كثر من يعتقدون أن حب النفس ضرب من الأنانية. ولكن كيف نعطي الآخرين ما نرفض أن نعطيه لأنفسنا؟ وهكذا فإن السؤال الأهم الذي يمكن أن تطرحوه على أنفسكم هو: هل أنتم في هذه اللحظة تحبون أنفسكم؟ وهذا سؤال يفتح المجال أمام تساؤلات حول صورة النفس وحاجاتها العميقة والإخلاص للذات وسواها
على امتداد خمسة عشر عاماً أمضيتها في دورات تدريبية وإعدادية، وعملت فيها مع بضع آلاف المشاركين، كانت الدهشة تصيبني كل مرة بسبب قلة حب الذات الذي صادفته لدى الغالبية منهم. وقد بلغت نتيجة مفادها أن نقص الحب الذكي والمتوازن للذات هو المشكلة الأولى في المجتمعات الإنسانية.
كيف نمنح الآخرين الحب الذي نرفضه لأنفسنا؟
فكيف بإمكاننا أن نعطي الآخرين ما نرفض أن نعطيه لأنفسنا؟ والأكثر مدعاة للدهشة هو القول الذي سمعته مرات عديدة: "حب الذات ضرب من الأنانية"، في حين أنه العكس تماماً. فأنا لا أستطيع أن أعطي إلا مما أملك وإن كنت أرفض أن أمتلك هذه الثروة لن أتمكن أبداً من مشاركتها مع الآخرين. لكن دعونا في البداية نجيب عن السؤال الآتي: «ما هو الحب؟» هذا لأن كلمة حب مستخدمة كيفما اتفق. تعريف الحب الذي توصلت إليه هو الآتي: أن تحب يعني أن تريد الخير الحقيقي للآخرين ولنفسك. والآخر ليس فقط الكائن المقرب منك بل قد يكون أي كائن، جامداً كان أم حياً، هذا من دون الحديث عن كوكب الأرض نفسه الذي من دونه لن نتمكن من البقاء. في أساس الحب ثمة احترام هائل للشخص أو للشيء المحبوب من حيث هويته العميقة. والاحترام يعني الاهتمام العميق بالشخص أو بالشيء والقبول به بالكامل وتكريمه ومعاملته بتهذيب وإجلال وقبول ما يميزه عنا وعدم التعدي على مساحته، هذا للحديث عن بعض أبعاد الاحترام.
وهكذا، فإن محبة أنفسنا تعني أننا نحمل حناناً لا نهاية له واحتراماً كاملاً لأنفسنا، مع ما يحتمه هذا الشعور من سلوكيات ومواقف في حياتنا اليومية. والجدير بالذكر أن كل واحد منا يمتلك في داخله قدرة لا حدود لها على أن يحب الآخرين ويحب نفسه. فهذا أمر ليس بخارج عنا ولا يتعين علينا اكتسابه، بل هي مهارة فطرية ينبغي علينا اكتشافها. وإذا ما اقتنعتم بهذه الفكرة أن أعماق طبيعتكم هي الحب فهذا بحد ذاته يشكل الكثير.
سبع مسلمات لفهم حب الذات
يستند هذا الكتاب على سبع مسلمات وهي الآتية:
الحياة مدرسة: نحن على هذه الأرض لنتعلم قوانين الحياة الكبرى وأهمها هو الحب غير المشروط لأنفسنا وللآخرين، فسعادتنا تعتمد على هذا التعلم ومن المستحيل أن نكون سعداء حقاً على المدى الطويل حين نتحرك على عكس قوانين الكون.
الحب هو المكوِّن الأعمق في طبيعة كل واحد منا، هو يشكل أساس كياننا. حتى من يبدو وحشاً من الخارج، ستجدون في أعمق أعماقه «ماسة» غير مصقولة هي عمقه المحب.
