حب نفسك كما هي: تعلم العيش مع النفس لتحقيق السلام الداخلي والتوازن النفسي
أن تحب نفسك كما أنت يشكل مشروعاً محقاً، ولكنه يشكل بالأخص الصلة الوحيدة المنقذة والمحررة في علاقة النفس مع النفس، ويعد حب النفس أساساً لتقوية التوازن النفسي. حين نرفض أنفسنا، تصير الحياة صراعاً منهكاً يحول الفرد إلى محارب جدير بالشفقة في عالم حيث يبدو العدو في كل مكان! أصعب ما يواجهه الإنسان في حياته هو النزعة اللاواعية التي تدفعه إلى كسب حب الآخر قبل أن يسمح لنفسه بأن يحب نفسه، وهذا ما ينبغي التعاطي معه بعقلانية من أجل التوصل إلى السلام الداخلي.
حين يتكون الطفل في رحم أمه يحظى بحماية ثمينة وفعّالة للغاية بفضل نوع من الطاقة النفسية والفيسيولوجية التي تعزله بالكامل تقريباً عن العالم الخارجي. وإذا كانت هذه العملية تفيد في حماية الطفل من الاضطرابات الممكنة الآتية من مجال لم يصبح بعد مجاله بالكامل، إلا أنها تضع في مقابلها لازمة معكوسة وهي أن الجنين الذي يظن أنه لوحده وبالتالي كامل القدرة، سيخلط الواقع بما يعتقد أنه حقيقي. وستولد عدم معرفته بالواقع بعض المصاعب فيما بعد، وبالأخص عندما سيتعين عليه أن يواجه التواصل الحقيقي، وهو ما يشكل حجر أساس لتعلم العيش مع النفس وتطوير الذات لاحقاً.
من حيث البنية، يؤسس هذا التواصل الأول، الذي يستثني مؤقتاً وزمنياً أي طرف آخر، من خلال هذه العلاقة الخاصة مع النفس، يؤسس نهائياً لعلاقة لا يمكن فكها بين «الذات والأنا»، وهذا إلى الأبد، وهو أمر يرسخ قبول الذات والصحة النفسية على المدى الطويل.
تتأكد هذه المسلمة الفرويدية على ضوء الأوضاع التي نواجهها في الحياة اليومية. فحين نقرر أن «نفعل» شيئاً ما، لا نقدم عموماً ثمرة عملنا، مهما كان، إلا عندما تبدو لنا النتيجة التي حصلنا عليها مرضية. أول فعل انعكاسي لأي إنجاز يمر عبر النفس وهذا أمر لا جدال فيه، ويعزز حب النفس والتوازن النفسي.
ولكن، انطلاقاً من هذه النزعة الأساسية المبرمجة في ذاكرتنا، نميل إلى أن ننسى أخذ رغبات الآخر في الحسبان. ما علينا سوى أن نلاحظ مواقفنا حين يتعين علينا أن نختار هدية لأحد المقربين منا، ففي أغلب الأحيان يبقى خيار الهدية إسقاطياً أي أننا بدرجة واعية إلى هذا الحد أو ذاك نسعى إلى أن نفرح أنفسنا أولاً! وأحياناً قد نقدم للآخر هدية لا نسمح لأنفسنا باقتنائها! لكننا نكون راضين عن عملنا كما لو أننا كنا نمتلك نحن هذا الغرض. إن نوعاً من الاعتراف بالذات يمر عبر الشكر الذي نتلقاه من شخص صار مديناً لنا بهذه الهدية، وهو ما يعزز قبول الذات والعيش مع النفس.
