24 سبتمبر 2026

كيف يؤثر تحسين المزاج في الجسم والحياة؟

أستاذة وباحثة جامعية

المزاج الجيد والصحة النفسية..

مجلة كل الأسرة

هو شعار المزاج الجيد يقترحه علينا الدكتور لوجوايو، بروفسور الطب النفسي وعلوم الإدمان في جامعة باريس ديدورو. على مر الفصول ولكل الأعمار، يهدف هذا البرنامج إلى ضخ التفاؤل والطاقة، ويسعى إلى تقليل إفراز الأدرينالين، هرمونة السترس، وزيادة السيروتونين، هرمونة فرح الحياة عبر تقنيات طبيعية وسهلة التطبيق.

الصحة النفسية والعمر المديد والنجاح العائلي والأسري... ماذا لو كان كل هذا يعتمد على مزاجنا الجيد؟ حتى أن مستوى الراتب يتبع مستوى المزاج، لذا قد يكون من المفيد تعلم كيفية الاحتفاظ بالمعنويات في أعلى مستوى لها. حين نتدرب على الابتسام للحياة، تبادلنا الحياة الابتسام. حقيقة بسيطة لكنها صحيحة.

نظن عن خطأ أن المزاج الجيد أو الحزين هو مسألة طبيعة أو وراثة أو حظ، إلا أن الحزن ليس قدراً ويأتي تقلب معنوياتنا نتيجة عاداتنا السيئة أو الجيدة وطريقة تفكيرنا. أنا ألاحظ هذا الأمر كل يوم في حياتي الشخصية كما في حياتي المهنية كطبيب. وفي ما عدا الأمراض العقلية المعروفة، والتي يمكن معالجتها، والأحزان الكبرى التي نمر بها، يستطيع كل واحد منا أن يزيد بنفسه موارد المزاج الجيد لديه.

ويمكنه أن يساعد نفسه عبر تجارب بسيطة ستحافظ على صحة الدماغ وتغذي المشاعر الجيدة. إن فهمنا للذهن والدماغ يشهد تغيرات كبيرة. وحتى نكون على أفضل ما يرام، لا يجب أن نبقى لوحدنا في منزلنا نتأمل مصيرنا ولا أن نضع رأسنا بين كفينا لنراجع سجل حياتنا. ثمة وسائل أكثر نشاطاً لتحسين المزاج والصحة النفسية واستنفار هرمونات المزاج الجيد.

بإمكانكم، مثلاً، أن تأكلوا أطباقاً تحارب الاكتئاب بشكل طبيعي وأن تتحركوا بذكاء وأن تقووا دماغكم وأن تقوموا برحلات تحملون منها مشاعر إيجابية أو أن تصغوا إلى مختارات موسيقية محفزة. وكما نعمل على صيانة قلبنا أو دماغنا، بإمكاننا أن نحسن معنوياتنا من دون جهد بل بمتعة، بفضل تطبيق بعض المبادئ البسيطة.

أسرار المزاج الجيد.. كيف نحسن حالتنا النفسية؟

أكثر أسرار الطب والحياة تحصيناً هو أن باستطاعتنا العمل على انفعالاتنا. نملك بأيدينا وسائل أكثر مما نظن. وعلى الرغم من الأحداث الراهنة التي تعرض علينا فظاعات العالم وتعطينا كل الأسباب الوجيهة لنقلق، باستطاعتنا أن ننشط «آلتنا الدماغية» لصنع المواد الطبيعية المضادة للاكتئاب.

ومهما بدا لكم الأمر مدهشاً، حين نغير نمط حياتنا وتفكيرنا، نغير كذلك هرمونات دماغنا. ليس من الصعب كثيراً أن نخفض نسبة الأدرينالين، هرمونة السترس والمزاج السيئ، ونزيد في الوقت نفسه هرمونة السيروتونين المسؤولة عن المزاج الجيد. إليكم بالتالي أسرار المزاج الثلاثة: المزاج ليس مسألة نفسية وحسب. هو يؤثر في كل الأعضاء ولا يعتمد على الذهن فقط. هو يحمي من الاكتئاب كما من الجنون، من أمراض القلب كما من الآلام، من الأمراض المعدية كما من الالتهابات.

