح في الحياة، وبين ما هو غير متوقع وما هو مبرمج. إذ إن للصدفة دوراً تؤديه على الدوام، لكنها لن تتمكن لوحدها وحتى لو كانت صدفة مؤاتية جداً، أن تشكل حظاً حقيقياً في غياب أي عمل من طرف الذي يتلقاها تحقيق الأهداف.
وإذا كان بإمكاننا أن ننتظر بشكل جامد الصدفة السعيدة، إلا أنه بإمكاننا أيضاً أن نسعى وراءها وأن نوجهها وربما أن نجعلها تحصل صناعة الحظ. ومتى تسلمت إرادة الشخص المحظوظ زمام الأمور، ستكون قادرة على محاولة تغيير أي صدفة غير مؤاتية إلى حظ حقيقي تغيير الحياة للأفضل.
مكوّنات الحظ المستدام ممّ يتكوّن الحظ في الحقيقة؟ ما الذي يحدث بشكل خاص حين يصادفنا الحظ أو حين يطرق بابنا؟ أي ما هي أشكال الحظ الملموسة في أحداث حياتنا وكيف نتعرف إليها؟ يقول الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بايكون: «إذا ما نظر المرء من كثب، سيرى الحظ، لأن هذا الأخير وإن كان أعمى فهو ليس غير مرئي» فهم الحظ.
لا يظهر الحظ دائماً عند النظرة الأولى أمام من يصادفونه والفرص الأكثر أهمية واستدامة تستلزم أولاً أن تتم رؤيتها ثم فهمها بالطريقة المناسبة اكتشاف الفرص. وفي ما وراء التنوع الهائل للأوضاع التي تنسج شبكة حياة كل إنسان، يبدو أن «ضربة الحظ» قد ترتدي خمسة وجوه أساسية على شكل خمسة مكوّنات، إما منفردة أو مجتمعة، تمكننا من فهم طبيعتها العميقة وقوتها الكبيرة أنواع الحظ.
وهذه المكوّنات هي: اللقاء المناسب، المعلومة الأساسية، المجال الجديد، الطلب غير المتوقع والحادثة السعيدة. اللقاء المناسب: تتسم الحياة الإنسانية، السعيدة أو التعيسة، الناجحة أو الفاشلة، بلقاءات ولحظات صادفنا فيها شخصاً لم نكن نعرفه وكان لهذا اللقاء أثر في تغيير مجرى حياتنا تأثير العلاقات على النجاح. بكلمات أخرى، نحن نمضي حياتنا في لقاء أشخاص ونسج علاقات وتقويتها أو تركها تتدهور أو استبدالها بعلاقات أخرى إلخ. والغالبية منا بشر يعتبرون أن التفاعل مع الآخرين هو أساس ما يعيشونه بناء العلاقات الناجحة. بالطبع، كل اللقاءات لا تشكل فرصاً أو حظوظاً، لذا سنركز على تلك التي يمكن أن تحمل معها فرصة، أي اللقاءات المناسبة. وهي قد تظهر بأشكال متعددة، سواء عبر الاتصال أو التعارف أو خلق صلات اجتماعية أو مهنية أو علاقات صداقة وحب العلاقات الاجتماعية.
إن قائمة أشكال اللقاءات المناسبة لا حصر لها، وهي مكون أساسي لأن على المرء نفسه أن يقرر إحداثها أو قبولها والاتصال بالآخر وقبول فكرة أن هذا اللقاء قد لا يقود إلى شيء أو أنه قد يمثل فرصة في الحياة فرص العلاقات. المعلومة الأساسية: إذا ما كان من اسم يعطى لهذا العصر فهو عصر المعلومات.
فالمعلومة بكل أشكالها تحيط بنا، توقظنا، تجعلنا ننام أحياناً، تحفزنا، تزعجنا، تحركنا وتضعنا باختصار تحت الضغط أهمية المعلومات، سواء أكان هذا الضغط مفاجأة أو لهواً أو تعريضاً أو مديحاً... إن مجرد الحديث في اللقاءات غير الرسمية يجعلنا نتبادل يومياً مجموعة من المعلومات المفيدة أو غير المفيدة، الصحيحة أو المزيفة، تنسج جميعها هذا الرابط الاجتماعي الأساسي لتوازن حياتنا اليومية، هذا من دون الحديث عن وسائل الاتصال العصرية. والمعلومة التي تأتي في الوقت المناسب بالنسبة إلى ما يشغلنا قد تكون بدورها فرصة كبيرة استغلال المعلومات.
كما أن أي معلومة مفيدة قد تفتح مجالاً جديداً للإمكانيات سواء أكان في حياتنا المهنية أو الشخصية تطوير المهارات. المجال الجديد: الفرصة المؤاتية هي تلك التي تمكننا كذلك من مقاربة واستكشاف عوالم جديدة أي مجالات عمل لم نفكر سابقاً في طرقها لأن قصة حياتنا هي أيضاً قصة استكشافاتنا أو استكشاف مختلف المجالات التي التقيناها في حياتنا تجارب الحياة. وقد تكون المجالات التي نتحدث عنها هي المناطق والبلدان التي نعيش فيها أو التي زرناها، تجارب الحياة التي أثرت فينا، مجالات المعرفة والثقافة التي جذبتنا، المهن التي تعلمناها ومحاور اهتماماتنا. وعند امتزاج اللقاءات المناسبة مع المعلومات الأساسية نكون أحياناً في وضعية استكشاف مجالات جديدة أي عوالم معرفة وعمل جديدة اكتشاف مجالات جديدة.
