11 يناير 2026

لماذا نفشل في سنة أولى زواج؟... أخطاء شائعة تقود إلى الانفصال السريع

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

الطلاق المبكر ليس مجرّد قرار ينهي علاقة بين اثنين، بل قضية تمسّ المجتمع كله، وعلى الرغم من كونه ضرورة في مواقف معيّنة، إلا أن كثيراً من حالات الانفصال اليوم تقع لأسباب بسيطة كان يمكن تجاوزها بقليل من الحكمة، والصبر.

فقد أشار تقرير إحصائي صدر عن وزارة العدل، عن حالات الطلاق حسب مدّة الزواج في 2024، والتي تم تسجيلها في المحاكم الاتحادية بالدولة، إلى وقوع 16 حالة طلاق في أيام «شهر العسل».

ولكون بناء أسرة مستقرة يتطلب وعياً ومسؤولية ونضجاً، من الطرفين، كما يتطلب دعماً من الأسرة والمجتمع، أصدرت الدكتورة ياسمين الخالدي، استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، كتاباً بعنوان «الطلاق المبكر... ما بين المحنة والمنحة»، تتحدث فيه عن ظاهرة الطلاق المبكر،أسبابه، ونتائجه، وبعض الحلول المقترحة لتفاديه، وتلخّص بعض محتوياته قائلة «باتت حالات الطلاق بين حديثي الزواج تزداد بشكل لافت، حتى إن بعض الزيجات لا تستمر سوى أيام، أو أسابيع، أو أشهر معدودة، ما يكشف خللاً عميقاً في النظرة إلى العلاقة الزوجية، وفي طريقة الإعداد لها، والتعامل معها».

مجلة كل الأسرة

أسباب الطلاق المبكر

تشير د. ياسمين الخالدي «تتشابك أسباب هذه الظاهرة، فمنها ما يتعلق بالزواج ذاته، ومنها ما يرتبط بالأسرة، أو المجتمع، أو الظروف الاقتصادية. ويمكن تلخيص أبرز الأسباب:

  • ضعف الوعي الديني وفهم مقاصد الزواج: غياب فهم صحيح لمعنى الزواج الذي شرعه الله ، القائم على السكن، والمودة، والرحمة، يجعل بعض الأزواج ينظرون إليه باعتباره علاقة قابلة للفسخ عند أول خلاف.
  • سوء الاختيار: أصبح بعض الشباب يختار شريك الحياة بناء على الشكل، أو الإعجاب السريع، أو الهروب من ضغوط الأهل، متجاهلين الأخلاق، والدين، والطباع، وهذا يؤدي إلى انهيار الزواج فور اكتشاف الطرفين أن التوافق الحقيقي مفقود.
  •   الأميّة الأسريّة وقلّة التأهيل للزواج: لا يمتلك بعض الشباب، والشابات، المعرفة اللازمة لإدارة علاقة زوجية ناضجة، فالسنة الأولى، وهي الأصعب، تحتاج إلى صبر، ومهارات تواصل، وتحمّل مسؤولية، وهي أمور يفتقر إليها كثيرون، بخاصة ممن ينتقلون مباشرة من حياة عزوبية غير منضبطة.
  • سوء التنشئة الاجتماعية: التربية التي تعزز اللامبالاة، أو الدلال الزائد، أو عدم احترام الشريك، تسهم في خلق جيل لا يدرك قدسية الزواج، كما تُغذّي بعض وسائل الإعلام والأفكار الحديثة مفاهيم مغلوطة في ذهن الرجل والمرأة، مثل الندّية المبالغ فيها، أو تصور الحياة الأسرية كصراع على القوة.
  • تدخّل الأهل: التدخّل المفرط من أهل أحد الطرفين بعد الزواج قد يؤدي إلى تفاقم الخلافات الصغيرة، وقطع التواصل بين الشريكين، وفي السنة الأولى، تحديداً، يحتاج الزوجان إلى الدعم لا إلى السيطرة، أو فرض القرارات.
  • قِصر أو طول فترة الخطوبة: الفترة القصيرة لا تكفي لمعرفة طباع الطرف الآخر، بينما الخطوبة الطويلة قد تؤدي إلى الملل، أو زيادة التوقعات، وفي الحالتين قد ينعكس ذلك سلباً بعد الزواج.
  • عمل المرأة والتوترات الناتجة عنه: العمل ليس سبباً مباشراً للطلاق، لكنه يخلق مشكلات إذا لم تُحسن المرأة إدارة التوازن بين عملها ومنزلها، أو إذا شعر الزوج بالغيرة، أو فقدان دوره، كما يؤدي ضغط العمل والإرهاق إلى توتر العلاقة داخل المنزل.
  • صِغر السّن وقلّة الخبرة: الزواج المبكر، بخاصة حين يتم تحت ضغط الأهل، يجعل الفتاة، أو الشاب، غير مؤهلين لتحمل المسؤولية، فتطفو الخلافات سريعاً.
  • الوضع الاقتصادي: ارتفاع تكاليف المعيشة، وسكن الزوجية، والديون المستحقة للزواج، كلها عوامل تضغط على الطرفين، وتسبب توترات مستمرة قد تؤدي إلى الانفصال.
  • العنف الزوجي وسوء القوامة: بعض الرجال يسيئون فهم القوامة فيعتبرونها تسلّطاً، فيلجؤون إلى العنف، اللفظي أو الجسدي، ما يدفع المرأة إلى طلب الطلاق المبكر، وفي المقابل قد تلجأ بعض الزوجات إلى الندية والمشاكسة، ما يعمّق الصراع.
مجلة كل الأسرة

