التجديد... استراتيجية «ذكية» تعيد للعلاقة الزوجية حيويتها ورونقها
مع تحوّلات الحياة تزداد حاجة الأزواج إلى فهم أعمق لمعنى التجديد في العلاقات الزوجية، ليس على أنه ترف، أو تكرار لطقوس معيّنة، بل كحاجة إنسانية تحفظ حيوية العلاقة، وتدعم توازنها. فالحياة الزوجية، شبيهة بدورة عمر، تمرّ بمراحل متعدّدة، تتبدل فيها الاحتياجات، وتتعاقب التحدّيات، ما يجعل الوعي بمتطلبات كل مرحلة خطوة محورية في بنائها بشكل أكثر مرونة وقدرة على الاستمرار.
في إطار البرنامج التدريبي «جدد حياتك مع شريك عمرك»، الذي نظمته مؤسسة الشارقة للتنمية الأسرية، يستعيد المستشار الأسري الدكتور عبد العزيز الحمادي، جوهر فكرة التجديد التي يصفها بأنها «سر ديمومة العلاقة الزوجية»، ويقول: «حياة الإنسان محكومة بهذه السنة. لذلك يكون التغيير ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لأنها تمنح العلاقة الزوجية قدرة على الاستمرار، تحافظ على مكتسباتها، وتبقيها في حالة النمو المتوازن. فالتغيير يبدأ من إدراك القواعد الأساسية في إدارة التحدّيات الحياتية، ومن التعمّق في قراءة المراحل العمرية التي يمر بها الإنسان، واحتياجات كل مرحلة. فالسنوات الخمس الأولى تختلف عن العشر التي تليها، وما بعدها يحمل متغيّرات جديدة. هذا الإدراك يساعد الزوجين على التعامل بمرونة مع التحولات، وعلى تبنّي التجديد بوصفه أداة للحفاظ على حيوية العلاقة، لا كردّ فعل مؤقت».
أدوات كسر الروتين بين الزوجين
يكشف د. الحمادي عن بعض التدابير البسيطة التي يمكن أن يقوم بها الزوجان لكسر الروتين بينهما «غالباً ما يرتبط كسر الروتين خطأً بالمال والسفر، بينما يمكن أن تكون تفاصيل صغيرة قادرة على إنعاش الروح في الحياة الزوجية، مثل كلمة طيبة، انتباه حقيقي، لفتة اهتمام إضافية، أو مراجعة صادقة لبعض نقاط القصور التي قد تتوارى خلف مشاغل الحياة. فشرارة التجديد تختلف من أسرة إلى أخرى، لذلك تبقى المراجعة الذاتية حجر الأساس الذي يبني عليه الزوجان خطوات الحياة الزوجية»، وينوه بأن «مسارات التجديد ليست معقدة، فهي يمكن أن تكون عن طريق تبادل بعض الهدايا، زيادة الاهتمام، إقامة بعض الرحلات الصغيرة، وترميم المحتوى النفسي والروحي الذي يدار به البيت. فعندما يعي الزوجان طبيعة ظروفهما العمرية والنفسية، ينجحان في جعل العلاقة أكثر مرونة، وقدرة على الصمود أمام تغيّرات الزمن».
وفي حديثه عن بعض الأخطاء، يشير د. الحمادي إلى أن «حصر التجديد في السفر، أو الاستمرار في معالجة المشكلات بالطريقة نفسها، من دون الالتفات إلى أسباب الخلل، يضعف من العلاقة، ويزيد من التوتر. ويُعد ضعف التواصل من أكثر العوامل التي تعمّق الخلافات، لذلك يصبح من الضروري التمييز بين الاستماع الحاضر الواعي، والسماع العابر الذي لا يحمل أثراً».
كما يحذّر المستشار الأسري من اختلال ميزان العطاء في الزواج «حين يبذل طرف جهده ويكتفي الطرف الآخر بالأخذ، تبدأ العلاقة بالتراجع تدريجياً. هذه المعادلة غير المتوازنة تنتج خلافات متراكمة، فالزواج ليس ميداناً فردياً، بل شراكة تتأسس على تعاون، ومسؤولية متبادلة، ينهض كل طرف فيها بدوره من أجل بقاء البيت في حالة استقرار سليمة. على سبيل المثال، زوجة تجتهد في احتواء المنزل، ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية، بينما ينشغل الزوج عن المبادرة أو التقدير، أو زوج يحاول فتح باب الحوار بشكل مستمر، بينما تبقى الزوجة بعيدة عاطفياً. هذا الاختلال يخلق فجوة تدريجية، لا يمكن ردها من دون مشاركة الطرفين».
وعن كيفية تجديد الأدوار من دون أن يشعر أحد الزوجين بالظلم، يجيب د. الحمادي «الخطوة الأولى تبدأ من رفض تبنّي عقلية المظلومية، فالاستمرار بهذا الإحساس، لا يمكن أن يغيّر من الواقع، ولا يفتح باباً لأيّ تجديد. وهنا لابد من الإشارة لأهمية العودة إلى المنظور القرآني والنبوّي لأدوار الحياة الزوجية، حيث وضع الشرع إطاراً واضحاً لمسؤوليات الرجل التي تظهر بشكل واضح في جانب النفقة والأمان المادي، ومسؤوليات المرأة التي تتجلى في التربية ورعاية الأسرة، وهذا لا يعني أن الأدوار جامدة، أو مغلقة، بل إن مرونتها جزء من نجاحها. فقد تتبدل الظروف، وتحتاج الأسرة إلى إعادة توزيع المهام بما يحقق استقرارها، مثل مساعدة الزوج على متابعة الأطفال بسبب عمل الزوجة، أو مشاركة المرأة في جانب من المسؤوليات المادية في ظروف معيّنة».
ويلفت د. الحمادي إلى أهمية إظهار التقدير نفسياً «فكلمة شكر نهاية يوم عمل مرهق، أو تعليق إيجابي على تغيّر، أو مجهود معين، أو رسالة قصيرة تعبّر عن الامتنان، أو حتى فنجان قهوة نهاية يوم طويل، تعيد حرارة العلاقة الزوجية، وتذيب الخلافات قبل أن تتأزم، فالعلاقة التي تجدّد نفسها يومياً بالكلمة الطيبة، والمبادرة، والاهتمام، تصبح أكثر قدرة على العبور فوق تحديات الحياة».
ويختتم د. الحمادي «الحياة الزوجية ليست خالية من التحدّيات، لكنها في الوقت نفسه مملوءة باللحظات المضيئة التي تحتاج إلى قلب ينتبه لها، وعقل يمنحها قيمتها. فعندما يتحول التقدير إلى عادة يومية، ويتجدّد التواصل بروح واعية، يزداد البيت تماسكاً. ومع حرص الزوجين على مشاركة المسؤوليات، وتعزيز الاهتمام، تصبح العلاقة أكثر قدرة على النمو وتجاوز التحدّيات، وتصبح الحياة الزوجية أكثر دفئاً واستحقاقاً بأن تعاش، بجميع تفاصيلها».