ثمة قطع نهائي وعنيف يفرض نفسه على الإنسان منذ ولادته وحين تفرض عليه الطلقة الأخيرة أن يغادر رحم أمه. غرق لمدة تسعة أشهر في هذه الحالة الأقرب إلى الجنة وأي خيبة هي أن يكتشف بعنف واقع البيئة العدائية فجأة! لم يعتد حرارة الجو المحيطة به وقفازات الطبيب المصنوعة من اللاتكس تفرض عليه ملامسة غريبة وأصوات الكلام الممزوجة بقرقعات الأدوات الطبية صارت كلها تصل إليه مباشرة من دون أي عازل، ومن دون أن ننسى الهواء الذي اندفع فجأة إلى رئتيه.. ها هو اللاوعي يواجه حالة من فقدان الأمان المطلق، مما يجعل التوازن النفسي والسلام الداخلي ضرورة للطفل وللبالغ لاحقاً.
يتعين عليه أن يستند إلى صدر وذراعين ليستعيد ما يشبه الغلاف المطمئن الذي فقده إلى الأبد. ولكن مهما كان من أمر، هذا الشكل الأول من التواصل لا يمكن إلا أن يكون واقعاً خارجياً جديداً. قد يكون هذا الواقع مخيفاً بحسب آليتين متكاملتين: النفس والجسد. فلنتخيل أماً تركها زوجها وتستعيد في ملامح مولودها الجديد ملامح هذا الرجل الذي هجرها.
فلنتخيل ماذا سيشعر هذا المولود الجديد نتيجة خلط الهوية اللاإرادية من قبل أمه، سيكون بالنسبة إليها مشابهاً لهذا الأب الذي هجره، وعندما يكبر سيواجه إمكانيتين شيطانيتين: فإما أن يهجر بدوره ليكون ابناً لهذا الأب، وهو ما يوازي شكلاً من الاعتراف، وإما أن يهجر. وسيتكرر هذان المخططان على المستوى العاطفي كما على المستوى الاجتماعي عبر سلسلة من الطلاقات أو عدم الاستقرار المهني.
حين تخونني قواي ألاحظ دائماً أني محاطة بأشخاص تمكنوا وعرفوا كيف يتخطون أحداثاً دراماتيكية. بالطبع، حين تنهار الأرض تحت أقدامنا ويقضي الألم علينا ويترافق مع الخوف، يكون اللاوعي كما لو أنه مجهز بمجسات وكما لو أن نزعات الحياة لدينا لا تزال موجودة وقادرة على جعلنا نرى شجاعة أشخاص ما زالوا يبتسمون على الرغم من الوضع الفظيع الذي اجتازوه أو الذي سيعانون منه على الدوام، وهذا يعزز الصحة النفسية وحب النفس وقبول الذات.
إني أحيي كل هؤلاء الناس الذين عرفوا كيف يتقبلون الحزن أو اليأس بقوة إرادتهم ومحبتهم للآخر. لقد وجدت قوتي في كلمة تشجيع أو في صمت يترك لي المجال لسكب ما يدور في نفسي من دون رقابة. ومن اللافت أن نلاحظ فيما بعد، وبعد مرور سنوات طويلة، كم أن هذه الاتصالات الغيرية تجد صدى إيجابياً وكم نستعيدها كما هي لننقلها بدورنا أو لنستخدمها مجدداً.
