08 يونيو 2026

كيف نفهم مشاعر الطفل ونتعامل معها؟ طرق التعامل مع غضب الطفل والتربية العاطفية السليمة

أستاذة وباحثة جامعية

مجلة كل الأسرة

يقدم هذا الكتاب كل المفاتيح المطلوبة لفهم انفعالات الطفل ومشاعره ولمساعدته على اجتياز عواصفه العاطفية، وهو يستقي دروسه من الحياة اليومية ويساعد الأهل في فهم الخوف والغضب والفرح والحزن وحاجة الطفل إلى التعبير عن هذه المشاعر بهدف مرافقته في رحلته نحو الاستقلالية وتكوين شخصيته.

ليس من السهل دوماً الإصغاء إلى انفعالات الأطفال، فهي تحركنا وتهدد شعورنا بأننا «أمهات وآباء صالحون»، تفقدنا الإحساس بالأمان إذ لا ندري كيف نتعامل معها. تضعنا في مواجهة فشلنا حتى أننا نرغب في أعماقنا ألا يقوم أطفالنا بالبكاء أو الصراخ أو التدحرج على الأرض. نفضل في الحقيقة ألا تعتمل في نفوسهم هذه الحدة من المشاعر.

لكن الحال ليست كما نشتهي، ومشاعر الطفل هي أعز ما يملك إذ هي تحمل شعوره بالهوية وبوجوده الخاص. الطفل العاقل والهادئ دائماً يحمل شيئاً ميتاً في داخله، فالحياة هي الحركة واللاحركة جماد. وحتى يصير الطفل جامداً لا بد وأنه قد قتل الحركة في داخله. أما الانفعال فهو حركة الحياة بحد ذاتها، هي حركة تنطلق من الداخل وتعبر نحو الخارج وتقول لي ولمن يحيط بي من أنا.

فالخوف يساعد على تحضير النفس وحمايتها، والحزن يرافق الخسارة، والفرح هو انفتاح نحو الخارج وانطلاقة نحو العالم، والغضب يرسم حدودنا وحقوقنا ومساحتنا وسلامتنا الداخلية، وهو رد على الإحباط الذي يصيبنا، أما الحب فهو ما يربطنا بالآخرين. وهكذا فإن البكاء والصراخ والارتجاف هي بمثابة علاجات لتوترات الحياة التي لا بد منها. وحياة الصغير مليئة بالإحباطات والتساؤلات والمخاوف والغضب.

كل صغار الأطفال بحاجة إلى البكاء مهما كانت درجة الإحاطة التي يحظون بها. فالانفعال يمكننا من استعادة أنفسنا ومن إعادة بنائها بعد الإصابة بجرح ما. والحادثة الجارحة، سواء أكانت بعد محنة أو ظلم أو سواهما لا تتحول إلى صدمة إلا إذا لم نطلق لها العنان لتعبر عن المشاعر التي تثيرها. فالسيولة العاطفية هي ضمانة الصحة النفسية.

هل هذا يعني أنه ينبغي أن نخضع لكل نزوات الطفل ورغباته؟ كلا بالطبع، فاحترام مشاعر الطفل والإصغاء إليها لا يعني إرضاءها بشكل منهجي. مما لا شك فيه أن مسألة رفض إرضاء رغبات الطفل وإحباطه تطرح في مختلف مراحل نمو الطفل وتطوره.

مجلة كل الأسرة

وبين الأهل «المتراخين» إزاء طلبات الطفل والأهل «السلطويين» الذين يمارسون كماً كبيراً من الرفض، أين تقع حاجات الطفل الحقيقية؟ في كتاب «الذكاء العاطفي» للعالم النفسي دانييل غولمان تجربة قام بها عالم نفسي آخر اسمه والتر ميشل، على أطفال في الرابعة من عمرهم. قدم إليهم الاقتراح الآتي قائلاً: «أنا سأغادر الغرفة، وأترك لكل واحد منكم قطعة حلوى واحدة في علبة.

