20 نوفمبر 2025

سلمى الحفيتي... الكتابة جسر بين جراح الروح وشفائها

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

تكتب الروائية والكاتبة الإماراتية، سلمى الحفيتي، لتمنح الألم معنى، ولتخرج الصمت من عزلته إلى نصٍّ حيّ يمسّ القارئ. بدأت رحلتها من دون مكتبة في بيتها، لكنها صنعت مكتبة داخل روحها بالقراءة، والبحث، والحكايات. في «تراب السماء» أعادت إحياء ذاكرة الطاعون، وفي «الأسيف» وثقت جراح الإيزيديين. وبين الواقعية والرومانسية، وبين الفلسفة والتاريخ، تشكل سلمى الحفيتي صوتاً روائياً يراهن على الصدق أولاً. في حوارنا معها، نقترب من تجربتها، ومن رؤيتها للكتابة كمسؤولية إنسانية، قبل أن تكون فناً.

مجلة كل الأسرة


 متى اكتشفت موهبتك في الكتابة لأول مرة، وكيف تمكنت من صقلها؟

اكتشفت موهبتي في لحظة لم أكن أبحث فيها عن شيء محدّد، بل كنت أفتش عن نفسي. كنت في سنٍّ صغيرة، الابتدائي تحديداً، حين بدأت أكتب على دفاتر المدرسة كلمات لا تشبه الواجبات، بل تشبه البوح. شعرت بأن اللغة تسعفني حين يعجز الصوت، وأن الحروف تملك قدرة عجيبة على التضميد. ومع الوقت، أدركت أن الكتابة ليست موهبة تولد فجأة، بل تمرين طويل على الصدق مع الذات. لذلك، واصلت القراءة، تعلّمت من التجربة، وأخطائي الأولى التي كانت أجمل مما ظننت. صقلني الصمت أكثر من الورق، والقراءة أكثر من الكتابة.

في حوارات سابقة، ذكرتِ أن بيتك لم يكن يحتوي على مكتبة، كيف اجتزتِ هذه العقبة لتصبحي روائية لها صوت مميز؟

صحيح، لم يكن في بيتنا مكتبة، لكن في داخلي كانت مكتبة من الأسئلة والأحلام. كنت أستعير الكتب من صديقاتي، والمدرسة، والمكتبات العامة. كنت أقرأ بشغف الجائع لا الباحث عن الثقافة.
حين قلت إن بيتي لم يكن يحتوي مكتبة، قصدت أن والدي، رحمه الله، كان أميّاً، لا يقرأ ولا يكتب، لكنه منحني إيماناً عميقاً بقيمة التعلم والعمل. أمّا أمّي، فقد جاءت من الزمن الجميل، من قاهرة الخمسينيات والستينيات، بثقافتها وذوقها ووعيها، كانت تشبه كتاباً مفتوحاً على الحكايات. منها تعلمت جمال اللغة، ومن دفئها ورقّتها ألهمتني لأصف شخصية الأنثى المتزنة في رواياتي. غياب المكتبة لم يكن عائقاً، بل حافزاً؛ جعلني أقدّر الكلمة حين أصل إليها، وأعامل كل كتاب كما لو كان كنزاً نادراً. ربما لأن المعرفة التي تكتسب بالمشقة، تُثمر عمقاً لا تمنحه الوفرة. هكذا تعلمت أن الكاتب الحقيقي لا يحتاج إلى رفوف كثيرة، بل إلى قلب مفتوح.

مجلة كل الأسرة

 بين الخاطرة الأولى والرواية المنشورة، مرّت عشر سنوات، كيف انعكست هذه المدة الطويلة على نضجك الأدبي؟

تلك السنوات لم تكن فراغاً، بل كانت المعبر الحقيقي إلى النضج. عشر سنوات من المراقبة، من الملاحظات الصغيرة التي كتبت ولم تنشر، ومن الصراعات الداخلية التي صاغت صوتي.
كنت أتعلم بصمت كيف أتحرر من الزخرف اللغوي، لأقترب من الجوهر، وكيف أجعل النص يكتبني بقدر ما أكتبه. فالنضج الأدبي لا يأتي من الوقت وحده، بل من التجربة، والقصاصات المجعّدة في سلة المهملات، والخسارات، ومن النظر العميق في الذات. بعد عشر سنوات، حين كتبت كتابي الأول «الحرية النفسية في فلك متسلط»، شعرت بأنني أكتب بوعيٍ يليق بالألم الذي شكّلني.

