20 يونيو 2026

كيف تتحكم في انفعالاتك؟ 5 استراتيجيات فعالة لتحقيق التوازن الانفعالي والثقة بالنفس

أستاذة وباحثة جامعية

مجلة كل الأسرة

يحلل هذا الكتاب العناصر التي تلوث شخصيتنا وتفسد علينا حياتنا. ليس من السهل أن نعرف حقاً من نحن؛ لأننا نتطور على الدوام، وأيضاً لأننا نحدد أنفسنا بالنسبة إلى الآخرين، هذا من دون الحديث عن عبء الماضي والتربية والضغوط الاجتماعية والعائلية وتأثيرات الأصدقاء والعمل. يساعدك هذا الكتاب على التعامل مع انفعالاتك وقبول نفسك وتقديرها حتى تكتسب الثقة بالنفس وتعرف ماذا تريد حقاً.

كل واحد منا عاش في يوم ما انفعالاً لم يتمكن من السيطرة عليه، سواء أكان نوبة غضب أو بكاء أو ضحك... في أي حال من الأحوال، تعمل انفعالاتنا على شكل صمامات، هي نوع من الشحنات الطارئة المفرَّغة التي تمكننا من تحرير توترنا والتأقلم جسدياً واجتماعياً. في أشكالها القوية والقصيرة المدى، من نوع الخوف الشديد أو الغضب الشديد، تقتصر انفعالاتنا على ردود فعل غريزية للدفاع، على نوع الهرب أو العدوان، أو الاقتراب على شاكلة الانطواء على الذات والخضوع. بفضلها نكون قادرين على التصرف بشكل غريزي وسريع ومن دون تفكير لمواجهة حالات خطر مفاجئة.

أما الانفعالات الأكثر تعقيداً وخفاءً فهي أيضاً ضرورية للتواصل مع الآخرين في كل علاقاتنا العاطفية والفكرية اليومية إذ تمكننا من ضبط سلوكياتنا. وتشكل الانفعالات أكثر من ظواهر لحساسيتنا لأنها تؤدي دوراً مهماً في التوازن الانفعالي وتوازننا البدني والنفسي، حتى الأكثر «سلبية» بينها كالغضب أو الخوف اللذين يجعلاننا نضطرب بدنياً ونفسياً، ولكن ليس من دون فائدة. ولا يمكننا أن نكون كما نحن من دون توازن انفعالي جيد.

وهو أمر ليس بالبسيط لأننا ننزع جميعنا إلى كبت المشاعر وانفعالاتنا إلى هذا الحد أو ذاك، لاسيما الأكثر سلبية منها. ومن ناحية أخرى، لأن انفعالاتنا لا تعنينا وحدنا بل تعني الآخرين أيضاً وهي مرتبطة بمشاعرنا الماضية وبتاريخنا الشخصي. ومع هذا نستطيع أن نتعامل معها.

لماذا نكبت انفعالاتنا؟

في بداية الانفعال، ثمة مفاجأة أو صدمة فيسيولوجية تثير تعديلات مفاجئة وقوية، كتسارع ضربات القلب والشحوب والاحمرار والارتجاف... ولهذا، نخشى بأن تخرج الأمور عن سيطرتنا وننزع إلى كبت الانفعال، وبالأخص السلبي منه.

نبكي أمام صور العذابات الإنسانية ونصرخ غاضبين أمام التلفزيون حين نرى تعدياً على بلادنا، ولكن نمنع أنفسنا من عيش هذه الانفعالات ذاتها في حياتنا اليومية. فالقاعدة التي نتبعها تقول: «أنا لا أريد أن أشعر بمشاعر مزعجة ومؤلمة»، ومن الأسهل أن أشعر بها بالإنابة، فهي أقل إيلاماً وهي تجعلنا نضطرب ولكن ليس كما تفعله انفعالاتنا الشخصية.

ونحن نكبت انفعالاتنا أيضاً حين نفكر بالنتائج المترتبة عنها بالنسبة إلى الآخرين في محيطنا أو بالنسبة إلى علاقتنا معهم، وهذا لأسباب متعددة:

  • من أجل أن نتطابق مع القواعد الاجتماعية وحتى لا يقال إننا تصرفنا بطريقة غير لائقة.
  • من أجل أن نرضي التطلعات، فالنساء مثلاً يمكنهن التعبير عن الحزن والخوف ومؤشرات ضعف أخرى، أما الرجال فبإمكانهم التعبير عن الغضب والحقد والعدوانية.
  • من أجل حماية مشاعر الآخرين.
  • من أجل أن نحمي أنفسنا ونتجنب الحكم السلبي علينا.

لكن كل هذا الكبت يترافق مع نتائج سلبية.

حين نكبح انفعالاتنا، يتردد صداها في داخلنا فيؤثر في مشاعر السعادة وأيضاً في الصحة النفسية. وقد دلت العديد من الملاحظات السريرية أن مستوى جهاز المناعة يعتمد كثيراً على انفعالاتنا. وحتى لو كنا لا نعرف كثيراً آلية هذه التأثيرات، نعرف في المقابل أن المشاعر السلبية والانفعالات السلبية، كالخوف والغضب والحزن، تسبب العديد من الأمراض حينما لا يتم التعبير عنها، كالحساسية والربو والمغص والأمراض المعدية.