مشكلات السنة الأولى من الزواج

تشير الدكتورة ياسمين، إلى طبيعة مشكلات سنة أولى زواج، تلك السنة التي تُعد الأكثر حساسية، وتظهر فيها الخلافات بشكل مفرط، وإن لم تُعالج مبكراً، قد تؤدي إلى انهيار العلاقة خلال أشهر قليلة، منها:

  •   الصمت وفقدان التواصل اللفظي.
  •   الانفعال وسرعة الغضب.
  •   غياب التعاون في اتخاذ القرار.
  •    الفتور العاطفي.
  • خروج الزوج، أو الزوجة، بشكل مفرط من المنزل.
  •  إهمال الزوجة للبيت بسبب العمل أو الانشغال الدائم بمواقع التواصل.
  • عدم إدراك معنى الحياة الزوجية والبقاء في نمط «العزوبية».

الأبناء أكثر الفئات تضرراً لشعورهم بفقدان الأمان الأسري

وتضيف د. ياسمين: «بلا شك، يترك الطلاق المبكر آثاراً مؤلمة في الطرفين، خصوصاً المرأة، فيزداد لديها الشعور بالوحدة، والإحباط، وفقدان الثقة بالنفس، كما يتولد لديها الإحساس بالوصمة الاجتماعية المرتبطة بلقب «مطلقة»، على الرغم من تغيّر نظرة المجتمع نسبياً، كما تتراجع لديها فرص الزواج لاحقاً، بسبب الخوف من تكرار التجربة، فضلاً عن الأعباء المالية الكبيرة التي تقع على الرجل بسبب الديون التي ترافق الزواج والطلاق، أما الأبناء –إن وجدوا– فهم أكثر الفئات تضرراً، إذ قد يعانون اضطرابات نفسية، وفقدان الأمان الأسري».

مجلة كل الأسرة

الحلول المقترحة لعلاج ظاهرة الطلاق المبكر

توضح د. ياسمين بعض التدابير التي يمكن أن تعالج الطلاق المبكر «مع أن الإسلام شرع الطلاق لحكمة، ورحمة، وتوسعة على الزوجين، إلا أنه جعله آخر الحلول، ودعا إلى بذل كل الوسائل قبل الإقدام عليه. ومن الحلول التي يمكن أن تحدّ من انتشار الطلاق المبكر:

  • التأهيل قبل الزواج: إعداد الشباب والشابات لحياة زوجية ناضجة، عبر برامج تأهيلية إجبارية، أو دورات متخصصة في مهارات التواصل، وفهم احتياجات الشريك وإدارة الخلافات.
  • تعزيز الوعي الديني: فهم مقاصد الشريعة في الزواج والطلاق، وأن الطلاق ليس حلاً سهلاً، بل قرار له تبعات، نفسية واجتماعية، يجب التفكير فيها ملياً.
  • تحسين أسلوب الاختيار: التركيز على الدين والخلق، والتوافق النفسي والفكري، لا على الجمال والمظاهر، أو الهروب من ظروف الأهل.
  • ضبط تدخّل الأهل: حث الأسرة على تقديم الدعم من دون فرض السيطرة أو تغذية الصراعات.
  • تنظيم فترة الخطوبة: منح فرصة معقولة للتعرف إلى الطرف الآخر بأطر شرعية واضحة، من دون تطويل غير مبرر، أو اختصار مخل.
  • دعم الاستقرار الاقتصادي: تمكين الشباب من فرص العمل والمساهمة في تخفيض تكاليف الزواج.
  • حل المشكلات بالحوار: تشجيع الأزواج على حل النزاعات بالحوار الهادئ بعيداً عن العنف أو التهديد بالطلاق، واللجوء إلى التحكيم العائلي عند الضرورة.
  • حماية الحياة الأسرية من الإعلام السلبي: تعزيز الوعي بخطورة المحتوى الذي يروّج للخيانة والتفكك، وتوجيه الأزواج لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بوعي.

وختاماً، تلخّص الدكتورة ياسمين الخالدي رؤيتها، قائلة «معالجة ظاهرة الطلاق المبكر تبدأ من الاعتراف بها، ومن العمل الحقيقي على بناء وعي اجتماعي جديد يؤمن بأن الزواج شراكة ومسؤولية، وأن النجاح الأسري ليس صدفة، بل ثمرة لجهد، وصبر، واحترام متبادل. نسأل الله أن يجعل بيوتنا عامرة بالسكينة، وأن يلهم الأزواج سبيل الحكمة، ويجنبهم الفراق، ومرارة الانفصال، ويبارك في الأسر، ويجمع القلوب على الرحمة والمودّة».