حادثة مروعة، كارثة طبيعية، وفاة عزيز... كل الحوادث الصادمة كبيرة من وجهة نظر من ألمت به. كيف الخروج من المحنة؟ يقدم هذا الكتاب مفاتيح التعرف إلى مصادر الصدمة النفسية وفهم مظاهرها من أجل الحد من آثارها والتمكن في النهاية من اجتياز العاصفة وإعادة بناء الذات.
«دهست أمام عيون أولادها»... «قتله وهو في كنف أسرته»... «ألف قتيل بنتيجة هزة أرضية»... «مذبحة قضت على قرية بأكملها»... كل هذه عناوين بتنا نقرؤها بشكل شبه يومي ونسمعها أو نراها في وسائل الإعلام. بيد أن هذه الإعلامية المفرطة تخفي حالات البؤس الداخلية بدل مساعدتها والعمل على معالجتها. فالحادثة على أهميتها، تصير أكثر أهمية بذيولها وبما تتركه في أعماق من عاشها وبقي على قيد الحياة بعدها. الحديث عن حالة الصدمة النفسية يقودنا إلى الحديث عن حادثة، عن جروح، عن أضرار إلخ. نحن أمام مأساة أو حادثة مؤسفة بحسب خطورة الأمر وعواقبه. ثمة كوارث طبيعية ومادية وبدنية وأيضاً كوارث «نفسية». فكيف التعرف إلى حالة الصدمة النفسية؟ ليس ثمة معايير خارجية يمكن أن تؤدي هذا الدور، بل نحن أمام معايير خاصة لأن الصدمة النفسية هي كل تجربة تجتاح قوتها الشخص الذي يمر بها.
قد تكون حالة الصدمة النفسية غير مرئية وتدور رحاها على الساحة الداخلية، وحتى عندما تكون الصدمة جسدية، فهي تحمل معها ارتدادات نفسية وعندئذ نتحدث عن صدمة نفسية. من المهم التمييز بين الإصابة الجسدية التي تخص الجسم والواقع المادي، كالشخص الذي يحشر أصابعه في باب فتنكسر، عن الصدمة النفسية التي تعتمد على السياق وعلى الشخص نفسه وعلى الأثر الذي تتركه الحادثة عليه، فيما لو كان الشخص الذي كسر أصابعه عازف بيانو مثلاً. الكسور الجسدية تتسبب بكسور نفسية، فهي تضع حداً لحياته المهنية، لأحلامة ولمشاريعه. وهكذا فإن آثار الصدمة النفسية تتصل بالنفس والجسد والطريقة التي يعيش فيها المرء حياته بعدها.
وفي كل الحالات هي تشكل كارثة بالنسبة إلى الشخص المعني بها وتحدث فيه أضراراً هائلة. ماهية الصدمة النفسية تعني وضع المرء بشكل مفاجئ بين الموت والحياة، هو ظهور غير متوقع للموت ولإمكانية حدوثه، أي عجز يائس أمام الحادثة وحالة بؤس نفسية شديدة القوة.
يدخل البعد المأسوي حياة المرء من دون إنذار ويستولي على الكيان الذي يجد نفسه عاجزاً فجأة. يطرده هذا البعد من الوقائع اليومية الاعتيادية ورتابتها المطمئنة. تكمن خصوصية الصدمة النفسية في أنها تتبدى بأشكال مختلفة وتثير اضطرابات متنوعة وتؤثر تأثيراً مظلماً في الحياة الداخلية تاركة المرء عاجزاً وفريسة ذكريات تفقده توازنه. بيد أنه ثمة طرق ممكنة لتهدئة الذاكرة المتفجرة والتحرر من القيود التي تنجم أحياناً عن «استراتيجيات البقاء» التي يضعها المرء وقت الصدمة أو بعيدها، وهو ما يساعد لاحقاً على التعافي من الصدمات النفسية.
عند وقوع حادثة صادمة، ثمة انفعالات عديدة يمكن أن يشعر بها المرء:
- الخوف الناجم من المفاجأة. وهو خوف مفاجئ أمام خطر لم يكن المرء يتوقعه.