وهي تشكل عامل خطر مهم في مختلف الأمراض كأمراض القلب والسرطانات.

مجلة كل الأسرة

كيف نحقق التوازن الانفعالي؟

الانفعال مسألة فطرية وعالمية ومعدية ولكنها أيضاً خاصة ومحددة بالنسبة إلى كل فرد من الأفراد. هذا للقول إن تنظيم الانفعالات لا يحظى اليوم بإجابة حاسمة.

بيد أن بعض الاستراتيجيات قد أثبتت نجاحها أكثر من سواها. سنأتي على ذكر خمس منها:

1- إعادة التقييم المعرفي

تنجم الكثير من انفعالاتنا السلبية عن أمور نسجها خيالنا. فكروا برب العمل الذي يرمقكم بنظرة حادة أو بولدكم المراهق الذي ينسى عيد ميلادكم.

إذا ما فسرتم هذه السلوكيات على أنها مقصودة، قد تشعرون بالخوف أو بالحزن. في المقابل، حين تنسبون إلى هذه السلوكيات ذاتها سمة تتصل بشخصية المعني بها، ستشعرون بقلق أو بحزن أقل.

2- وضع كلمات على المشاعر

بعض الناس بحاجة إلى شخص يتحدثون إليه في حال أحسوا بانفعالات سلبية. وقد دلت الكثير من الدراسات أن أي حدث يسبب انفعالاً، سواء أكان الحدث إيجابياً أم سلبياً، يكون محط تبادل اجتماعي.

وقد أجريت تجارب باستخدام تصوير الدماغ ونشاطه، تؤكد أن التعبير عن المشاعر والتحدث بالانفعال السلبي يخفف فعلاً الإحساس به، شرط أن نحسن اختيار من نتحدث إليه حتى يكون مستعداً للإصغاء ومنفتحاً ومتفهماً.

والأهم من هذا كله عدم اجترار المسألة. فالتحدث باستمرار عن الحزن، على سبيل المثال، يقويه في داخلنا ويبعد الآخرين عنا.

وإذا كان من غير الممكن بالنسبة إليك ألا تجتر حزنك، عليك بكتابته، فحين ترمي بانفعالاتك السلبية على الورق تسهل عودة تحكمك بنفسك.

3- إلغاء التعبير

هي الطريقة التي ينصح بها داروين الذي اعتبر أن التعبير الحر عن انفعال ما من خلال إشارات خارجية يجعله يقوى ويشتد والجهود المبذولة لقمع أي مظهر خارجي يجعل الانفعال يعتدل من تلقاء نفسه.

فالرجل الذي يطلق العنان لتصرف عنيف يزيد من غضبه ومن لا يمارس أي سيطرة على علامات خوفه يشعر بخوف أكبر.

في المقابل، ليس هناك من إثباتات على أن عدم إظهار ما نشعر به يخفف من الشحنة الانفعالية، لكنه على الأقل يقي من النزاعات مع الآخرين، خاصة وأن الانفعالات السلبية تتسم بالعدوى أكثر من الانفعالات الإيجابية.

4- مواجهة انفعال اللحظة

إزاء انفعال مزعج أو وضع مقلق، ننزع تلقائياً إلى التفكير بكل همومنا ومصادر قلقنا بشكل عام من دون الدخول في التفاصيل.

ولكن في الحقيقة، ما يحدث هو العكس إذ أن الانفعال والقلق يتضخمان.

وفي المقابل حين نركز على ما هو خاص بانفعال اللحظة، ولماذا نشعر بالحزن هنا والآن، أو بالوضع المحدد، ننجح في نزع الوجه الدرامي عنه. وكلما تمكنا من فهم ما الذي يسبب وضعاً انفعالياً ما كنا أكثر قدرة على الاستجابة بشكل فعال.

5- التنفس على أربع مراحل

يعتمد التوازن الانفعالي على حسن أكسجة الدماغ.

وغالباً ما يعتبر توازن الانفعالات في الشرق، بتأثير من الفلسفة البوذية وممارسات اليوغا، مشكلة تقنية أكثر منها نفسية.

ومنذ فترة الحضانة هناك، يتعلم التلاميذ التنفس على أربع مراحل، إذ يتبع كل من الشهيق والزفير فترة راحة حيث تبقى الرئتان فارغتان من الهواء بعد الزفير أو مملوءتان به بعد الشهيق.

إن التدرب على التنفس بهذه الطريقة لبضع دقائق يومياً يسمح بفهم انفعالاتنا بشكل أفضل وبضبطها. وهكذا نطور بسرعة ردود الفعل المباشرة لتنظيم انفعالاتنا ولا سيما الأكثر سلبية من بينها.

* تأليف: جيل أزوباردي