هل هم ضحايا أم مرضى نفسيون ربما هم أصحاب تجارب فاشلة أو مشاكل دائمة.. تلك الفئة من البشر الذين احترفوا الشكوى المستمرة من كل شيء وأي شيء.. أزواجهم، عائلتهم أو رؤسائهم في العمل، هؤلاء يخلفون وراءهم حالة من السلبية والشعور بالكآبة، وتترك آثارها في محاولتهم التواصل مع الآخرين، وهو ما يؤدي بالنهاية لخلق فجوة في علاقاتهم الاجتماعية وحتى الأسرية، والأسباب وراء هذه الحالة متعددة، ففي بعض الأحيان تأتي تعبيراً عن وضع طارئ، وأحياناً أخرى تكون بهدف كسب العطف وطلب للنصيحة، لكنها تنقلب في بعض الأحيان لتتحول إلى صفة ملازمة للبعض مع ما يتبعها من التذمر المستمر والسخط والاستغراق في التمركز داخل معاناتهم رفضاً لأي حلول، «كل الأسرة» استطلعت الآراء وسألت للتعرف إلى أسباب هذه الحالة من خلال التحقيق التالي:
من خلال تجربته الشخصية يؤكد عبد الله محمد «هناك الكثير من الأشخاص كثيري الشكوى والتذمر، ويعود تصرفهم على هذا النحو لطبيعة التنشئة الاجتماعية فقد يكون الشاكي قد نشأ في بيئة كثيرة الاعتقاد «بالحسد والعين»، أو بين أشخاص وعوائل يتميزون بالبخل، بينما آخرون ممن تغيرت بهم الحال من الشدة إلى الرخاء، ومن ضيق ذات اليد ليسر الحال تراهم يميلون لأن يظهروا للآخرين ما آلت إليه حالتهم المادية الجديدة.
ويذكر محمد «صدمت بصديق كان دائم الشكوى بشكل مستمر من عدم قدرته المادية على تسديد فواتير الكهرباء، وأقساط المنزل أو ضعف الإمكانية المادية، وعدم القدرة على تلبية متطلبات الأبناء لكني فوجئت بشرائه لفيلا من 3 طوابق ومرة أخرى بسفره للسياحة في باريس، مثل هذه التصرفات تركت لدي انطباعاً سيئاً عنه، وجعلتني أتردد كثيراً في تقديم المساعدة له في المستقبل لأنه أساء إلى ثقتي به ومساعدتي له».
التنشئة الاجتماعية وأثرها في تكوين الشخصية المتذمرة
من جهتها تقول نورة ياسر: «الشكوى لغير الله مذلة» وعدم الشكر لنعم الله يولد عدم الرضى والسخط والقناعة تجلب الزيادة، وتوضح أن هذا التصرف يعود إلى أساليب التربية، فالطفل الذي ينشأ على تلبية جميع متطلباته يصبح متطلباً، ولا يكتفي بأي شيء يوفره له الأهل ويصبح غير قنوع فيتأصل معه هذا السلوك ليصبح صفة ملاصقة له حتى في الكبر.
بدوره يضيف زوجها «الي يشوف مصائب الناس تهون عليه مصيبته» الكثير من الأشخاص يرى أن مشكلاته هي نهاية العالم، بينما هو غير قادر على استيعاب أن مشكلات البعض قد تكون أكبر مما لديه من مشكلات مادية أو مع مديره في العمل، والبعض يرى في عدم دخول ابنه مدرسة معينة مشكلة كبيرة، بينما هناك من هو غير قادر على توفير لقمة العيش.
ويذكر «لدي قريب كثير الشكوى من والده وإخوته وعندما توفي والده صار يشتكي من زوجته وأبنائه، وكلما حاولت نصحه وإقناعه بوجود مشكلات أكبر مما يراه كان يغير من سلوكه و«يحمد الله» لفترة لكنه كان يعود إلى سيرته الأولى مرة أخرى حتى أصبح شخصاً غير مرغوب فيه يتجنب الجميع التواصل معه».
كثرة الشكوى بين الحاجة للدعم النفسي والبحث عن التعاطف
ويرى جابر محمد أن السبب الرئيسي وراء كثرة شكوى البعض يعود لضعف الوازع الديني فالإنسان غير الملتزم دينياً، وغير المؤمن بقضاء الله يصبح تفكيره منصباً على التخطيط بشكل مستمر حول كيفية تسيير أمور حياته المادية للفترة المقبلة مسبقاً، ويذكر جابر أحد أقاربه الذي أنعم «الله» عليه بالمال لكنه كان دائم الشكوى.. فكيف لصاحب الدخل المحدود والموظف.
يضيف من الممكن أن يشتكي البعض طلباً للنصيحة فيجد من خلال شكواه طريقة أو مقترحاً أو حلاً ممكن أن يساعده في حل مشكلته، إلا أن كثرة التذمر والشكوى لبعض الأسباب بصورة دائمة تبقى صفة مذمومة مهما كانت دوافعها.