نحن محاطون دائماً بمجالات جديدة يحمل بعضها فرصة كبيرة لنا، والمسألة هي قدرتنا على التعرف عليها ثم اتخاذ قرار خوض غمارها اتخاذ الفرص. الطلب غير المتوقع: قد لا يكون العالم المحيط بنا سوى سلسلة هائلة من الطلبات المتنوعة التي تنتظر سماعها، وإذا ما عرفنا كيف نسمعها في الوقت المناسب قد تشكل فرصاً و«ضربات حظ» ممكنة في كل مجالات حياتنا الفرص غير المتوقعة.
عديدة هي الفرص المؤاتية التي تظهر على شكل طلب غير متوقع أحياناً، يصدر عن محيطنا. قد تكون طلبات اتصال أو نصائح أو عاطفة أو مساعدة أو دعم أو خدمة أو حل أو تعاون، فهي جميعها تحمل في داخلها إمكانيات وفرصاً جديدة التعاون والنجاح. وفي كل الحالات، يمكن للشخص القادر على سماع هذه الطلبات تلقيها ثم الاستفادة منها ليسمّى بالشخص المحظوظ استغلال الفرص. الحادثة غير المتوقعة: يبدو أن الحظ لا يحب الرتابة والعادات المكررة، والكثير من ضربات الحظ في الحياة تبدو على شكل حوادث أي أحداث وقعت بالصدفة وكانت غير متوقعة بالكامل لتشكل نوعاً من «منعطف» على تقاطع طرق الحياة وتفتح أمامنا إمكانيات جديدة تغيير المسار.
الحادثة العفوية هي التي تقطع الرتابة وتفاجئنا على أرض حياتنا المخطط لها، تلك الأرض التي كانت منبسطة وذات أفق واضح تظهر فجأة متحركة ومنوعة تخفي مناطق لم نكن نراها مفاجآت الحياة.
بحسب الكاتب في مجال إدارة المؤسسات الأميركي جيم كولينز، «الحادثة المتصلة بالحظ تستجيب لثلاثة معايير:
- يكون مظهر من مظاهرها مستقلاً عن أعمال المعنيين الأساسيين.
- تحمل أثراً كبيراً سيئاً أو جيداً.
- تتضمن قدراً غير متوقع».
لكن اللامتوقع، مهما كان إيجابياً، لا يكفي، فضربة الحظ لا تجعل منك محظوظاً، فثمة ضروب حظ تفلت من أصحابها وثمة ضروب حظ يمكن تحفيزها تنمية الحظ. وهكذا فإن مختلف نظريات الحظ ومقارباته تدور حول محورين بسيطين: محور مصدر الحظ وإيقاعه. أما بالنسبة إلى المصدر، فثمة من يضعون الصدفة في الصف الأول وثمة من يضعون عمل الفرد في الصف الأول نظرية الحظ.
وفي الحالة الأولى سيكون الحظ مجرد صدفة سعيدة وينبغي انتظاره، أما في الحالة الثانية فإن الحظ مرتبط بحركة ومسؤولية وتأثير ويجب معرفة كيفية استجلابه كيف تصنع حظك. أما بالنسبة إلى إيقاع الحظ فهو يستحق اهتمامنا كذلك، إذ ثمة حظوظ معزولة وفريدة واستثنائية ونادرة (كربح ورقة يانصيب مثلاً) وأخرى تبدو متكررة وشبه منتظمة تقدم فرصاً جديدة لمن تحالفهم فرص متكررة.
وفي هذه الحالة يمكن للمرء أن يتعرف على ما فعله حتى يقنع الحظ بأن يزوره دائماً جذب الفرص. وهكذا يمكن الحديث عن نوع من حياة تعاش طبقاً لـ«نمط الحظ» كطريقة خاصة بالعيش أي التفاعل مع النفس والآخرين والعالم أسلوب الحياة الناجح. وفي هذه الحالة، يأخذ المرء فعلاً زمام الأحداث أو بالأحرى زمام طريقة رده على الأحداث وبالأخص حين تبدو مطبوعة بالصدفة، سواء أكانت هذه الأخيرة سعيدة أو تعيسة التحكم في الحياة.
إن العيش طبقاً لـ«نمط الحظ» هو أن نعتبر أن كل شيء في هذا العالم قد يكون مورداً للحظ، وليس فقط التقاط الفرص والتصرف على أساسها بل تدريب النفس يومياً على تحويل الصدف إلى فرص مؤاتية وبناء سد منيع على مر الأيام ضد سوء الحظ المستدام تحويل الصدف إلى فرص.
*تأليف: فيليب غابيليه
