نظراً إلى التحدّيات البيئية التي يطرحها النشاط البشري، منذ أكثر من نصف قرن، لا سيما في ما يتصل بظاهرة الاحترار المناخي، صرنا مهووسين، أكثر فأكثر، بإمكانية تلاشي الحياة على الأرض متى صار كوكبنا غير قابل للسكن.
لكن، في ما يتعدى التأثير الذي يمارسه النشاط البشري، ثمة آلية طبيعية، تمتد على فترة زمنية أطول بكثير، ومن شأنها أن تحكم باختفاء كل أشكال الحياة على الأرض، بلا رجعة. وقد عملت وكالة الفضاء الأمريكية، «ناسا»، وجامعة توهو في اليابان، على تقدير هذه الفترة الزمنية بواسطة أربعمئة ألف عملية محاكاة، ولَّدتها حواسيب فائقة، كشفت في الوقت ذاته سبباً يبدو هو المرجح.
ما الذي سينهي الحياة على الأرض؟
المذنب الأساسي في هذا المصير الأسود الذي ينتظر الأرض هو الشمس التي ندور من حولها. فحتى لو كان من المستحيل أن ندرك هذا بالعين المجردة، فإن شمسنا تشيخ، وتستمر في الاحترار التدريجي الذي سيؤدي في النهاية إلى فقدان التوازن في الأجواء المحيطة بالأرض، لا سيما عبر استهلاك مجمل كمية ثاني أوكسيد الكربون المتوافر فيها. وبينما تعتبر كميات كبيرة من هذا الغاز خطراً على الإنسان، إلا أنه غاز ضروري لتوازن أجواء الكوكب، بالأخص بفضل آلية التركيب الضوئي النباتية التي تحوّل ثاني أوكسيد الكربون إلى أوكسجين، الذي يُعتبر بدوره مسؤولاً عن طبقة الأوزون في الغلاف الأرضي الذي يحمي الأرض من أشعة الشمس. وسيصاب هذا الغلاف، تدريجاً، بتناقص شديد بكميات الأوكسجين، ليحلّ محله الميثان السام الذي يجعل كل أنواع الحياة مستحيلة على الأرض.
متى ستنتهي الحياة على الأرض؟
عند اختفاء الأوكسجين وطبقة الأوزون، ستزداد حرارة الأرض إلى حد كبير، وصولاً إلى التصحر التام. وسيعمل تبخر المحيطات، وكل أشكال المياه على الأرض، على تسريع اختفاء كل أثر للأوكسجين، ما يقضي على كل أنواع النبات. وفي هذا السياق، ستصير الحياة مستحيلة، ما عدا بالنسبة إلى البكتيريا والجسيمات المجهرية، التي تستطيع أن تعيش وتتكاثر من دون أوكسجين. وتقدِّر إجراءات المحاكاة التي تمت في «ناسا»، وفي جامعة توهو، أن كل أشكال الحياة على الأرض ستختفي بعد مليار سنة. قد تبدو لنا هذه المهلة هائلة الحجم بالنسبة إلى البشر، ولكنها قصيرة جداً بمقياس الكون. علماً بأن هذه العملية ليست سوى مرحلة من مراحل موت شمسنا المبرمج، والذي من المفترض أن يحصل بعد 6،5 مليار سنة، حين لا تعود الشمس تمتلك كمية كافية من الهيدروجين لتغذي الانصهار الحراري الذري لديها، فتنهار على نفسها، وتشكل قزماً أبيض.
متى ستصير الحياة مستحيلة على الأرض بالنسبة إلى الإنسان؟
من الواضح أن الإنسان سيكون قد اختفى عن وجه الأرض حين يحدث هذا، ولن يشهد النفس الأخير للكوكب. وعلى الرغم من أن هذه التغييرات لا تزال خفيفة جداً، إلا أن العلماء بدأوا يرصدون زيادة في نشاط الشمس تظهر من خلال العواصف الشمسية، وانبعاثات كتل البلازما الشمسي بكميات أكبر فأكبر. وبعد مرور عشرة آلاف سنة، يمكن لآلية فقدان الأوكسجين أن تبدأ من دون أيّ رجعة إلى الوراء. وإذا كان أثر الإنسان على الاحترار المناخي ضئيلاً بالطبع على سلّم النظام الشمسي، إلا أنه قد يسارع في آلية فقدان الأوكسجين على الأرض لجعلها غير قابلة للسكن بالنسبة إلى البشر، في فترة أقصر. ولم يُعطَ أي تاريخ محدّد لعدم صلاحية الأرض للسكن الإنساني، إلا أن هذه الإمكانية تدفع الأوساط العلمية إلى البحث عن بدائل لبقاء البشرية، مثل تطوير أمكنة اصطناعية للسكن المستقل، أو استعمار كواكب أخرى، مثل كوكب المريخ.