شروط الزواج في عقد النكاح بين حماية الحقوق والمغالاة.. هل تمنع الخيانة وتحفظ الاستقرار الأسري؟
يظل الزواج هو المؤسسة الاجتماعية الأهم القائمة على السكن والمودة والرحمة قبل أي التزامات مادية حددها الشرع، والتي جاءت تأكيداً على دعم تلك العلاقة لا الانتقاص منها أو جعلها قيداً على أحد طرفيها، وهكذا فقد جعل الله الزواج ميثاقاً غليظاً، وعندما تبدأ الزوجة أو الأهل في وضع العديد من شروط الزواج وشروط عقد الزواج في عقد الزواج، والتي تتنوع ما بين كتابة المسكن باسمها أو وضع مبلغ مالي في البنك، أو عصمة في يد الزوجة أو شرط بضمان حقها في إتمام التعليم والعمل عندها يبدأ الجدل بين من يراها حقاً من حقوق الزوجة مقبولاً اجتماعياً كفلته لها الأديان، وبين من يراها أمراً مرفوضاً وقيوداً تفصح عن حالة من انعدام الثقة وغياب لغة الأمان، «كل الأسرة» استطلعت الآراء وكان هذا التحقيق.
يقول محمد يوسف «أب لأربع بنات ومثلهم من الأولاد» إن الهدف من الزواج هو تكوين أسرة صالحة يقوم عليها بناء مجتمع سليم، وتعدد شروط الزواج التي تضعها المرأة في عقود الزواج أدت إلى ارتفاع نسبة العنوسة خاصة بين الموظفات اللائي يشترطن في عقد الزواج استئجار سكن خاص بهن أو وجود خادمة رغبة في تقليد الغير أو أن تكون العصمة في يد الزوجة فهذه تصرفات دخيلة على مجتمعاتنا، وإذا ما تصورت الزوجة أن اشتراطها تسجيل عقار باسمها أو وضع مؤخر زواج كبير هو بمثابة عنصر حماية لها فلا شك أنها مخطئة.
يضيف رسولنا الكريم قال «اقلهن مهوراً أكثرهن بركة»، زوجت اثنتين من بناتي وكان المهر المكتوب وهو 20 ألف درهم، وما تبقى من التجهيزات تركنا الأمر للزوج «بما تجود به يده ونفسه» أما فيما يتعلق بالسكن لم يكن هناك مانع من السكن مع أهله إذا ما توفر المكان المناسب والمعاملة الجيدة، والاحترام من أهل الزوج إلى أن يتمكن من توفير سكن خاص به، وفي نفس الوقت لا يمكنني أن أفرض على ابنتي السكن مع أهل زوجها فهذا حق من حقوق الزوجة، وإذا ما كانت لديه المقدرة المالية في توفير السكن الخاص يمكن للزوجة أن تشترط سكناً خاصاً بها.
خيانة الأزواج وتأثيرها في زيادة شروط الزواج وغياب الثقة
وتوضح آمال السيد «متزوجة» الزواج بمفهومه في تكوين أسرة يتجاوز الأمور المادية، وبعض الفتيات تستبق الأحداث بوضع شروط سلبية، قد يكون لتأثرهن ببعض الأحداث المحيطة بهن أو لمعرفتهن بتجارب زواج فاشلة عندها تعتقد الزوجة أن شروط عقد الزواج التي تضعها من الممكن أن تصونها وتحمي حقوقها من الضياع، وترى السيد «أن تأثير بعض ما يعرض في المسلسلات، والتي تثير مواضيع التفكك الأسري والخيانة الزوجية أو الزواج من أخرى حتى بعد مرور 20 سنة من الزواج تستولي فيه الزوجة الثانية على جميع ممتلكات الزوج وأمواله تولد نوعاً من الخوف في نفوس بعض النساء وتدفعهن إلى وضع العديد من الشروط في عقود الزواج».
هل تتحول شروط عقد الزواج إلى قيود على الزوجين؟
تؤكد إيمان محمد «متزوجة» رفضها لفكرة وضع اشتراطات في عقد الزواج لإيمانها أن الزواج هو أن يأمن كل طرف على نفسه مع الآخر، ووضع الشروط يمثل قيداً على العلاقة بين الزوجين، فهي تعكس شعوراً بعدم الثقة في الطرف الآخر وغياب الإحساس بالأمان، وإذا لم يكن الزوجان يسعيان إلى الاستقرار الأسري فلن تتمكن الشروط التي تضعها الزوجة من وضع الأمور بينهما في المسار الصحيح مهما وضعت من شروط.. فالرجل لا يوجد شيء يردعه إذا ما أراد الانفصال.