يكون المزاج أفضل حين نعتني بالجسم أي بدءاً بالاهتمام بالأسنان وصولاً إلى الغذاء المناسب من دون أن ننسى الحركات التي تطلق مضادات الاكتئاب الطبيعية. المزاج الجيد في متناول الجميع. المزاج السيئ ليس من قبيل الطباع التي لا يمكننا أن نتصدى لها. ما من طفولة ولا من إرث عائلي أو أوضاع حياتية تحكم علينا أن نكون حزينين أو مكتئبين إلى الأبد. كل واحد منا يستطيع أن يغير شيئاً صغيراً في حياته اليومية ليحصل على معنويات أفضل أو ليحافظ على حماسته.

العادات التي تجعلنا سعداء نابعة من فهمنا الجديد للدماغ. إن التجارب الثورية على الدماغ تقدم تفسيرات طبية لنصائح نابعة من الحس السليم. وهي تثبت أن الموسيقى والفيتامينات وتعابير الوجه وحتى لون الأطباق تحمل تأثيراً على الخلايا العصبية. كما تبين لنا الطريقة التي تتفاعل فيها جزئيات المزاج الجيد عند أول تغيير في السلوك أو النوم أو الغذاء.

مجلة كل الأسرة

فوائد المزاج الجيد للصحة النفسية والجسدية

المزاج الجيد الذي أقترح عليكم أن تحافظوا عليه أو أن تستعيدوه هو حالة صحة وتناغم «شامل» في الجسم والذهن. كان الطبيب النفسي جان دولاي يصف باختصار المزاج الجيد بكونه الإحساس بالراحة من دون أسف كبير على الماضي ولا خوف كبير من المستقبل. وهكذا فإن المزاج الجيد يوفر طابعاً ممتعاً لكل لحظة من لحظات الحياة. وإذا ما قارنّا بين الرجال والنساء أصحاب المزاج السيئ والمزاج الجيد، ندرك أن فرح الحياة لا بد منه لحسن سير الجسم والذهن. وهو مهم للأسباب الآتية:

المزاج الجيد وصحة الجسم

صحة الجسم: يمكّننا المزاج الجيد من مقاومة الأمراض المعدية كما يليّن الأوعية الدموية ويزيد من سنوات العمر ويخفض نسبة السكر في الدم وخطر الإصابة بالسكري كما يخفض ضغط الدم. وحتى لو أصابنا مرض، فإن المزاج الجيد يزيد من فرص الشفاء. صورة الذات: حين نكون في مزاج جيد، نحب أنفسنا إلى هذا القدر أو ذاك، أو على الأقل نقبل بأنفسنا ونسكن إليها من دون صعوبة كبيرة.

المزاج الجيد والعلاقات الأسرية والزوجية

ونتوقف عن لوم أنفسنا باستمرار وعن مراجعة ما فشلنا فيه أو سقط سهواً عنا. الصورة التي يحملها الآخرون عنا: الجميع، سواء أكان أفراد الأسرة والأصدقاء والزملاء والمعارف، يفضلون رفقة شخص يتواصل معهم ويستمتع بالقليل. المزاج الجيد يوفر لنا علاقات أكثر وابتسامات أكثر. كما أن الحياة الأسرية والزوجية ستتصف ببساطة ومتعة أكبر. أنت تتوجه بالكلام بشكل أسهل إلى شخص يحمل مزاجاً جيداً من دون أن تخشى غضبه. والكل يفضل من يضحكه على من يشرح له حتى آخر الليل ما يجعله تعيساً.

المزاج الجيد والنجاح في الحياة

انطباع النجاح في الحياة: ما من فرق بين حياة ناجحة وحياة فاشلة في ما عدا الطريقة المتفائلة أو المتشائمة التي ننظر بها إليها. الرجل أو المرأة صاحبة المزاج الجيد ستجد نفسها دائماً أكثر ثراء ورضا من مكتئب غارق في أمواله وانتصاراته. وأنا أرى ذلك كل يوم في الاستشارات المرضية التي أعاينها. حين يخرج أحدهم من اكتئابه لا يعود يسرد لي حياته بالطريقة ذاتها التي كان يسردها بها. فهو يبدّل رأيه حول ما كان يبدو له أنها أخطاؤه الكبرى. ومتى استرجع صحته النفسية، يرى في ضربات القدر مراحل جعلته في النهاية يتقدم. والأفضل من هذا أنه يستعيد ذكرى نجاحاته التي كان قد نسيها حينما كان لا يرى سوى السواد من حوله.