إليكم بعض هذه الجمل الأساسية التي أستعيدها:
- إن للألم معنى باستمرار
- صراعاتنا يجب أن تكون دائماً أقوى من آلامنا
- خيانة الآخر تحررنا
- الحياة تعطينا أكثر مما تأخذ منا
- بعد الظل يأتي الضوء
قائمة كل الممكنات طويلة وراهنة باستمرار لأن الكلمات الطيبة لا تفقد معناها مع الزمن وتتأكد نتيجتها دائماً. لكن ثمة بعض استثناءات بائسة تؤكد القاعدة. أفكر هنا بالمحاكمة الفظيعة التي أقيمت ضد شاب في العشرين من عمره، عذب والديه بالتبني وهما اللذان فتحا له أذرعتهما حينما كان في الثالثة عشرة من عمره. قرأت الرواية الصحافية لهذه المأساة وقد أبرزت الأعمال الوحشية التي قام بها هذا الولد الذي ذبح أسرته. وعلى الرغم من التفاصيل الفظيعة في المقالة، واصلت قراءتها حتى النهاية وهنا ذكرت قصة حياة القاتل القصيرة: والدان مدمنان على الكحول، أم تعنف يومياً من قبل الأب، أب ضرب الطفل بالمطرقة على رأسه عندما كان في السادسة، أب يجرح نفسه تحت أعين أولاده بواسطة سكينة فرم.. وهكذا، انتهى هذا الطفل في أحضان أسرة قبلت بأن ترعاه إلا أنه انتقم منها لما قد حل به وفرغ فيها جنون والده الذي كان هو ضحيته منذ نعومة أظفاره.. عملية القتل العنيف التي قام بها كانت تحت تأثير الكحول مع شركاء أربعة آخرين كانوا يمثلون بالنسبة إليه باقي أخوته الضحايا... وانتهى الصحافي بالقول إن القاتل لم يحرك ساكناً عند قراءة نص المجزرة وأن المحكمة لم تتأثر بطفولة هذا الشاب.
هل كان باستطاعة هذا الشاب أن يعبر بطريقة أخرى عن كل الآلام التي فرضت عليه؟ كلا، وبالأخص أن الأب كان هو أيضاً مريضاً بما أنه كان يغرز الدبابيس باستمرار في ذراعيه وهو دليل على أنه هو أيضاً قد عانى من سوء معاملة أهله. ولكن لماذا قتل هذين الزوجين المحبين؟ ليدل بدوره على أنه حين كان بريئاً وصغيراً كان هناك من يذبحه ويقتله.
هذه الحادثة التي روتها الصحف تجعلنا نفهم أن تعلم العيش مع النفس يتطلب أولاً أن نكون بسلام معها وأن النزاعات، حينما تسيطر على الحياة اليومية، يجب أن تجعلنا نتصرف لأن الانزلاقات النكوصية تبقى حية في داخلنا.
تعلم العيش مع النفس يتطلب إذاً ألا ندخل في لعبة منحرفة مع شخص يسعى إلى إفقادنا استقرارنا. إن القيام بهذا الانسحاب القوي يستلزم أن نحب أنفسنا بما فيه الكفاية حتى لا تطالنا التوبيخات وأعمال الظلم والشتائم التي تستهدفنا. من المؤكد أن ثمة صعوبة وهي أننا نعلم تماماً أن معاشرة جلادنا «ترضينا» بشكل غير واع. فنحن ننشغل في الرد وننسى أنفسنا. يكمن الجانب العملي في هذه الاستراتيجية في أننا لن نضطر إلى الاهتمام بثغراتنا التي نسقطها بسهولة على المعتدي. فإذا كان العيش مع النفس يردنا إلى قبول الجراح الداخلية التي ينبغي تحويلها وإلى خوض هذه المعركة مع الذات، علينا أن نستغل كل طاقاتنا ومواهبنا النائمة في أعماقنا.
إذا كان من الضروري أن نفكر بوضعية نزاعية، علينا أن نحدد بموضوعية مسؤوليتنا في النزاع ليصير هذا الأمر عادة سليمة في حياتنا ولا نهدر طاقتنا في صراعات داخلية عقيمة. عند الإصغاء إلى أنفسنا، ثمة إشارات وعلامات مميزة تسترعي انتباهنا لتذكرنا باستمرار أن أفضل حليف لنا هو نفسنا وأنها تملك الكثير لتقوله لنا. هذه الإشارات القابلة للتحليل يمكن تحويلها إلى مناسبات للنضج، ولكن شرط أن نتخلص من نظرة الآخر التي تحبسنا في أشكال نمطية وأن نتخلص من مآسي الطفولة عند إدراكها وتحويلها إلى بئر نستقي منها طاقاتنا الخفية.
تأليف: شانتال كالاتايو