- الذعر هو شكل من الخوف الشديد غير القابل للسيطرة عليه كثيراً ما يؤدي إلى الهرب السريع.
- الهلع، ينجم عن خوف شديد يظهر بشكل فجائي وقاسٍ إلا أنه أقوى من الخوف لأنه يفقد المرء قدراته.
وبقدر ما قد يكون الخوف سريعاً وقصيراً، يكون الهلع مستديماً فيتمتع بقوة كبيرة، هي حالة من الذهول أمام ذكرى فظيعة. يعيش المرء أمام صدمة نفسية قاسية حالة من انهيار. يفقد قدرته على الاستمرار في هويته وفي الإحساس بوجوده. فيواجه حالات قلق عنيفة جداً قد تقوده إلى الجنون. وقد يسمر الهلع الشخص في مكانه ويجمده فلا يعود بإمكانه أن يشعر أو أن يفهم أو أن يفكر. يصير خارج نفسه ويفقد اتصاله بالواقع.
ينجم الهلع نتيجة حادثة مفاجئة وغير متوقعة لا سيطرة للفرد عليها. يستشعر كما لو أن بعداً أساسياً من كيانه قد نفي أو حتى ضرب. وما لم يتمكن من مشاركة هذه التجربة التي عاشها، قد يؤدي الهلع إلى تحطم في الشخصية، وهي إحدى حالات اضطرابات ما بعد الصدمة. قد يبدو مستحيلاً التفكير بالهلع والتعبير عنه. والحادثة الصادمة تجعل المرء يظن أنه «لا شيء»، هو مسمر في مكانه أمام «فجوة كبيرة تذوب فيها كل خصوصية وشخصيته».
وفي الحالات الخطيرة، تؤدي الصدمة النفسية إلى شكل من أشكال الذهول مع شلل الحركة والإدراك والتفكير. يستخدم العالم النفسي فرنزي عبارة «ارتجاج نفسي» وهو ناجم عن ضربة مفاجئة وعنيفة. واحدة من عوارض هذه الارتجاجات النفسية هو حالة الجمود والإلغاء المفاجئ للوظائف الحيوية بفعل الصدمة النفسية الشديدة. فلا يعود المرء يدرك ما يحدث معه ويعيش إحساساً بإلغاء الشعور بالوجود وبالأنا. يفقد ثقته في عالمه المعهود وتضيق مساحته المعاشة لتقتصر على «مسرح الرهبة»، وهي من أبرز آثار الصدمة النفسية التي تصيب الإنسان.
الرهبة هي الخوف الشديد الذي لا يطاق والذي لا يمكن التعبير عنه. هو يثير حالة ارتجاف وتشنجات وفقدان السيطرة على مخرج البدن إلخ. قد ينتصب وبر الجسم والشعر أمام الفظاعة، أمام الوضع الرهيب. الرهبة والرعب يشيران إلى واقع شديد الوطأة: حادثة عنيفة، هجوم، كارثة طبيعية، مذبحة، موت، بتر أعضاء، تعذيب... تكون نتيجتها ذهول شديد وفقدان كل الإمكانيات فلا تترك مكاناً لأي شعور ولأي إمكانية للتفكير بما جرى خارج النفس وفي داخلها، وهي من الحالات التي قد تقود لاحقاً إلى اضطرابات ما بعد الصدمة.
بعد المأساة مباشرة، تكون الضحية بدون رد فعل، بكماء وشبه مشلولة. لا تعود الحركات الإرادية ممكنة ويظل الشخص من دون حراك في حالة جمود حركي ونفسي غارقاً في حالة ذهول كامل عن الواقع. الصدمة النفسية تجعل المرء عاجزاً وغير قادر على ممارسة أي تحكم بالوضع كما المشاهد الذي يتفرج على ما يحصل له في استحالة القيام بالحركات القادرة على تأمين حياته.