عدم الرضا عن الحياة وعلاقته بالتذمر المستمر
الكثير من الأشخاص يعانون من عدم الرضا عن الحياة والقناعة وفقدان السعادة والتي قد تدفع بهم لحالة من الانطواء عن المحيط الخارجي نتيجة كثرة شكواهم وتذمرهم، والتي يقف وراءها عدم التكيف مع محيطهم الأسري، فقد يشكو الزوج زوجته أو الزوجة زوجها وهي من أخطر أنواع الشكوى لأنها تنعكس على استقرار الحياة الزوجية والأسرية أو نتيجة اضطراب العلاقة مع الأبناء سواء من قبل الأم أو الأب أو سوء العلاقات الاجتماعية التي تربط الفرد بالأهل والأصدقاء، أو قد يكون السبب وجود مشكلات داخل محيط العمل كوجود توتر مع الزملاء أو مدير العمل أو ضغط العمل ذاته، أو الشكوى بسبب الحالة النفسية فالبعض يتوهم المشكلات ويضخم منها، وقد يقف وراءها الشعور بالغبن أو الحاجة المادية، أو لقلة الوعي والفهم والإدراك، وقد يكون هذا السلوك طبيعياً ومقبولاً للتعبير عن الحالة النفسية التي يمر بها الفرد في بعض الأحيان لكنه يصبح غير مرغوب به لو تحول إلى سلوك مرضي.
هل تؤدي الإحباطات المتراكمة إلى صناعة الشخصية السلبية؟
وأن العوامل المختلفة قد تكون سبباً في اتباع البعض لهذا النمط من التصرفات فهي قد تكون أقرب إلى كونها حالة مرضية يمكن دراسة أسبابها والعوامل المؤثرة في تناميها، وقد يكون لها علاقة بعوامل التنشئة الاجتماعية منذ الطفولة في الأسرة أو المدرسة، وقد تلعب تجارب الشخص الفاشلة دوراً في بناء شخصية سلبية غير راضية عن نفسها، يضاف إلى ذلك أن الشخص قد لا يعرف قدراته ومواهبه، وبالتالي يعمل أو يمارس أعمالاً لا تتناسب مع قدراته، واستعداداته الذاتية فيكون في المكان الخطأ، ومن الطبيعي أن يفشل في مجال معين أو يجد نفسه غير مقبل على العمل ولا يحقق النجاح فيه ومع الزمن تتراكم الإحباطات التي قد تولد هذا النوع من الشخصيات المتذمرة.
ومن الفوائد الإيجابية للشكوى التي تجلب للشخص الدعم المعنوي والنفسي والذي يأتي من خلال الحديث عن المشكلات اليومية، والتي قد تجلب الدعم عن طريق الاحتكاك بذوي الخبرة أو من خلال أشخاص مروا بنفس التجارب، وتكون الشكوى في الكثير من الأحيان طريقة للتنفيس عن المشاعر المكبوتة التي قد تؤدي في الكثير من الأحيان إلى الاكتئاب والكبت.
متى تصبح المعاناة جزءاً من هوية الشخص كثير الشكوى؟
إن الشخص كثير الشكوى كلما حاولت أن تقدم له حلاً لأزمته أغلق الباب مدعياً عدم جدواه وكأنه عاشقاً لهذه المعاناة متمنياً ألا تنتهي، وهناك نوع من الأشخاص يرى أن المشكلات والأزمات هي محور الحياة، وكونه يعاني ويتألم فهو بذلك يستحق التعاطف والمودة من الآخرين، وتقدر أهميته بحجم المأساة التي يعيشها، والبعض منهم يرغب في استمرار معاناته وألا يضع نهاية لها، والكثير من هؤلاء الأشخاص عندما يكتشف أن المعالج النفسي في العيادة النفسية تمكن من فهمه وفهم معاناته وأصبح قريباً من مساعدته للتخلص منها، يحاول «التعثر» في العلاج محاولاً البحث عن مختصين آخرين يجهلون الحالة التي يعيش فيها على أمل ألا يتمكنوا من اكتشاف ما يعانيه وبذلك تستمر المعاناة لأطول فترة ممكن فتلك «المعاناة» هي منتهى المتعة بالنسبة له.
كثيرة هي هموم الحياة وصعوباتها يقف البعض أمامها أحياناً مكتوف الأيدي حائراً عاجزاً ليكتفي بالشكوى مما هو فيه دون فعل شيء لتغيير واقعه أو السعي لتحسينه.
نصائح فعالة للتوقف عن الشكوى والتذمر واستعادة التوازن النفسي
- وضع حدود في الحياة والالتزام بها: فكثيراً ما يتذمر الفرد بشأن تصرفات الآخرين غير المرغوبة، بدلاً من الحديث معهم ومحاولة فهم سلوكياتهم تلك على الأقل.
- تقدير الجهود وعدم ضياعها بالتذمر: فقد اعتاد البعض على التركيز على الجهد الذي بذلوه لتحقيق أمر ما بلهجة متذمرة مملوءة بالضيق مما يتسبب في ضياع الجانب الإيجابي فيما أنجزوه سواء أمام أنفسهم أو أمام الآخرين، إذ يجب إبدال مشاعر التعب والضيق التي يشعر بها بمشاعر الفخر والفرح بما تمكن من إنجازه.
- التوازن في الأحاسيس: من الصعب في بعض الأحيان كبت المشاعر السلبية التي تجتاح الفرد والتي يمكن مواجهتها من خلال موازنتها مع الإيجابيات التي يمر بها، لذا على الفرد أن يسمح لنفسه بأن يشعر بالضيق ويعبر عنه لكن بحدود المعقول وفي ذات الوقت التفكير دائماً بالجانب الإيجابي.
- عدم الخجل من طلب مساعدة الآخرين: قد يكون التذمر محاولة لطلب المساعدة، البعض يخجل من طلب المساعدة فيكون طلبها بشكل مبطن عن طريق التذمر، لذلك على الفرد طلب المساعدة بشكل مباشر دون خجل فالحياة هي تبادل أدوار، اليوم أنت تطلب المساعدة غداً أنت تقدمها.
اقرأ أيضاً:
- كيف تتحكم في انفعالاتك؟ 5 استراتيجيات فعالة لتحقيق التوازن الانفعالي والثقة بالنفس