المزاج الجيد والدافع والطاقة

حلقة الرغبات والمتعة والرغبة بالاستمرار: المزاج الجيد هو أساس الرغبة، وهو الذي يعطيك الدافع لتنهض في الصباح ولتحب ولتتحدث مع جار لا تعرفه ولترقص وتعمل وتستمتع ولتقرأ وتنظف منزلك وجسمك وذاكرتك حتى تضع المشاريع وتؤمن بها وتنجزها.

الإبداع: كل المبدعين ليسوا تعساء، هذه أسطورة يغذيها المدافعون عن الاكتئاب والمكتئبون أنفسهم. يكون كل واحد منا أكثر تفرداً وإنتاجية حين يكون في مزاج جيد. جميع الكتاب والرسامين والمؤلفين الموسيقيين اجتازوا فترات اكتئاب أمضوها في التفكير لكنهم لا يبدأون عملهم حقاً إلا عندما ترتفع معنوياتهم. يجب أن تكون في مزاج جيد حتى تنطلق الأفكار الجديدة وتحمل الرغبة أو الشجاعة على التعبير عنها وتدوينها أو رسمها. أنت بحاجة إلى كمية كبيرة من اللامبالاة والتفاؤل حتى تنطلق في نشاط جديد، ذاك هو سبب المتعة التي نجدها في هذا النشاط.

الطاقة: مصدر الطاقة الأساسي هو المزاج الجيد. ما من شيء يجلب التعب أكثر من الاكتئاب وأفضل طريقة لتحفيز النفس هي استعادة الحماسة. حين نشعر أننا في مزاج جيد نمشي ونتحدث ونفكر بسرعة أكبر. كل حركة من حركاتنا تكلف المتفائلين جهداً أقل مما تكلف المتشائمين. ومن يودون الاهتمام بلياقتهم البدنية محقون في سعيهم إلى زيادة حجم عضلاتهم لكن ينبغي ألا ينسوا معنوياتهم حتى يجعلوا خلاياهم العصبية تصنع لهم جزيئات الطاقة. فالدماغ الذي يكون في مزاج جيد ينتج الدوبامين التي تجعلنا نتحرك ونغير الأمور ونجدد فيها، كما ينتج السيروتونين التي تجعلنا سعداء وتقلل من قلقنا وكذلك المورفين الدماغي الطبيعي أو الأندورفين الذي يشعرنا بالمتعة. النجاح: نحن ننجح أكثر في عملنا أو في حياتنا الشخصية حين نتوقع نهاية إيجابية لما نقوم به. فمن يتوقع الأفضل في عطلته أو في أسرته يضع الحظوظ إلى جانبه. هو ليس بمنأى بالطبع من المشكلات، بيد أنه يبرمج نفسه حتى لا يهمل اللحظات الجيدة والفرص الجيدة. فالأمل يحرك الجبال كما تقول الحكمة الشعبية كما أنه يجعلنا ننجح كما يؤكد علم النفس الحديث. الاهتمام باللحظة الراهنة: القلق يخشى المستقبل والمكتئب يؤنب نفسه على الماضي. حتى تركز حقاً على اللحظة الراهنة، يجب أن تكون بمزاج جيد. نحن نبتسم حتى لا نشعر بأننا مذنبون في ماضينا ولا مهددون في مستقبلنا.

*تأليف: البروفسور ميشال لوجوايو

اقرأ ايضاً:

- كيف تؤثر الألوان في حياتنا؟ أسرار معاني الألوان واستخداماتها
- سلطة الألوان المدهشة.. كيف تؤثر الألوان في النفس والسلوك والإدراك البصري؟
- دليلك المبسط للعلاج السلوكي المعرفي: كيف تتخلص من القلق والتوتر؟