قلتِ إن الكتابة تبدأ من ألم القلب وتنتهي عند «صرخة مكتومة»، ماذا تمثل لك الكتابة في بعدها الإنساني؟

الكتابة بالنسبة لي ليست ترفاً، ولا هواية، بل فعل نجاة. هي محاولة لترميم ما يتكسر في الداخل، ولإعادة المعنى للأشياء حين يفقد العالم معناه. حين أكتب، أشعر بأنني أحرر تلك الصرخة المكتومة التي تسكن صدري منذ زمن، صرخة لا تريد أن تُسمع، لكنها تريد أن تُفهم. في بعدها الإنساني، الكتابة هي الجسر الذي أعبر به من ذاتي الصغيرة إلى إنسانية أوسع، ألتقي فيها بالآخر، بالوجع الجمعي، وبالحلم المشترك.

مجلة كل الأسرة

هل ترين الكتابة ترفاً وإضاءة أم مسؤولية ومعاناة؟

الكتابة ليست ترفاً أبداً، إنها مسؤولية، لكنها أيضاً نور في العتمة. الكاتب الحقيقي يعيش معاناة مزدوجة، معاناة الفهم، ومعاناة التعبير. يحاول أن يقول ما لا يقال، أن يفتح نافذة في جدار صلب. لكن وسط هذه المعاناة، هناك لحظة إضاءة، لحظة يولد فيها المعنى، ويشعر فيها الكاتب بأن الألم لم يذهب سدى. لذلك أرى الكتابة مزيجاً من وجع جميل، ومسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والحقيقة.

 كيف تنظرين إلى مسألة تأثرك بالكلمات أكثر من تأثرك بالكتّاب، وهل هذا يجعل نصوصك أكثر تحرراً من الانحياز لمدرسة معينة؟

نعم، الكلمة بالنسبة لي كائن حي، يمكن أن تفتح جرحاً، أو تزرع وردة. أحياناً يلمسني سطر واحد أكثر من مجلد كامل. ربما لهذا السبب لم أنتمِ إلى مدرسة أدبية محدّدة، لأنني أومن بأن الإبداع لا يعيش داخل القوالب. النص عندي حرّ، يختار لغته، ومزاجه، وشكله، بحسب الفكرة والوجع الذي يحمله. هذا التحرر جعلني أكتب من دون خوف من التصنيف، ومن دون رغبة في الانتماء إلا للصدق.

تمزجين بين الواقعية والرومانسية رغم تناقضهما.. هل ترين نفسك في مرحلة بحث عن هوية أدبية ثابتة أم أن التنقل بين المدارس خيار دائم؟

لا أبحث عن هوية ثابتة بقدر ما أبحث عن صدق النص. أكتب كما أشعر، لا كما يُتوقع مني أن أكتب. أحياناً تكون الواقعية أكثر شاعرية من الرومانسية، وأحياناً يكون الحلم أكثر صدقاً من الواقع. التنقل بين المدارس ليس تذبذباً، بل مساحة حرية. فالحياة نفسها لا تنتمي إلى نوع أدبي واحد، بل تتبدل بين الفرح والحزن، بين الضوء والظل، وهكذا أكتبها.

في روايتك «تراب السماء» تناولتِ فترة انتشار الطاعون في الإمارات. ما الذي جذبك إلى هذه الحقبة تحديداً؟

تجذبني الفترات التي يختبر فيها الإنسان هشاشته أمام المجهول. حقبة الطاعون كانت مرآة قاسية لحقيقة الوجود، حيث يتقاطع الخوف مع الإيمان، والموت مع معنى الحياة. والغريب أنني كنت قادرة على تخيّل ووصف مشاعر الخوف، والرهبة، والعزلة الاجتماعية، في تلك الفترة، قبل أن نعايش نحن المشاعر ذاتها في فترة انتشار فيروس كورونا. فقد فازت رواية «تراب السماء» بجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، ووضعت على رفوف المكتبات قبل شهرين فقط، من انتشار الوباء عام 2020. في الحقيقة، أردت أن أكتب عن تلك المرحلة لأنها تحمل في جوهرها سؤالاً أبدياً: كيف يواجه الإنسان قدره؟ في «تراب السماء» حاولت أن أستحضر ذاكرة الناس البسطاء الذين عاشوا الخطر بصمت، وتركوا لنا إرثاً من الصبر والعزيمة.