قد تؤدي المواجهة المفاجئة مع عنف الفوضى إلى حالة كبوة عميقة ترافقها أحياناً اجترارات للحادثة المأسوية، كما في حالة موت رفيق أو عدو خلال المعركة أو موت شخص قريب خلال حادثة أو كارثة. هذه الكبوة ناجمة عن حادثة دخلت حياة المرء عنوة ويبدو الشخص فيها غبياً كما لو أنه مخدراً ولا شعور لديه ولا انفعال ولا حتى قلق. الإحساس مجمد أو في حالة جليدية. يصير الوجه خالياً من أي تعبير كما لو أنه قد تحول إلى قناع أو تمثال من ملح. هو نوع من خدر في المشاعر وإلغاء للوجود وللتفكير والكلام، وهو من آثار الصدمة النفسية العميقة التي تمس الصحة النفسية للإنسان.
وعلى العكس، حين لا تؤدي الكارثة إلى حالة جمود قد تكون ردة الفعل اضطراباً شديداً. فيتصرف المرء بطريقة غريبة، يكون كثير النشاط، ولكنه نشاط غير منظم. حركاته التي تؤشر على هلعه الداخلي تبدو خارج السيطرة. وأحياناً قد يستغرب الناس من مرحه وشدة اندفاعه وكثرة كلامه علماً أن ما يقوله يظل غامضاً وغير مترابط. وقد يغرق بعد هذه الفترة من الاضطراب العصبي في حالة ذهول، وهي من الحالات المرتبطة أحياناً بظهور اضطرابات ما بعد الصدمة.
النشاط الدائم قد يكون بالنسبة إلى البعض مرادفاً لليقظة الدائمة التي تحول دون مواجهة الكوابيس التي تؤم لياليهم. هؤلاء الأشخاص يعيشون بشكل مفرط وفي حالة دائمة من الغضب والإثارة. قد تقود حالات النشاط المفرط إلى نوبات عنيفة إلى هذا الحد أو ذاك. وفي كثير من الحالات، وقعت نوبة صرع أكدت بقسوة ظهور كابوس الصدمة النفسية. والمرضى الذين عاشوا هذه النوبات الشديدة يحكون إحساسهم المفاجئ بـ «خطر يداهمهم من كل حدب وصوب»، فيتحول بصرهم باستمرار يمنة ويسرى ثم يأتي الارتجاف العنيف والتشنج في كل الجسم والإغماء كما «السقوط في الفراغ» أو في «ثقب أسود».
أما فقدان الذاكرة الذي يلي فهو يحاول أن «يؤطر الذكرى»، هذه الذاكرة التي تسعى إلى استعادة طريقها نحو الوعي: «إذا كنت قد نسيت فهذا يعني أن شيئاً ما قد حصل، وأنه قد وقعت معي حادثة تصر على الصعود إلى السطح». وبانتظار عودة الذاكرة، تنفع النوبة لاستذكار الحادثة: الألم بدل من لا شيء، وهي محاولة نفسية لفهم آثار الصدمة النفسية.
وفي ما وراء هذه الظواهر الحادة التي جئنا على ذكرها، ستكون هذه الذاكرة المخفية أو المخبأة هي محور الظواهر الأكثر عمقاً التي سيستخدمها المرء كـ «دفاعات» أو حماية ضد ألم الذكرى ومن أجل ألا ينسى المآسي الماضية في وقت واحد، وهي آليات دفاعية نفسية ترتبط أحياناً بمحاولات التعافي من الصدمات النفسية.
نحن ضعفاء بقدر عمق جراحنا، وضعفنا يشير إلى الجرح وإلى أثره المستديم في نسيج كياننا. وسواء أكانت الثغرة ظاهرة أو مخبأة فهي تشير إلى وجود صدمة نفسية. قد تكون تعابير هذا الأثر مختلفة جداً إلا أنه موجود بعمق، وهو ما يجعل فهم الصدمة النفسية خطوة مهمة نحو العلاج النفسي واستعادة الصحة النفسية والتوازن الداخلي.
* تأليف : د. سافيريو توماسيلا
