بعد أسابيع من الاستكشاف على طول سواحل العالم الجديد، دخل أسطول السفن الأربع، بقيادة المستكشف البرتغالي فرديناند ماجلّان، خليجاً مهجوراً، تحمله تيارات عاتية. وتحت سماء رمادية كثيفة، انزلقت السفن بين المنحدرات الجليدية، والغابات المتحجّرة. وأمام مقدمة السفينة الرئيسة، بدت القنوات المتعرّجة والجزر العديدة كأنها متاهة متداخلة، وخلف تلك اللوحة، بدت جبال الأنديز شامخة بقممها الشاهقة، تحضن الوديان والسهوب.
مرَّت 500 عام
«باتاغونيا»، هي تلك المنطقة الشاسعة التي وصلها ماجلّان عام 1520، خلال رحلته الاستكشافية حول العالم، أثناء عبوره مضيقاً في أقصى جنوب أمريكا الجنوبية، أطلق عليه لاحقا اسم «مضيق ماجلّان».
كان ماجلّان أول من وطأت قدماه «باتاغونيا»، حيث التقى بسكان تيويلتشي الأصليين الذين بدوا بقاماتهم الفارعة كأنهم عمالقة، مقارنة بالأوروبيين، فأطلق عليهم اسم «باتاغونيس»، أي ذوو الأقدام الكبيرة، ومنه اشتُق اسم تلك الأرض.
نهاية العالم
البعض يرى في «باتاغونيا» نهاية العالم، لكونها تقع في أقاصي المعمورة، وما زالت تحتفظ بتضاريسها، وروائعها الطبيعية. و«بتاغونيا»هي ليست دولة مستقلة، بل هي جزء من "الأرجنتين»، و«تشيلي»، في الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية، وخاضعة لحكم البلدين.
تغطي «باتاغونيا» قرابة مليون كيلومتر مربع من الأرض، أي ما يقارب 40% من مساحة الأرجنتين، و25% من مساحة تشيلي. يحدّها المحيط الهادئ من الغرب، و المحيط الأطلسي من الشرق، ويقع إلى جنوبها مضيق ماجلّان، وتتميّز بمساحتها الهائلة، وتنوّعها الطبيعي الكبير، فهي أرض ساحرة شاسعة، ومحمية معزولة، تجمع بين السهوب القاحلة، والغابات الكثيفة، والأنهار الجليدية المتلألئة، والبحيرات الزرق الصافية، والوديان العميقة، والتكوينات الصخرية الخلّابة.
كثافة سكانية منخفضة
لا يزيد عدد سكان «باتاغونيا» على مليوني نسمة، وهو عدد قليل مقارنة بمساحتها الشاسعة، ويتوزع سكانها بشكل غير متساوٍ بين المدن الكبرى والمناطق الريفية المعزولة. وهم يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة، وتربية الماشية، والسياحة، واستغلال الموارد الطبيعية. مع ذلك، تواجه المنطقة تحدّيات بيئية تتعلق باستغلال الموارد وتغيّر المناخ، الأمر الذي يُهدد أنظمتها البيئية الهشة.
مختبر طبيعي للبعثات العلمية
تشكل «باتاغونيا» أرضاً خصبة وفريدة لدراسة التفاعلات بين المناخ والتنوع البيولوجي والديناميكية الجيولوجية. فهي تُمثل مختبراً مفتوحاً حقيقياً يجمع بين البيئات الطبيعية المتنوعة. وتعد حقولها الجليدية بين الأكبر في نصف الكرة الجنوبي، وهي تشكل تحدّياً للقدرات البشرية على التكيف والتعايش. كما تُعد وجهة مثالية لعشاق الطبيعة والمغامرة، حيث توفر فرصاً للتنزّه، وتسلّق الجبال، ومشاهدة الحياة البرية. وهي موطن للموارد الطبيعية من ثروات نفطية وغازية، ومعادن، ومياه عذبة.
وتُجري فرق دولية بعثات إلى «باتاغونيا» لدراسة تأثير الاحتباس الحراري في الأنهار الجليدية، والتنوّع البيولوجي. وعلى غرار مشروع «باتاغونيا الجليدي»، الذي يقوده علماء أرجنتينيون وتشيليون، ويدرسون من خلاله تطوّر حقول الجليد في المنطقة لفهم تراجع الأنهار الجليدية، وتأثير ذلك في مستويات سطح البحر، يُكرّس باحثون من جامعة «ماغالانيس» جهودهم لدراسة الغابات شبه القطبية الجنوبية، ومراقبة تكيّفها مع تغيّر المناخ.
إلى ذلك، تُعد «باتاغونيا» موقعاً رئيساً للدراسات الجيولوجية والبيئية. كما تتيح البعثات، مثل تلك التي تُجرى في منتزه «لوس غلاسياريس الوطني»، دراسة تطور الظواهر الجيوفيزيائية في تلك المنطقة المعزولة.
وبشكل عام، تُعد هذه البعثات ضرورية لفهم الديناميكيات الطبيعية، وآثار تغيّر المناخ، ولكنها في الوقت ذاته، تثير تحدياتٍ في مجال الحفاظ على البيئة في ظل تزايد الضغط السياحي، واستغلال الموارد.