غالباً ما نسمع الأهل يدعون الله أن تمر مرحلة المراهقة التي سوف يعيشها أبناؤهم على خير، ويرددون مخاوفهم: قد لا نستطيع السيطرة أو إدارة العلاقة معهم. أو نسمع أهلاً آخرين يقولون إنهم مرّوا بمرحلة صعبة جداً مع أبنائهم في هذه الفترة العمرية، وإنهم لم يدركوا كيفية إدارة مرحلة المراهقة أو التعامل مع المراهقين بالشكل الصحيح.
فالبعض من الأبناء قد شرد عن المبادئ والقناعات العائلية وأخذ اتجاه الانحراف، والبعض الآخر عاش الكثير من الرفض والعدائية لكنه سرعان ما عاد إلى الانضباط العائلي. وهنا يطرح السؤال نفسه، هل إن مرحلة المراهقة هي المرحلة التي يتخذ الأبناء خلالها خطهم في الحياة؟
الإجابة هي نعم، ولكن ما قد لا تعرفه عزيزي القارئ هو أن التحول يحصل في هذه المرحلة، ولكن ليست مرحلة المراهقة هي المسؤولة عن هذا التحول بشكل عام.
فمسيرة الحياة كلها منذ السنوات الأولى للولد، وعلاقته بأهله، والبيئة المحفزة، وما يعيش من تفاصيل، كلها عوامل تنذر بما سوف تكون عليه مرحلة المراهقة التي سيعيشها الطفل. ونحن في استخدامنا لكلمة طفل نلتزم بالمعايير الدولية التي تحددها منظمة الصحة العالمية باعتبار كل شخص دون سن الـ18 طفلاً وهو بحاجة إلى حماية. لذا نميز بين المراهقة الصعبة ومراهقة تمر بصعوبة.
فـالمراهقة الصعبة هي حصيلة كل ما عاشه الولد في طفولته قبل مرحلة البلوغ والمراهقة. فنراه يستصعب الخضوع للقوانين والامتثال للقواعد المدرسية أو البيتية، لا بل قد يصبح منحرفاً أو مدمناً للمخدرات أو فاشلاً وغيرها من الأمور التي تصعب عليه عملية التكيف مع المجتمع الراشد، وبالتالي نراه يعيش نضجاً مبكراً ولكن غير واعٍ قد يسبب له الدخول إلى السجن أو العيش على عكس ما يفرضه القانون.
أما الطفل الذي تمر مرحلة المراهقة لديه بصعوبة، فيمكن في معظم الأحيان اعتبار هذه الصعوبة طبيعية لأنها مرتبطة بالتغيرات الجسدية والنفسية والعلائقية وغيرها والتي قد لا يتقبلها الطفل بسهولة، أو قد يعيش اصطداماً بواقع لم يكن ينتظره أو لم يكن جاهزاً له. فالتغييرات الكبيرة التي يمر بها الأبناء في مرحلة المراهقة سواء كانت فسيولوجية أو نفسية أو فكرية، تجعل الكثيرين منهم يعيشون خلافات ومشكلات نتيجة لهذه المرحلة.
ولهذا فعلى الأهل أن يدركوا أهمية مرحلة المراهقة وضرورة التعامل مع المراهقين بحكمة من أجل مرورها بسلام، فغالباً ما يخطئ الأهل في تقدير الظروف التي يمر بها الولد، وبدلاً من أن يلعبوا دوراً فعالاً في مساعدته على تخطيها، نراهم يتحولون إلى عشوائيين في التعاطي مع الأبناء، وإلى متشددين من دون مبررات موجبة، ما يصعب عليهم المهمة ويعقد مرور المرحلة، وبالتالي يخلق شرخاً كبيراً بينهم وبين أبنائهم.
ويكبر هذا الشرخ تحديداً في حال لم تكن العلاقة بين الأهل والأبناء قائمة على الوفاق والتفاهم منذ سنوات الطفل الأولى. وعلى الرغم من أن مرحلة المراهقة هي مرحلة مرتبطة بالمراحل العمرية التي تسبقها والتي تليها، فإن لها خصائصها التي تتطلب تدخلاً خاصاً من قبل الأهل.
فهناك الكثير من الأمراض النفسية التي يمكن للولد أن يطورها في سن المراهقة في حال كانت المراهقة الصعبة أو تمر بصعوبة. ولكن عزيزي القارئ، هذه المرحلة العمرية لا يمكنك اجتزاؤها من حياة الولد، كما أنه لا يمكنك أن تتعامل مع الابن بشكل غير مترابط. بمعنى أنه لا يمكنك أن تكون أباً صارماً وقاسياً وعنيفاً في سنين الطفولة، وعندما يصبح الابن في مرحلة المراهقة تطلب الصداقة معه ومعرفة أسراره وغيرها من الأمور، لأنه لن يثق بك.
على العكس، سوف يستفيد من هذه المرحلة كي يبقيك بعيداً عن خصوصيته. فإن لم تكن صديقاً مع الابن في طفولته، وتبنِ معه علاقة ثقة بين الأهل والأبناء، لن تتمكن من استكمال العلاقة معه في مراهقته.
وتبقى النقاط الأهم أن الأبناء في مرحلة المراهقة يتحولون إلى أشخاص مفرطي الحساسية، ومشاعرهم مرهفة، وقابلين للإيحاء، لذلك من الضروري الحفاظ على علاقة جيدة بهم كي لا يتأثروا بعوامل خارجية قد تكون مدمرة.
وفي النهاية، كل من يرى صعوبة في مواكبة مرحلة المراهقة لدى أبنائه، فمن الجيد أن يبحث عن المساعدة منذ البداية لدى أصحاب الاختصاص في الصحة النفسية للمراهق.
ختاماً نشير إلى أنه إن عشتم اختباراً مميزاً، جيداً أم صعباً، مع أحد الأبناء، فذلك لا يعني التعميم على جميع الإخوة، والانتظار من الجميع أن يمروا بما مر به أحدهم، لأن لكل منهم طباعه وشخصيته وحياته، والتي تختلف عن أقرانه الذين تربوا معه في المنزل نفسه وعلى يد الأهل أنفسهم.
اقرأ أيضاً:
- اكتئاب الطالبات... مؤشرات لا يجب تجاهلها و7 استراتيجيات للتعافي
- رحلة الأبناء نحو المراهقة المطمئنة... أسرار الحوار والاحتواء
- ابنتي المراهقة مزاجية جداً وعصبية ونفسيتها سيئة! كيف أتعامل معها؟
- اكتشف الاكتئاب المقنّع عند المراهقين.. و7 استراتيجيات فعالة للتعامل معه