18 يناير 2026

سوزي ناصيف... أرشيف حي للذات وعوالم تحاكي كل مرحلة

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

 تتعامل الفنانة التشكيلية اللبنانية، سوزي ناصيف، مع اللوحة  كقصة كاملة تُعاش من الداخل، وككائن حيّ يحتاج إلى علاقة صادقة ومتبادلة. كل لوحة عندها عالم مستقل، يحمل فلسفتها، سيكولوجيّتها، وتوازنها الداخلي، ولا تولد إلا حين يمنحها العمل نفسه سبباً للوجود.

مجلة كل الأسرة

التقيناها في معرضها «لا شكل نهائي» كاستعادة فنية لأعمالها، حيث شكّل المعرض تحية لهوية في حركة دائمة، ولرموز تتبدّل، وبوتريهات تثير التساؤل. تقول: «هذا المعرض هو تحية لكل الخيوط غير المرئية التي شكّلتني».

وتضيف لـ«كل الأسرة»: «المعرض يقدّم رحلة فنية تمتد من عام 2014، حتى اليوم، ويعكس تحوّلاتي، التعبيرية والبصرية، خلال هذه السنوات. كل مرحلة تحمل أسئلتها، وقلقها، وتبدلاتها، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي أعتبرها محطة مفصلية في مساري. وهناك انتقال واضح من أسلوب اعتمدته بين 2014 و2020، إلى أسلوب مختلف كلياً، نابع من تجربة، إنسانية وفكرية، أعمق».

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

اللوحة مرآة النفس… والمقاربة النفسية هي المفتاح

توضح: «لوحاتي تستدعي أسئلة فرويدية حول الداخل الإنساني، والوعي، والكثير من الفلسفة. أعيش كل لوحة كما لو كانت قصة كاملة، وكل لوحة، بالنسبة لي، أحلى من سواها. أرسم عندما يمنحني العمل نفسه سبباً فقط، وحين يقف أمامه المشاهد، ويتوقف، يتأمل، ويسأل نفسه: بماذا يفكر هذا المخلوق (أقصد أنا)؟ إذا لم يحدث هذا، فلا جدوى من الرسم».

وتعترف سوزي بأن علاقتها باللوحة ليست دائماً سهلة، أو مستقيمة، بل تمرّ أحياناً بحالات رفض متبادل «مرّت عليّ لحظات شعرتُ فيها بأن العيون في اللوحة ترفضني، كأنها تقول لي: هذه لستِ أنتِ. تكرّر هذا الإحساس أكثر من مرة، إلى حدّ أنني لم أستطع النظر إلى اللوحة، أو الاستمرار فيها».

وغالباً ما يكون السبب نفسياً بامتياز، توضح: «الحالة الداخلية تنعكس مباشرة على العمل. فكل شيء عندي مرتبط ببعد نفسي. أحياناً يكون ما أمرّ به في حياتي حاضراً بقوة، فأشعر بأن العيون في اللوحة تسألني: لماذا فعلت ذلك؟ أو لماذا اخترت هذا الاتجاه؟ وأحياناً لا أكون قادرة على تحمّل هذه المواجهة في تلك اللحظة».

في تلك الحالات، تختار سوزي ناصيف التوقّف لا الإكراه: «أترك اللوحة جانباً، أضع الفرشاة جانباً، وأنتظر. بعد فترة، عندما تتغيّر حالتي النفسية، أعود إليها فأشعر بأنها تسير معي، وأن العلاقة أصبحت ممكنة من جديد».

وتؤكد أن العمل الفني لا يكتمل من دون هذا التبادل الروحي: «إن لم يكن هناك تواصل داخلي صادق، لا يمكنني أن أتابع. أنا لا أنظر إلى اللوحة كحاجة، بل ككائن حي يتطلب علاقة حقيقية ومتبادلة».

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

الأمومة في لوحاتها

تشكّل الأمومة محطة مفصلية في حياة سوزي ناصيف، ليس على المستوى الإنساني فقط، بل الفني أيضاً: «الأمومة غيّرتني بالكامل من الداخل. صرت جدّة أيضاً، وهذه الأمومة شرعت أمام لوحاتي أبعاداً جديدة».

هذا التحوّل منحها طاقة تعبيرية أعمق: «أحياناً، أشعر بأنني أستطيع أن أقيم معرضاً كاملاً عن الأمومة. الأمومة شيء عظيم ومقدّس، ومن خلالها صرت أعبّر أكثر. معايشة الأمومة تحوّلك إلى كتلة مشاعر، والحرية في التعبير تصبح أعمق، ما يجعل عالمي الفني أكثر قدرة على أن يتنفس، ويعبّر عن ذاته».