مجلة كل الأسرة

في «الأسيف» تناولتِ قضايا الإزيديين في جبل سنجار. كيف أثّرت الرحلة البحثية في تكوينك ككاتبة؟

الرحلة البحثية إلى سنجار كانت من أكثر التجارب قسوة وعمقاً في حياتي، وجاءت بعدما سيطرت جماعات الإسلام السياسي على المنطقة، وعاثت فساداً في الإزيديين. هنا، تعلّمت أن الألم لا جنسية له، وأن الحكايات التي لا تروى تموت مرتين. قرأت الكثير، بخاصة كتب المستشرقين الذين وثقوا تجاربهم في تلك البقعة الجغرافية، وتحدثت مع الإزيديين النازحين شمالاً، تعلمت كيف يمكن للأدب أن يكون شهادة إنسانية لا تمحى. أثّرت تلك التجربة في نظرتي إلى العالم، وجعلتني أكتب بوعي أكبر تجاه المعاناة الإنسانية، وبمسؤولية تجاه الذاكرة التي نحملها جميعاً.

هل تفكرين في خوض تجربة كتابة السيناريو للأفلام القصيرة؟

نعم، تراودني الفكرة كثيراً. السينما امتداد طبيعي للسرد، لكنها تكتب بالعين، لا بالقلب فقط. أؤمن بأن بعض القصص لا تكتمل إلا بالصورة والحركة. أفكر في تحويل إحدى قصصي القصيرة إلى سيناريو، لكنني أريد أن أتعامل مع هذا المجال بذات الجدية التي أتعامل بها مع الرواية، لأن السينما لغة أخرى، تتطلب إيقاعاً مختلفاً، ووعياً بصرياً دقيقاً.

من بين قراءاتك في الفلسفة وعادات الشعوب، ما أكثر موضوع ترك بصمة على أسلوبك السردي؟

تأثرت كثيراً بفكرة الزمن في الفلسفة، وكيف يمكن أن يكون الزمن شخصية خفية في النص. وقد برز هذا جلياً في كتابتي عن علم الإيزوتيريك في رواية «تراب السماء». كما ألهمتني طقوس الشعوب في نظرتها للموت والحياة؛ فكل ثقافة تحمل سردها الخاص عن الفناء والبعث. هذه القراءات جعلتني أرى الكتابة كرحلة تأمل، لا كصنعة. تعلمت أن وراء كل عادة إنسانية حكاية تستحق أن تروى، وأن الفلسفة ليست مجرّد فكر، بل طريقة في النظر إلى الجمال والوجع، معاً.

كتبت الشعر والخاطرة والقصة والمقالة، لكنك بقيت وفية للرواية. ما الذي يجعلها الأقرب إلى روحك؟

الرواية هي البيت الذي يسع كل الأصوات في داخلي. فيها أتنفس على مهل، وأبني العوالم كما أبني نفسي. الشعر لحظة، والقصة ومضة، أما الرواية فهي العمر كله. تمنحني القدرة على أن أعيش حيوات متعدّدة، أن أختبر مصائر لم أعشها، وأن أقترب من الحقيقة عبر الخيال. لذلك، حين أكتب الرواية، أشعر بأنني أعود إلى نفسي.

مجلة كل الأسرة

من واقع خبرتك السابقة في تأسيس إدارة نادي الفجيرة الثقافي، ما أبرز التحدّيات التي تواجه الشباب في دخول عالم الأدب؟

أرى أن التحدّي الأكبر هو الاستعجال. كثير من الشباب يريد أن ينشر قبل أن يقرأ، وأن يعرف قبل أن يكتشف صوته. كما أن وسائل التواصل منحتهم جمهوراً سريعاً، لكنها سلبت منهم الصبر على الحرفة. حاولت في المقهى أن أخلق مساحة حوار لا حكم، وأن أزرع فيهم الإيمان بأن الكتابة ليست سباقاً، بل رحلة نضج وتشكّل.

ما المشروع الذي تحلمين بإنجازه ليكون بصمتك الخاصة في الأدب الإماراتي؟

أحلم أن أكتب عملاً روائياً يختصر الإنسان الإماراتي في كل تحولاته، من الصحراء إلى المدينة، من الذاكرة إلى المستقبل. عمل يربط بين الماضي بوصفه جذوراً، والحاضر كأفق مفتوح على الأسئلة. أريد أن أقدّم صوت الإمارات لا كهوية جغرافية فقط، بل كحالة إنسانية وفكرية، لأن الأدب في جوهره مرآة الروح، وما أطمح إليه هو أن تكون رواياتي مرآة صادقة للإنسان في هذه الأرض.

الكتابة بالنسبة لي ليست مهنة ولا خياراً، بل قدرٌ جميل أعيشه كل يوم. هي طريقتي في فهم العالم، وفي مصالحة ذاتي مع ما كان، وما سيكون. أكتب لأتذكر، ولأمنح الألم معنى، ولأقول لمن يقرأن لي: لسنا وحدنا في هذا الاتساع. ما دامت هناك حكاية تروى، فثمة حياة تستحق أن تكتب.

* تصوير: السيد رمضان