فإما أن تأخذوها خلال غيابي وتكونوا قد حصلتم على قطعة حلوى واحدة، وإما أن تصبروا حتى أنهي ما يجب أن أفعله لأعود وأعطي كل من صبر منكم قطعتين من الحلوى بدل واحدة». ثلث الأطفال تقريباً سارعوا إلى تناول الحلوى بمجرد خروج والتر ميشل من الغرفة فيما انتظر الثلثان عودته وحصلوا على قطعة حلوى ثانية.

وبما أن هذه التجربة قد أجريت في جامعة ستانفورد، كان بالإمكان متابعة الأطفال خلال حياتهم الدراسية. وبعد مضي اثنتي عشرة إلى أربعة عشرة سنة، ظهرت الفوارق على المستويين النفسي والاجتماعي بين الفريقين بشكل ملفت للنظر.

فمن قاوموا رغبة تناول الحلوى مباشرة كانوا أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر متانة وفعالية وقدرة على تخطي العقبات. كما كانوا أقل ضعفاً إزاء الشك والخوف والفشل وأكثر مقاومة للتوتر وإصراراً على متابعة أهدافهم على الرغم من الصعوبات.

وفي المقابل، من تناول من الأطفال قطعة الحلوى مباشرة كانوا يحملون شخصية أكثر اضطراباً تتسم بالعناد والتردد وتجنب الاتصال بالآخرين وسرعة الانزعاج حين لا تسير الأمور كما يرغبون والتخلي عما يقومون به في حال صادفتهم مصاعب ما.

وفي آخر مرحلة الدراسات الثانوية أحرز الفريق الأول نتائج أفضل بكثير بنسبة 20% من نتائج الفريق الثاني. فالقدرة على مقاومة النزعة الفورية وتأخير إرضائها مهم جداً بالنسبة إلى المستقبل.

ومنذ سن الرابعة من العمر يمكن التنبؤ بأداء الطفل وقدراته المستقبلية. وفي هذا المجال، نجد أن المدمنين والمنحرفين هم الأشخاص الذين لا يحتملون الإحباط ولا أن تقف أي عقبة أمام رغباتهم. فالقدرة على التعامل مع الإحباط وتأجيل إرضاء الرغبة وربط الحاضر بالمستقبل هي عناصر أساسية من القدرة على السعادة وتحقيق المشاريع وإقامة علاقات متناغمة مع الآخرين.

ولكن كيف يتعلم الطفل التعامل مع الإحباط؟ إن إحباطه بشكل مقصود مصيره الفشل. فترك الطفل الصغير يبكي ورفض حمله بين الذراعين وحرمانه من هدية أو قبلة هي استراتيجيات استخدمها أهلنا حتى لا «يفسدونا» وحتى يربوا في داخلنا قوة الإرادة. لكن هذه الطرائق لم تثبت فعاليتها.

إذ يشعر الطفل بسببها بحساسية مفرطة إزاء الإحباط ليصير أي تأخير في إرضاء نزعاته أمراً لا يحتمل، لأن النقص يولد القلق فيسعى إلى السيطرة عليه عبر الإدمان على الكحول أو المخدرات أو السلوكيات القهرية، أو يضع درعاً حول نفسه ويتعلم كيف ينكر حاجاته العميقة.

نحن نعلم أن كماً كبيراً من الإحباطات قد تكون مصدراً للصدمات ولكن نعلم أيضاً أن الإحباط ضروري ويساعد المرء على النضوج، كما نعلم أن ثمة رغبات وحاجات وأن الاثنتين ليستا على المستوى ذاته.

