20 أغسطس 2026

انعدام الثقة بين الزوجين.. الأسباب والآثار وكيفية بناء الثقة في العلاقة الزوجية

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

عندما تغيب الثقة بين الزوجين ويسود انعدام الثقة بين الزوجين، يسقط الأساس الذي تقوم عليه العلاقة الزوجية من سكن ومودة ورحمة، وما بين النقيضين تبقى الأحكام المسبقة في العلاقة الزوجية محل خلاف للكثير من الآراء ومستودعاً للشقاق لا الوفاق، فإطلاق الأحكام المسبقة وتخيل وقائع وبناء استنتاجات لا أساس لها من الصحة يقود في النهاية إلى طريق اللاعودة لعلاقة أساسها ميثاق غليظ وعهود ووعود بالأمن والأمان بين الزوجين.

وفي بعض الأحيان، ومع غياب المعرفة بالآخر ووضع تصورات لا تتسم بالواقعية خلال فترة الخطوبة، ومع عدم معرفة كل طرف بطباع وعادات الآخر، تبدأ مرحلة من الشك والريبة، ويبقى الحوار بين الزوجين هو اللغة الوحيدة الكفيلة بفتح الأبواب والاقتراب من عقل، والأهم قلب الآخر، لتضيق المسافات ويعبر الطرفان إلى مرحلة أساسها بناء الثقة بين الزوجين، وتبقى التجربة في النهاية هي الفيصل في الحكم على الآخرين. «كل الأسرة» استطلعت الآراء وسألت: كيف يؤثر انعدام الثقة بين الزوجين والأحكام المسبقة في استقرار الأسرة؟ وكان التحقيق التالي:

يشير عبدالله مبارك «متزوج» إلى أن الأحكام المسبقة التي يطلقها البعض خلال فترة الخطوبة قد تؤدي إلى رواسب سلبية نتيجة تصرف أحد أطراف العلاقة تصرفاً لا يعكس حقيقة شخصيته، وبالتالي يأتي الحكم عليه ظالماً. ومن ناحية أخرى، فإن بعض تلك التصرفات تحمل جانباً إيجابياً كونها تكشف الكثير من السلوكيات السلبية التي قد يحاول أحد الطرفين في كثير من الأحيان إخفاءها عن شريك العلاقة من أجل تصدير انطباع غير حقيقي عنه، وقد يستغل بعض الشباب مشاعر الفتاة من خلال الكلمات المعسولة للسيطرة على مشاعرها، وإقناعها بأنه الشخص المناسب والنموذجي بالنسبة لها، لتكتشف الفتاة فيما بعد، عندما يجمعهما بيت الزوجية، أن الحقيقة تناقض الصورة السابقة التي كونتها عن شريك حياتها، وهنا تبدأ الخلافات الزوجية وأزمات ما بعد الزواج الناتجة عن انعدام الثقة بين الزوجين.

متى يؤدي انعدام الثقة بين الزوجين إلى قرار الانفصال؟

تؤكد أسما الحبسي «25 عاماً» أن الحكم على الآخر من خلال الظن أو الشك غير المؤكد خطأ، خاصة على صعيد العلاقة الزوجية والعلاقات الاجتماعية التي تتسم بالقرب والحميمية، وأن موقفاً أو تصرفاً واحداً غير جدير بأن يكون حكماً مطلقاً على الشخص، ويبقى الأمر رهناً بأهمية المشكلة أو الموقف وعدد مرات تكراره، فهناك من الخلافات والمواقف ما لا يستوجب الوقوف عندها أو إعطاء الموضوع أكثر مما يستحق.