شروط الزواج كوسيلة للرفض غير المباشر أو البحث عن الأمان
يشير حسين أحمد «متزوج» قد تكون الشروط التي تضعها المرأة في عقد الزواج هي عن نوع من الرفض غير المباشر كأن يكون العريس من الأقارب أو الأصدقاء ورفضه بصورة مباشرة قد يسبب لها نوعاً من الحرج، أو ربما لعدم إحساسها بالأمان وبالتالي تضع الشروط التي تحميها منه، يبين أحمد «لا مانع إن وضعت الزوجة بعض الشروط كي تشعرها بالأمان لكنها قد تسبب بخلافات إذا لم تكن النوايا سليمة وأسيء استخدامها».
شروط عقد الزواج بين حماية الحقوق الزوجية والمبالغة في الاشتراط
من واجبات المأذون الشرعي أن يرفع الغبن عن أحد الطرفين بما قد يوافق عليه من بنود وشروط قد لا يتمكن من الإيفاء بها، ومن حق كل فتاة أن تضع شروطاً عند توقيع عقد النكاح تحمي بها حقوقها وعدم الاعتماد على وعود الزوج الذي قد لا يفي بها على ألا تتجاوز الشروط ما شرعه الدين الإسلامي بأن لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً.
اشترطت إحدى الزوجات على الزوج في عقد الزواج شراء فيلا باسمها على ألا تقل قيمتها عن المليون درهم، ليتعرض الزوج للإحراج مضطراً بالموافقة على شرطها بالرغم من حالته المادية المتوسطة.
وفي عقد زواج تم تسجيله اشترطت فيه الزوجة أن تكون العصمة بيدها متصورة أنها قد تمنعه من تطليقها إذا ما أراد غير مدركة بأن تملكها العصمة لا يسقط حق الزوج في تطليقها إذا ما أراد. ويكمل استغرابه من اشتراط أحد أولياء الأمور شرطاً يتضمنه عقد الزواج بعدم انتقال ملفات الإقامة والجواز لابنته المتزوجة مع ملفات الزوج في الإمارة التي يقيم فيها، أو شرط عدم انتقال الزوجة للسكن مع زوجها في محل إقامته في إمارة أخرى.
توافق الشخصية وأثره في نجاح الزواج بعيداً عن الشروط المادية
يظل الزواج أرقى المؤسسات الإنسانية والاجتماعية لأنها تقوم على مبدأ المودة والرحمة، ومما يساهم في بقائها ونجاحها التوافق بين الزوجين وإشباع الحاجات بما يتناسب مع مقدرة الطرفين النفسية والجسدية والمادية وإن أخفق أحدهما كان للتضحية دور بارز في إسعافها والنجاة بها أثناء الأزمات، وما تضعه بعض الزوجات من شروط الزواج في عقد النكاح ينطلق من بنيتها النفسية وما تنطوي عليها من رغبات فقد تفرض بعض النساء شروطاً من باب الرغبة في السيطرة والتفوق على الرجل أحياناً، أو من باب الشعور بالأمان إذا كانت شخصيتها شكاكة وتخشى من تخلي الشريك عنها أو من باب تأمين المستقبل مادياً إذا كانت شخصيتها قلقة وأحياناً من باب إحساسها بالنقص لضعف ثقتها بنفسها لإشعار الزوج بأنها مرغوبة وتمتلك صفات مميزة.
وربما يوافق الرجل على شروط المرأة، المتقدم لها، تبعاً لاستعداده النفسي والمادي، وقوة الرغبة بالارتباط بها خاصة إذا تدخل عنصر التفهم بين الطرفين فقد نجد شريكين مقتنعين تماماً بوضع الشروط دون ضغط أو إلحاح فليس هناك مشكلة، لكن ما يحدث أحياناً في بعض الحالات نجد أن الزوجة تضع شروطاً غير منطقية تجعل الزوج يوافق نتيجة لتعرضه لضغط نفسي أو مادي مثلاً.
الزوجين اللذين يحدث بينهما طلاق ولديهما أبناء فيطلب الرجل العودة طمعاً في الاستقرار الأسري لأطفاله فتستغل بعض الزوجات ذلك وتشترط عليه بألا يتزوج بأخرى مثلاً أو تضع شروطاً مادية تثقل كاهله مما يجعل الزوج يواجه ضغوطاً نفسية، وبالتالي يكون مجبراً على الموافقة، ربما يفرض أهل الزوجة شروطاً في عقد الزواج لتعرض الزوجة سابقاً لتجربة سببت لها خسارة مادية أو معنوية أو دوافع لتأمين مستقبل ابنتهم من وجهة نظرهم، كل ذلك ينعكس سلباً على الرجل بشكل خاص إن لم تكن موافقته على تلك الشروط بقناعة تامة منه لشعوره بالضعف وإحساسه أنه «عقد صفقة» تؤثر في مؤسسة الأسرة بشكل عام لأنها ليست دعامة حقيقية لبناء رصين وقوي إذا ما تمادت الزوجة في شروطها، فيطرح السؤال! كيف تكون الحياة الزوجية المبنية على شروط وقيود في حال واجهتها الأزمات؟؟ وما مدى تعلق الزوجة بزوجها إن أخفق في تنفيذ ذلك الشرط؟؟؟ تلك التساؤلات تجعل البعض يحجم عن الزواج من تلك المرأة، تتوقف شدة الألم النفسي التي تتركها تلك الشروط على الرجل على عدة عوامل منها منطقية ذلك الشرط فالبعض بعد الزواج يكتشف أنه وافق على مضض حيث إنه وقع على تلك الشروط في ظروف مختلفة جذرياً وبالتالي يواجه مشكلة أسرية نتيجة لإخفاقه في تنفيذها وتستمر المشكلات الأسرية التي قد تؤدي إلى طريق مسدود ومن ثم الطلاق.
