11 يناير 2026

«دليلك إلى البلوريات»... كوارتز وأحجار كريمة من الحماية إلى الزينة وإنتاج الكهرباء

أستاذة وباحثة جامعية

مجلة كل الأسرة

لطالما مارست البلوريّات جاذبية سحرية على البشر، فهي بمثابة العناصر المعدنية الأكثر مدعاة للدهشة والإعجاب. ومنذ القرن الماضي، أخذ علماء الجيولوجيا والأحجار الكريمة العمل على تصنيف جميع بلوريات الكرة الأرضية بحسب قسوتها وتركيبتها الكميائية. لكن ما هو الكريستال، أو البلّور، حقاً؟

مجلة كل الأسرة

في كتابه «دليلك إلى البلوريات»، يشير المؤلف فيليب لو سين أوراس باي، إلى أن كلمة «كريستال» تأتي من اللاتينية «كريستالوس» التي تأتي بدورها من اليونانية «كروستالوس» ومعناها «زجاج». أما اليوم، فكلمة «كريستال»، أو «بلور»، تستخدم بمعناها الأوسع للدلالة على «المواد الصلبة ذات البنية الذرية المرتَّبة والمتكررة في أبعاد الفضاء الثلاثية».

أما بالمعنى الأشد ضيقاً، فتعتبر البلوريات تنويعات من الـ«كوارتز»، وهذا الأخير هو انصهار بلوري لأكثر عنصرين شيوعاً على الكرة الأرضية، أيّ الأوكسجين والسليسيوم.

تنجم كل البلوريات عن عمليات انصهار تتبعها عمليات تبريد لمدة تطول، أو تقصر. وكلمة «كوارتز» تشير إلى ثاني أوكسيد السليسيوم في شكله البلوري، حيث تترتب الذرات وتتكرر إلى ما لا نهاية على شكل شُفَيرات ثلاثية الأبعاد. ويمتلك الكوارتز بنية بلورية ذات أضلع، أو وجوه ستة، مع ترويسة في أحد طرفيه، أو حتى في طرفيه الإثنين.

وفي الطبيعة، قد نعثر على الكوارتز بألوان، وملمس شديد التنوّع، من الكوارتز غير الملوّن والشفاف، ويدعى «البلور الصخري» إلى تنويعات ملوّنة كثيرة مثل «الأميتيست»، أو الكوارتز البنفسجي، والكوارتز الدخاني، والكوارتز الوردي، والأحجار الشفافة، مثل «اليشب»، و«الأغاثا». وتتألف هذه الأخيرة من طبقات متراصّة ذات ألوان مختلفة.

يأتي الكوارتز في الطبيعة على شكل تكتلات، أو بلورات صخرية. وتتخذ هذه الأخيرة شكل كرات كبيرة مبطّنة في داخلها بطبقات، والأحجار الشفافة أو الملوّنة. وتعتبر البرازيل واحداً من البلدان الأكثر إنتاجاً للأحجار، الكريمة ونصف الكريمة، في العالم، وقد عُثر فيها على بلورات صخرية تزن الواحدة منها مئات الكيلوغرامات بقطر أمتار عدّة.

لطالما أحب الفنانون البلوريات منذ العصور القديمة، وقد صنع منها فنانو الشرق كرات رائعة من بلور شفاف، نُحت أكبرها في كتلة من الكوراتز البيرماني، وزنها 48 كيلوجراماً، وتوجد حالياً في «المتحف السميثوني للتاريخ الطبيعي»، في واشنطن، بالولايات المتحدة الأمريكية.

مجلة كل الأسرة

البلورات والجواهر والأحجار الكريمة

لا تعتبر هذه المصطلحات متوازية تماماً، فبلورات الكوارتز ليست «أحجاراً كريمة»، بالنسبة إلى الجواهرجي. والجواهر هي الاسم العام للأحجار الكريمة، والأحجار نصف الكريمة والشفافة. أما الأحجار الكريمة بالمعنى الحرفي، فهي: الماس والزمرد، والياقوت الأحمر، والياقوت الأزرق. ويتكون الماس من الكربون الصافي المبلور، وهو شفاف في أكثر الأوقات. أما بالنسبة إلى الأحجار الكريمة الثلاثة المتبقية فاللون يشكل معيار الجودة الأول.

والأحجار نصف الكريمة هي من الجواهر التي تختلف عن الأحجار الكريمة، وتنتمي الأحجار التالية إلى هذه الفئة: الفيروز، الزبرجد، التوباز، التورمالين، البيريل، الأوبال، العقيق، اللازورد، الكوارتز، إلخ.

ومن بين أصناف الكوارتز، نجد الشفاف منه ويدعى «البلور الصخري» كحجر نصف كريم، والتنويعات الملونة منه في هذه الفئة هي الأمتيست، والكوارتز الوردي، واليشب، والأغات.

مجلة كل الأسرة

ميزات بلورات الكوارتز

يمتلك المنشور البلوري المثلث والشفاف، القدرة على تحويل شعاع النور الأبيض، وفك تركيبته بحسب ألوان الطيف (أحمر، برتقالي، أصفر، أخضر، أزرق، بنفسجي). وقد كان اسحق نيوتن أول من درس، في نهاية القرن السابع عشر، تبعثر وتفكك النور الأبيض بواسطة المنشور.