لكن إذا تكرر التصرف، يجب أن يكون الموقف حازماً ونهائياً، وقد يصل الأمر إلى اتخاذ قرار الانفصال. وتروي الحبسي تجربة إحدى صديقاتها التي كانت مخطوبة، واكتشفت أن خطيبها له علاقات أخرى، فعندها طلبت الانفصال على الرغم من محاولات كثيرة بذلتها أطراف مختلفة لترميم العلاقة ومحاولة الإصلاح بين الطرفين، إلا أنها اتخذت قرارها وكانت مصرة على الانفصال لأنها كونت عنه فكرة بأنه خائن ولا يمكن إصلاحه، وهو ما أدى إلى فقدان الثقة بين الزوجين قبل أن تبدأ الحياة الزوجية.

فترة الخطوبة ودورها في بناء الثقة بين الزوجين

ترى يسرا عمر «متزوجة» أن أحد الزوجين أو كليهما قد يصدر أحكاماً مسبقة في الفترة الأولى من الزواج نتيجة اختلاف الآراء أو لجهل الطرفين ببعضهما، خصوصاً إذا كان الزواج تقليدياً لا يسبقه أي نوع من التعارف، وهو ما يتسبب في مشكلات زوجية عديدة قد تصل بالعلاقة إلى نهايتها نتيجة انعدام الثقة بين الزوجين.

وتضيف أن وجود التواصل بين الزوجين وفتح طرق للحوار يمكن أن يكشف الخطأ الذي يقع فيه البعض بسبب الأحكام المسبقة وسوء الظن، كما أن هناك مواقف لا تستحق الوقوف عندها ويمكن أن تغتفر، وهناك ما لا يمكن التجاوز عنه كالخيانة واطلاع الآخرين على أسرار العلاقة الزوجية.

وتبين عمر: «في السنوات الأولى من الزواج كنت أستغرب الكثير من تصرفات زوجي، وعلى أثرها أتخذ مواقف مسيئة الظن به لعدم معرفتي به بشكل جيد، لأكتشف فيما بعد أني ظلمته، وقد كان من الممكن أن نتجاوز هذه الخلافات لو عشنا تجربة خطوبة كافية ليتمكن أحدنا من معرفة الآخر بشكل جيد، وهو ما كان سيساعد على بناء الثقة بين الزوجين منذ البداية.»

الأحكام المسبقة وزيف الصور قبل الزواج

لا تكشف الأفكار التي يكونها الفرد عن حقيقة الأشخاص، فالكثير من الأحكام المسبقة تكون خاطئة مهما كانت فترة العلاقة التي تجمعنا بشخص ما قبل الزواج، فما تعرفه قبل الزواج مختلف عما بعده.

تقول سميرة مزهر «متزوجة»: كنت على معرفة مسبقة بزوجي لعلاقة القرابة التي تربطنا، واعتقدت أني أعرفه بشكل جيد، متصورة أننا سنعيش حياة هادئة، لكن بعد فترة قصيرة من الزواج اكتشفت بأني كنت مخطئة في بنيته من تصورات، وزيف ما كان يظهره لي، ولم تشفع سنوات المعرفة ولا علاقة القرابة لأعيش حياة مليئة بالتوتر والمشكلات، وهو ما أدى إلى انعدام الثقة بين الزوجين وتراجع استقرار العلاقة الزوجية.

كيف تدمر الأحكام المسبقة العلاقة الزوجية؟

علم النفس يوضح أن للتنشئة أثراً كبيراً ومباشراً في اكتساب صفة التعجل في إصدار الأحكام على الآخرين من دون تثبت، فالكثير من الصفات الشخصية تنتقل إلى الأبناء أو أفراد الأسرة الآخرين من خلال الملاحظة والمتابعة، وقد يلاحظ الأبناء إصدار الأبوين أحكاماً مسبقة على شخص أو عدة أشخاص من دون أن يستمعوا إليهم ليتبينوا من مصداقية ما سمعوا أو يتأكدوا مما ظنوه فيهم.