هذا الحب، حين يعبر عنه من دون أي خوف، يشكل القوة الأقوى في العالم. إذا كنا نجد صعوبة كبيرة في تقدير ذواتنا وإذا كنا نحمل صورة متأرجحة عن أنفسنا فهذا بسبب كل المعتقدات السلبية عن أنفسنا والتي تشكلت باكراً في الحياة، على شاكلة: «أنا فاشل، أنا لست جديراً بأن أحب، أنا لا أساوي شيئاً، أنا لا أستحق الخير، أنا قبيح».. هي أفكار تبخس من الذات وقد ورثنا منها مجموعة كاملة ومتنوعة لكل الظروف. وفي سبيل التخلص منها كثيراً ما ينبغي القيام بعمل طويل على النفس، حتى نتمكن من اختيار أفكارنا ولا نفسح في المجال أمام الأفكار السلبية أن تسيطر علينا. بالطبع، إن «إعادة البرمجة» قد تكون طويلة وصعبة بيد أن النتائج التي سنحصدها تستحق الجهد المبذول.
بمقدورنا في كل لحظة أن نختار تقدير أنفسنا حسن قدرها ومحبتها. باستطاعتنا أن نغير معتقداتنا الخاطئة بخصوص أنفسنا وأن نختار تكسير حواجزنا واختبار سيل الحب في داخلنا والعيش في حالة امتلاء. لدينا في كل لحظة حرية وإمكانية «إعادة برمجة» العادات الذهنية القديمة وتربية أنفسنا من جديد مهما كنا قد فشلنا في الماضي.
بكلمات أخرى، نحن في كل لحظة على مفترق طرق: أمامنا الخيار بين أن نبدل حياتنا ونغنيها وبين أن نبقى في ما نحن عليه لندفع ثمناً باهظاً مقابل الجهود التي نرفض القيام بها، وهذا الثمن سيزداد مع الوقت إذ أننا سنهمل أنفسنا وسننجر وراء العادة لنراوح مكاننا ونتشبث به ونقاوم حتى أي تغيير إيجابي. هذا هو الوضع حين نعاني من السمنة أو من قلة الحركة وهي أمور نقبلها عن كسل، وغيرها الكثير من الأمثلة. فيتحول المكان الذي نحن فيه إلى بؤرة تحول دون استخدام قدرتنا الخلاقة للخروج منها، بل إننا نستخدم هذه القدرة لنجعل البؤرة أكثر راحة.
اكتشاف الذات وتقدير قيمتها
في قلب كل واحد منا «أنا عميقة» تشكل هويته الأصلية ومركزاً يحمل طاقة حب وقوة لا حدود لها. هي الأنا الصافية والدائمة التي لا تتغير أبداً ولا تتأثر لا بثرثرة أفكارنا ولا بحالة جسمنا. هذا المركز، أو هذه البوصلة الداخلية، تحرك حياتنا وتوجهها من دون أن ندري.
لن نتمكن أبداً من تقدير الآخرين ومحبتهم طالما أننا لم نبدأ باحترام هذا الكائن الرائع الذي هو نحن ومحبته وتقديره والاعتراف به من دون شروط مسبقة. اذهبوا بالتالي إلى اكتشاف هذا الشخص الرائع في داخلكم وسيشكل هذا الأمر الاكتشاف الأكبر في حياتكم. وكلما استطعتم رؤية الجمال في داخلكم نجحتم في رؤيته لدى الآخرين. أنتم تحملون قيمة لا نهاية لها لمجرد أنكم موجودون ولأنكم فريدون ولا شخصاً آخر يشبهكم على هذا الكوكب ولن يكون هناك شخص آخر مثلكم. قيمتكم لا حدود لها لأن ما من أحد يحمل صفاتكم بالذات وبنفس الطريقة.