حق المرأة في الاشتراط في عقد النكاح بين الضمانات الشرعية وحدود التشريع
«الأصل في المسلمين أن يلتزموا بما جاءت به أحكام الشرع من غير زيادة ولا نقصان، وأن يعتقد المسلم والمسلمة أنها وضعت بحيث تتكامل مصالحهما وتستجيب لحاجات الإنسان وترفع الحرج عنه، وحري بالمرأة المسلمة أن تفهم مقاصد النكاح كما شرعه الإسلام ودلت عليه السنة، وإذا افتقرت إلى فهم هذه المقاصد تحرت أهل العلم وسألت عما أشكل عليها من حكمة الشريعة في أحكامها، ولا يمكن لها أن تفهمها حق الفهم إلا إذا وضعت كل حكم وحكمته في الإطار العام لنظام التشريع الذي أحاط بمصالح الإنسان، ما ظهرت وما خفيت، لذا فإن الأصل في المسلمة أن تعتقد أن عقد النكاح وضعت أحكامه في الشرع بما يحفظ لها كرامتها ومصلحتها، وأن فيه من الضمانات ما هو كفيل بحل مشكلاتها وإزالة العقبات أمام سعادتها، وبما أن عقد النكاح عقد وثيق غليظ بين الزوجين فأولى بكل مسلم ومسلمة ألا يثقله بمزيد من الشروط والقيود لأن تيسيره مقصود للشارع، وتشديد شروط النكاح بإرادة المتعاقدين فوق الشروط الشرعية العامة قد يؤدي إلى التنفير من الزواج، وهدم الثقة، وإساءة الظنون وتبديل وجهة النكاح من عقد مبني على المكارمة والتفاهم إلى عقد يبنى على المكايسة والتساوم هذا من جانب ومن جانب آخر فإن عقد النكاح رضائي، والشارع متشوف فيه إلى وثاقة الإرادة العقدية وقوتها ووضوحها ونفي الشوائب عنها وقد راعى الشارع جانب المرأة وصيانتها كما راعى حفظ حقوق الزوجين وحمايته بهذا العقد.
وإذا كان ثمة أخذ وعطاء في هذا العقد فالمرأة آخذة والرجل معط، قال تعالى «وقد أخذن منكم ميثاقاً غليظاً»، وهذا صريح في أن أصل العقد لمنفعة المرأة وصيانتها وحمايتها وأنها آخذة بأكبر قدر من منافعه حتى صار ميثاقاً غليظاً أخذته على الرجل، وحسبُ المرأة ضمانات من الولي، والشاهدين، والإشهار، والمهر والصداق، ومتعة الطلاق، ونفقتها وسكناها وهي زوجة، ونفقتها وسكناها وهي معتدة، وإثبات نسبة الحمل للفراش... إلى جانب الخطبة والوليمة والنفقة والميراث والتقدم في حق الحضانة، والتمتع بحق الخلع، وثبوت حق الخيار وحق طلب التفريق عند القاضي للعيوب والأعذار المعتبرة التي تجعل الحياة الزوجية مرهقة منفرة، وغيرها من الحقوق، علاوة على ذلك فإن الأصل في الإنسان أنه مدني بطبعه، والأصل في المدني أن يكفيه وازع الخطاب والتكليف عن وازع القضاء والعقوبات والإلزامات الأخرى، وأن يحمله ذلك الوازع على الالتزام والتعاون والتفاهم في الحقوق، وفوق كل ذلك فإن للمرأة حق الاشتراط، شريطة أن يكون الشرط متناغماً مع طبيعة العقد ومحققاً لمقصود الشارع ولا يتجاوز نظام الشريعة، ولا يتحول الشرط إلى قانون بديل عن شرائع النكاح لأن الواجب أن تبقى المرأة شارطة تقيد وتشترط، لا أن تتحول إلى مشرعة تقنن وتشرع.
اقرأ أيضاً:
- فحوصات ما قبل الزواج.. خط الدفاع الأول لبناء أسرة مستقرّة
- «يسروا ولا تفرطوا».. حملة الأزهر لمواجهة المغالاة في تكاليف الزواج