ومن الضروري أن يتنبه الوالدان إلى عدم التسرع في إطلاق الأحكام تجاه الآخرين، لأنها قد تكون خاطئة وغير صحيحة، وقد تسبب انقطاع العلاقات أو تؤثر فيها بشكل سلبي مسببة توتراً كبيراً، خاصة إذا كانت العلاقة تحمل نوعاً من الحميمية كـالعلاقة الزوجية أو العلاقة بين خطيبين، والتي تتأثر بشكل كبير بهذه الأحكام في مرحلة حرجة يسعى فيها الطرفان إلى بناء الثقة بين الزوجين وتكوين علاقة سليمة تمكنهما من بناء أسرة على قوام سليم.

فالحكم على الأشياء يجعلنا أسرى تجارب سابقة، لذلك فأسوأ الأمور هو محاولة التعميم في إطلاق الأحكام على الشخص الذي نختاره شريكاً للحياة، لأن ذلك يؤثر سلباً في تصرفاتنا ويؤدي إلى انعدام الثقة بين الزوجين، وبالتالي نسبب للطرف الآخر الإحساس بالظلم، ونحرم أنفسنا من علاقة كان يمكن أن يسودها الحب والسعادة.

والحكم المسبق أمر يحمل معه نوعاً من الإجحاف إذا لم يتسم بالمصداقية، والحكم على الإنسان من خلال موقف أو تجربة واحدة قد يترتب عليه ظلم كبير وصدمة للطرف الآخر، كما أنه ينعكس سلباً على الثقة بين الزوجين وعلى استقرار الأسرة.

الأسباب النفسية والشخصية وراء انعدام الثقة بين الزوجين

إن موضوع الأحكام المسبقة لأحد طرفي العلاقة الزوجية أو كليهما غاية في الأهمية، حيث يعود إلى أسباب نفسية ثم شخصية.

فمن الناحية النفسية يميل بعض الأشخاص إلى التعميم وإطلاق أحكام مسبقة من خلال تعميم مواقف إنسانية حدثت في ظروف معينة على أحداث أخرى، مما يساعد في غرس هذه الفكرة لديهم. كما قد تتولد قناعة لدى بعض الأشخاص بإطلاق أحكام مسبقة نتيجة مرورهم بخبرات أو تجارب مع الآخرين، مما يولد لديهم قناعة داخلية بأن الخطأ من الممكن أن يتكرر، أو أن اتباع هذا السلوك قد تترتب عليه تبعات وآثار نفسية.

ويبني الإنسان قناعات من خلال مواقف معينة، ولا يعني ذلك بالضرورة أنه إنسان سيئ. فعلى سبيل المثال، عدم التزام شخص بربط حزام الأمان قد يترك انطباعاً أولياً بأنه شخص لا يلتزم بأدنى القيم أو المبادئ أو السلوكيات الأخرى في الحياة، لذلك لا يجب أن تكون النظرة شمولية للأشخاص أو للمواقف، لأنها تحمل ظلماً كبيراً للإنسان.

وسيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، خلال فترة خلافته، وبينما هو يطبق الحدود على من ينتهك حرمة الله سبحانه وتعالى، لم يطبقها في عام الرمادة عندما ساد الفقر في المدينة، فعندما قام شخص بسرقة الطعام لإطعام أهل بيته لم يقم عليه الحد، لذلك فلكل قاعدة استثناءات ينبغي لنا أن نعمل بها، وأن نتجنب التسرع في إصدار الأحكام، خاصة عندما يتعلق الأمر بـالثقة بين الزوجين واستقرار الحياة الزوجية.

اقرأ أيضاً:

- وراء الرومانسية المصطنعة.. هل تخفي الزوجات أزمات لا يراها أحد؟
- الخرس الزوجي بين الصمت العاطفي وغياب الحوار.. كيف يهدد استقرار الحياة الزوجية؟
- أعيش مع زوج بخيل عاطفياً.. كيف تتعاملين مع البخل العاطفي في الحياة الزوجية؟
- العطاء المتبادل بين الزوجين.. سر نجاح العلاقة الزوجية واستمرار الحب