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

من الأم إلى الجدة… حب مزدوج

يتسلل الحنين إلى صوتها حين تتحدث عن هذه المرحلة من حياتها لكونها جدة: «هذا يجعلني أردّد دائماً: الحمد لله. قد صرت «تاتا»، (جدة)، وكمية الحنان في داخلي كبيرة جداً هذه الأيام».

وتتوقف عند سؤال يختلط في قلبها: «من الأحلى، الأمّ أم الجدة؟». تجيب: «لكل تجربة  جمالها، ورونقها الخاص . أن تكوني جدّة هو أن تحبّي ابنك مرتين، وهنا يكمن سرّ الحب المزدوج، حب يشبه أن تحب ابنك مرتين. فأمومتي ممتدة إلى ما هو أبعد من الزمان والمكان، ومجرّد أن أحضن حفيدي «أمير» أعيش حالة من فيض المشاعر، أشبه بكوني أغمر نفسي وأفراد عائلتي كلهم، في آن».

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

شوشو… لبنان الذي يضحك وهو حزين

 في أعمالها، يتقدم الفنان المسرحي اللبناني شوشو (حسن علاءالدين)، إلى الواجهة، وتراه رمزاً وطنياً بامتياز: «بالنسبة لي، شوشو هو ملك المسرح اللبناني، وملك كل بيت لبناني، لأنه يمثل الشعب اللبناني. فقد غرس في كل بيت لبنانّي قيمة فنه، وجعل منه مادة للتعلّم والإلهام. فنان يضحك رغم حزنه، ويمنحك السعادة، ويترجم حب الشعب اللبناني للحياة».

تضيف: «لبنان يشبه شوشو، وشوشو يشبه لبنان. أشعر بأنه أكثر فنان يمثل لبنان وشعبه، بين كل العظماء. هو عرّاب الفرح والضحكة، ومرجع وإرث ثقافي وفني، لا بدّ من تعليمه للجيل الجديد». 

وتأسف لغياب معرفة الجيل الجديد بقيمته: « أدرك اليوم أن كثيرين من شباب هذا الجيل لا يعرفون حجم تأثيره، ولا بدّ أن نعرّف أبناءنا بشخصيات كثيرة تركت أثرها في مجتمعنا، ولعبت دوراً كبيراً في توجيه بوصلتنا، الأخلاقية والفنية، وهذا جزء من مسؤوليتنا الثقافية».

لا تحصر سوزي الفن في الرسم وحده «أنا أعتبر أن الفنان ليس من يرسم، أو يكتب، أو يمثل فقط. الفن هو أسلوب حياة. يجب أن يكون الفنان فناناً في كل شيء: في لباسه، في كلامه، في سلوكاته. إنه طريقة للعيش. فالجمال يجب أن يكون شاملاً، وكل شيء يجب أن يكون قطعة فنية متكاملة، تسير في انسجام».

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

طقوس العزلة… الاستوديو، الموسيقى، والزمن المعلّق

للعمل الفني طقوسه الخاصة عند سوزي ناصيف، طقوس تشبه العزلة المقدسة، وهي تخطّط لمعرضها المقبل: «عادة ما أجلس في الاستوديو، أشغّل الموسيقى، أغلق على نفسي، ولا أعرف ليلي من نهاري. قد أعمل لاثنتي عشرة ساعة متواصلة، أغوص في عملي، وأعيش كل لحظة بكل تفاصيلها، وأحياناً أقرر أن أعمل اليوم كله، وأستكمل لأيام عدّة، ومن ثم آخذ استراحة وأخرج، أتنفس الطبيعة، وأعيش تماسّاً آخر مع نفسي».

رسالة الفنانة سوزي ناصيف، بسيطة وعميقة، في آن: «الإنسان، والفنان تحديداً، في حالة تغيّر مستمر. لا يوجد ثبات مطلق. كل مرحلة  نمرّ بها تشكّلنا، وتعيد صياغتنا. ما أقدّمه اليوم هو انعكاس لمرحلة أعيشها الآن، ويعيشها العالم كله، وبعض لوحاتي تجسد هذا الظلم الكبير الذي نعيشه في عالمنا الراهن».

وعن هذه المرحلة، تختم: «أراها مرحلة عبور أكثر مما هي نهاية. هي حالة وعي، وتجربة راهنة أعرف أنها ستتبدّل، لكني أؤمن بأن كل تحوّل يضيف بعداً جديداً إلى تجاربنا، الفنية والإنسانية».