كيف يؤثر تقدير الذات في علاقتنا بالآخرين؟
حتى الشخص الذي يعاني من إعاقة عقلية عميقة يقدم مساهمة في هذه الأرض. هذا النوع من الأشخاص شكل بالنسبة إلي لغزاً كبيراً على امتداد سنوات. ذات يوم، كنت جالساً على متن طائرة إلى جانب شخص يدير مركزاً مشهوراً للمعاقين عقلياً في بريطانيا، فطرحت عليه السؤال الآتي: «ما علة وجود هؤلاء الناس؟». لن أنسى أبداً ما قاله لي: «هل فكرت بالصفات التي ينبغي على من يهتمون بهم أن يتحلوا بها؟» بكلمات أخرى، هؤلاء المعاقون هم من كبار المربين الذين يجهلون أنفسهم. وإذا ما وسعنا هذا المنطق، يمكن القول من دون تردد أن أسوأ أعدائنا، أولئك الذين يتسببون لنا بأكبر المصاعب في الحياة هم أفضل أصدقاء نمونا الداخلي لأنهم يجبروننا على أن نتخطى أنفسنا.
بول فيريني كاتب أمريكي في شؤون النفس، وقد قال في كتابه «الحب من دون شروط» ما يلي: «منذ نعومة أظفاركم، عودوكم على أن تثمنوا أنفسكم فقط حينما يتعاطى الناس معكم بشكل إيجابي. لقد تعلمتم أن قيمتكم تأتي من الخارج، أي من الآخرين. هذا هو الخطأ الأساسي الذي تحملونه معكم طيلة حياتكم».
كيف نتعلم حب أنفسنا من دون شروط؟
أن تتعلموا كيف تحبون الشخص المجروح في داخلكم هو المرحلة الأولى لتصحيح الاعتقاد القائل بأن قيمتكم تعتمد على الطريقة التي ينظر الآخرون بها إليكم. وشيئاً فشيئاً ستعلمون أنفسكم قيمتها كما هي هنا والآن من دون شروط. ولا أحد بإمكانه أن يفعل هذا عنكم.
يجب أن ترفضوا الوهم القائل بأنكم لستم جديرون بالحب مثلما أنتم تماماً. وستظهرون الحب حين تعطونه من دون شروط إلى أنفسكم. وبقدر ما تفعلون هذا ستجتذبون نحوكم من هم قادرون على أن يحبوكم من دون شروط.
يضيف فيريني أن أي محاولة لإيجاد الحب خارج أنفسنا محكومة بالفشل لأننا لا نستطيع أن نتلقى من الآخرين ما نرفض أن نعطيه إلى أنفسنا. وحين نرفض أن نعطي الحب لأنفسنا نتعرض لخطر اللقاء بالأشخاص الذين يحملون النزعة ذاتها في سوء تقدير أنفسهم وهذا من شأنه ألا يساعدنا البتة. ترجع هذه المقاومة أمام حب النفس من دون شك إلى أن جزءاً من أنفسنا لا يشعر بأنه جدير بالحب غير المشروط ولا يعتبر أنه يستحقه. وفي الحقيقة إننا جديرون بالخير كله مجاناً لمجرد أننا مخلوقات في هذا الكون الرحيب. قال أحد الحكماء القديمين إن العالم لا يفتح أبواب السماوات إلا في وجه من يتبع قوانينه. أي استعارة جميلة هذه! فهل أنتم على استعداد أن تقبلوا بأن العالم لا يتوقع منكم سوى شيء واحد: القلب المفتوح حتى يعطيكم حتى أكثر مما يمكنكم أن تأخذوا؟
لماذا يصعب علينا أحياناً أن نحب أنفسنا؟
وثمة سبب آخر يجعل علينا من الصعب أن نحب ذاتنا قد يرجع إلى أننا نخشى في سرنا أكثر ما نرغب فيه. أهو خوف من القوة التغييرية الهائلة التي يحملها الحب؟ أو خوف من الحرية الكاملة التي يوفرها لمن يعيشه بكليته؟ «أَحب واعمل ما تشاء» قال أحد الفلاسفة، «ومن يتجشم المخاطر يفقد توازنه للحظة أما من لا يخاطر أبداً فهو يفقد حياته»، فأي من الخطرين تفضلون؟
*تأليف: بيار برادرفان