 وفي الثمانينيات من القرن التاسع عشر، اكتشف بيار كوري مقدرة الكوارتز على أن يشحن نفسه كهربائياً. فحين توضع شحنة واجبة على أحد طرفي رقاقة من الكوارتز، وشحنة سالبة على الطرف الآخر، ترى الكوتز ينقبض أو يتمدد بحسب المكان الذي تمت فيه ملامسته. وفي بلور غير متطابق الحواف، كالكوارتز، ينقل الضغط بطريقة مختلفة الأيونات الواجبة والسالبة، وينتج عن هذا قطبية كهربائية على السطح.

وتسمح خاصية بلور الكوارتز هذه بإنتاج تيار كهربائي عند أحد طرفي البلور تمكن من تحويل القوة الميكانيكية إلى طاقة كهربائية. وقد كان هذه الأمر موضوع تطبيقات صناعية عدّة، منذ نهاية القرن التاسع عشر، كما في مكبرات الصوت، والولاعات، وأجهزة الراديو، والحساسات، والحواسيب، والأدوات الإلكترونية بشكل عام.

ومكنت الأبحاث العلمية التي أجريت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين خاصيات أخرى يمتلكها البلور، وقد كانت المعارف التقليدية لدى البشرية قد أدركتها. إليكم مثلاً الدكتور ريتشارد جيربر، وهو طبيب أمريكي من ليفونيا في ميشيغان، وصاحب كتاب «الطب بالذبذبات»، فقد انطلق من نظرية أينشتاين القائلة «إن المادة هي طاقة»، وباعتبار أن أجسام الكائنات الحية هي نظام مركّب من حقول الطاقة، فإن البلورات تحدث على الجسم حقلاً طاقوياً خفياً لا يمكن قياسه بواسطة الأجهزة الكهرومغناطيسية التقليدية، لكنه ينتج أثراً غير قليل في الأجسام الحية.

وبهذا المعنى، أثبتت أبحاث مارسيل فوجيل، وهو عالم أمريكي عمل في شركة «آي بي إم»، أنه يمكن استخدام بلورات الكوارتز لتقليص زمن «تعتيق النبيذ» من سنوات عدّة، إلى مجرّد بضع ثوانٍ، وهي طريقة تستخدم في أيامنا هذه في منطقة كاليفورنيا. وثمة عالم شهير آخر أيضاً، هو وليام تايلر، الأستاذ في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا، يعتبر أن كل هذه التجارب ترتدي أهمية قصوى، وأن العلم سيكتشف يوماً مقدرة الكوارتز على تقوية الطاقات الخفية.

مجلة كل الأسرة

الحلي في الشعائر

منذ أقدم عصور التاريخ، تزيّن الإنسان بالحلي، وقد عثر علماء الآثار على الكثير منها في مقابر ما قبل التاريخ، حيث تشكل تكريماً للميت، وترافقه في رحلته الأخيرة. وما من ثقافة عرفتها البشرية لم تستخدم الحلي، وهذا في جميع أرجاء الأرض. وقد ارتدى الملوك والأمراء والكهنة، حليّاً رائعة مناسبة لمراكزهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخدم بحليّهم المتواضعة، لكنها كانت تصلح للزينة والحماية.

والحلية هي غرض ينتج عن جمع معدن وفلزات. وفي أيامنا هذه، تعتبر الحلي للنساء، لكن الكثير من الرجال يضعونها أيضاً، وليس من أجل التزين بها. والحلي الأكثر مبيعاً في أيامنا هذه في الغرب هي الأيقونات الدينية، وهدفها حماية صاحبها من كل شر. وقد كان القدماء يحترمون البلوريات ويجلّونها، إلى درجة أنهم ارتدوها، واعتبروا أنها تحمل فضائل تحمي الجسم لتجنب بعض الأمراض، والشفاء من بعضها الآخر.

ففي بلاد ما بين النهرين، في الألفيتين الثالثة والثانية قبل الميلاد، قصّ السومريون الأكاديون أحجاراً مثل الأغاتا، لتمثل آلهتهم، وعدداً من الحيوانات، أو لاستعمالها كأختام. واعتبر المصريون القدماء أن الحجر هو رمز الثبات والأبدية، فصنعوا حليّاً رائعة مرصعة بحجارة كريمة، وحجباً من الحجارة الصلبة كاللازورد والعقيق، وسواهما.

واعتبر هنود أمريكا الشمالية أن البلور الصخري هو حجر مقدس يرمز إلى النور على الأرض. وكانوا يحتفظون بقطعة منه في منازلهم، ويستخدمونه في شعائرهم الدينية والجنائزية. كما كانوا يضعونه في كيس صغير حول أعناقهم، وقد يحتوي الكيس أيضاً على حجارة أخرى، وأشياء اعتبروا أن لديها قدرة سحرية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى أهل التيبت الذين كانوا يضعون بلوراً في كيس صغير حول خصورهم أو حول كواحلهم.

آمن القدماء من البشر بالأحجار الكريمة والجواهر للحماية من الشرور والأمراض، أما اليوم، فهم يستعملونها للزينة أساساً، ما عدا الفيروز الأزرق الذي ما زال يحظى برواج في بعض المناطق لدرء العين الشريرة.