الضغط النفسي ليس دائماً أمراً سلبياً في حياتنا. فنحن نتعرض في حياتنا إلى درجات محدودة من الضغط النفسي، وقد تكون هذه الاستجابة مفيدة في بعض المواقف، لأنها تساعد الجهاز العصبي على الاستعداد للتعامل مع التحديات، إضافة إلى أن الضغط النفسي الخفيف قد يكون مهماً ومفيداً لأنه يمكن أن يلعب دوراً محفزاً لنا في الكثير من المهمات اليومية. لذا علينا البحث عن أنواع الضغوط النفسية ومقاربتها باختلاف الشخصيات والطباع وقدرات الأشخاص على المواجهة، فالأشخاص لا يتعاملون مع المحفزات بالطريقة نفسها. الضغط النفسي الإيجابي لا يشمل الضغط النفسي اليومي الذي يتخزن في جهازنا بشكل رسائل سلبية تكثر مع الأيام وتتحول إلى ضغط نفسي مزمن.
وعندما يتحول الضغط النفسي إلى مزمن يصبح مضراً جداً للجسد والعقل. فالضغط النفسي المزمن، على عكس الضغط النفسي الإيجابي، يؤثر في الشخص من جوانب عدة، وقد يؤدي إلى فقدان التركيز وتعطيل القدرة على أداء المهام، كما يؤدي إلى الانفعالية والعصبية لدى الأشخاص الذين يعانون منه. وكثرة الضغط النفسي المزمن قد تزيد من خطر ظهور بعض المشكلات النفسية أو تفاقمها، مثل القلق الشديد، ونوبات الهلع أو الرهاب، والاكتئاب وغيرها من الحالات التي يمكن أن تتحول إلى معطلة للحياة اليومية.
فوجود الضغط النفسي الشديد والمزمن لدى أشخاص معينين يمكن أن يؤدي إلى هذه الحالات المرضية في أوقات مختلفة من حياة الأشخاص. هذا الضغط النفسي يمكن أن يأتي من مجموعة عوامل مختلفة، منها العمل اليومي غير المريح، ومنها الخلافات الزوجية المتكررة والأعباء المعيشية، أو الحروب وغيرها من الأسباب التي قد تؤدي إلى الضغط النفسي والتي تتحول مع الوقت إلى ضغط نفسي مزمن.
لكن عزيزي القارئ، ليس كل من يتعرض إلى ضغط نفسي شديد أو متكرر هو عرضة بالضرورة لتطوير حالات مرضية معينة، لأنه وكما ذكرنا أن الطباع والشخصيات تؤثر على كيفية ونوعية الاستجابة. فهناك الكثير من الأشخاص الذين يملكون القدرة على التأقلم، وبالتالي قدراتهم النفسية تكون أكبر من غيرهم، فنراهم أشخاصاً يملكون القدرة والمعرفة حول كيفية إدارة وتصريف الضغط النفسي. وبالتالي كلما أدرك الشخص حدود قدراته على التحمل وإمكانية التفريغ، كلما سيطر على الضغط النفسي المتكرر ومنعه من أن يتحول إلى ضغط نفسي مزمن.
فهناك طباع وشخصيات تتعلم كيفية تصريف الضغط النفسي حتى لا يتحول إلى ضغط مزمن. أما فيما يتعلق بالضغط النفسي بشكل عام، فهو استجابة طبيعية وأساسية تساعد الإنسان على التعامل مع التحديات المختلفة، وقد يكون محفزاً عندما يكون محدوداً ومؤقتاً. فهو يحفز الإنسان على القيام بأمور جديدة أو بالقيام بمبادرات أو يدفع الأشخاص للتصرف بشكل يجعلهم يتخطون حلقة الأمان التي يعيشون فيها. فهو محرك، لأنه يساعد الجسم على التكيف مع كل الأمور الخارجية التي يعتبرها بمثابة تحديات أو مواقف تتطلب استجابة. فالكميات أو الجرعات الخفيفة من الضغط النفسي قد تساعد الإنسان على الاستعداد للتعامل مع التحديات، وتدفع الدماغ والجسم إلى الاستجابة للمواقف التي تتطلب التركيز والمواجهة. بالإضافة إلى المساعدة على التركيز للنجاح أمام اختبار معين أو أمام تحدٍّ أو رياضة ومباراة، لأن هذا الضغط يعطي الأشخاص الدافع للمواجهة والاستمرار.
فهذا النوع من الضغط النفسي قد يكون مفيداً عندما يكون محدوداً ومؤقتاً، إنما يصبح ضاراً عندما يطول أو يتجاوز قدرة الشخص على التكيف. فكل شخص هو بحاجة إلى قدر من التحديات والمحفزات كي يستمر في التطور والاستمرار ويبقى محفزاً على كل الأمور التي تساهم في بنائه والقيام بكل أمر جديد، على عكس الضغط النفسي السلبي القادر على إدخال الأشخاص في عزلة، أو في حالة اكتئاب أو انطوائية أو حتى غياب القدرة على الإنتاجية والعمل لأنه يخسر كل المحفزات في هذه الحالة.
عزيزي القارئ، الأمر الإيجابي في الموضوع أنه ليس كل من يعاني من حالات ضغط نفسي كبير يحتاج بالضرورة إلى أدوية مضادة للاكتئاب، لأنه بالإمكان التصدي ومواجهة الضغط النفسي والوقاية من خطر الإصابة بأي مشكلات ناتجة عنه من خلال استعمال طرق مختلفة للتفريغ تتعلق بمكونات الأشخاص من طباع وظروف محيطة وغيرها.
وبالتالي فيمكن للطرق أن تتبدل من شخص إلى شخص ومن مكان إلى مكان، وقد تكون الحاجة للتفريغ بسيطة مثل القراءة أو أكثر فلسفة مثل السفر أو القيام بأمور يحبها أو البحث عن كل ما يجلب الطاقة الإيجابية له أو البقاء برفقة أناس مرحين.
هذه الحالة من الوقاية تقوي قدرة الأشخاص على التحمل. وفي حال وصل الفرد إلى مكان شعر فيه بعدم القدرة على المواجهة أو غياب المعرفة حول كيفية المواجهة، فمن الضروري استشارة متخصص، لأن الحل قد يكون في تفصيل صغير في حياته يحتاج إلى اكتشافه.
اقرأ أيضاً:
- هل تبدأ الخلافات الزوجية فعلاً بعد الزواج؟
- العنف النفسي في العلاقة الزوجية والتلاعب النفسي وتأثيره على الصحة النفسية والانفصال
- الصحة النفسية والزواج: كيف تؤثر الاضطرابات النفسية على العلاقة الزوجية واستقرار الأسرة؟