فالأطفال ليسوا بحاجة إلى سيارة حمراء أو إلى لعبة شقراء، هم يرغبون في اقتنائها. لكنهم بحاجة ماسة إلى أن يتم احترام وسماع غضبهم الذي هو تعبير عن إحباطهم. واضح أنه من المهم ألا نقول نعم لكل شيء وأن الرفض مبرر ويساعد على النضوج. عندما يلقي الطفل بنفسه إلى الأرض في نوبة غضب، هو ليس بحاجة فعلاً إلى الحلوى التي يطلبها حتى لو كان يرغب فيها بشدة.

بل هو بحاجة إلى التعبير عن إحباطه وهو يسعى إلى أن يلقى غضبه آذاناً صاغية. وهذا مهم بالنسبة إليه لأنه بحاجة إلى التأكد من أن رفضك لا يعني قطيعة معه. لقد قلت له «كلا» وهذا يعني بالنسبة إليه أن علاقتك معه في خطر وسرعان ما تتفوق عليه حدة الشعور الذي ينتابه. هو يصرخ ولكن راقبه، تراه ربما يسعى إلى ضربك أي أنه يسعى إلى الاتصال معك. وإن ابتعدت سيضرب الجدار أو شيئاً ما أمامه ويتدحرج على الأرض، فهو بحاجة إلى إصلاح العلاقة.

فلا تحرمه إذاً من هذا الاتصال لحظة احتياجه الأقصى إليه. إليكم ما حصل بيني وبين ابنتي مارغو: كنا في صالة السينما وخلال الاستراحة، نظرت مارغو برغبة شديدة إلى مجموعة البالونات التي كانت تمر بين صفوف المقاعد وقالت لي: «ماما، أنا أريد بالوناً». كان باستطاعتي أن أجابهها بالرفض وأن ألقي على مسامعها درساً أخلاقياً كقولي: «لا أستطيع دائماً أن أشتري لك من هذه البالونات فهي غالية الثمن»، أو كان باستطاعتي أن أكذب وأقول لها: «لم يعد معي أي مال»، أو أن ألفت انتباهها إلى أمر آخر كقولي: «أنظري إلى البرنامج معي وأريني كيف تستطيعين قراءته».

بيد أني نظرت إلى البالونات ووجدت أنها جميلة فقلت: «البالون الذي أفضله هو رسم الببغاء»، فردت قائلة: «أنا أفضل الحورية الخضراء!» وهكذا عبر كل واحد منا عما يحبه وقضينا لحظة طيبة في التحدث وفي الحلم معاً من دون أي حاجة إلى شراء البالون.

واختفت الرغبة التي عبرت عنها ابنتي أما الحاجة التي تم إشباعها فهي حاجتها إلى أن تشعر بالارتباط وبالمشاركة.

لا أقصد أن هذا هو السلوك المنهجي الذي يجب أن يكون دائماً. فإرضاء الرغبات بإعطاء الحلوى أو الهدايا ليس سيئاً بحد ذاته، ورفض شراء أي شيء بحجة أن الطفل ليس في حاجة إليه هو نوع من الظلم. وقد يستنتج الطفل أن المتعة ممنوعة عليه مع كل ما يمكن أن يحمله هذا الشعور من نتائج على الشعور بفرح الحياة الحاضرة والمستقبلية لديه.

من المفيد أن نتذكر أن الحلوى أو البالونات التي تعطى أو تحجب ليست مجرد حلوى أو لعبة، بل هي ذرائع لتعلم كيفية إقامة العلاقات.

وليس من المرغوب فيه أن نمكن هذه الأمور من التأثير في علاقتنا مع أطفالنا. الإحباط لا بد منه في الحياة، وليس من الضروري أن نبالغ فيه. فأنت ستحبط طفلك بالضرورة يوماً ما إما حتى يحترم حاجاتك أو من أجل حمايته والمحافظة على صحته. والسؤال المطروح هو: كيف نرافقه في كيفية عيشه لهذا الإحباط؟ وهنا، ثمة إجابة واحدة: القبول بالإصغاء إلى غضبه.

*تأليف: د. إيزابيل فيليوزا