الانضباط بدون عنف: كيف تساعد مرونة دماغ الطفل في بناء شخصية متوازنة؟
يحلم الأهل بأن يحققوا انضباط الأطفال من دون أن يتحولوا بأنفسهم إلى ضباط شرطة. ولكن ما العمل حين يرمي الطفل بطبقه أرضاً أو حين يصرخ بأعلى صوته في المطعم؟ انسوا كل ما تعرفونه عن أساليب التربية التقليدية لأن هذا الكتاب يقدم إليكم مقاربة جديدة مبنية على كل ما كشفه العلم عن الطفل، عن دماغه وعن حاجاته، ليقدم مجموعة من الأدوات التي تحقق هدوءاً أكبر في العلاقة بين الطفل وأهله ضمن التربية الإيجابية.
النجاح في تعليم الطفل شيئاً يشبه انضباط الأطفال أمر صعب وصعب جداً. وفي كثير من الأحيان تجري الأمور على الشكل الآتي: يقوم الطفل بعمل ينبغي ألا يقوم به، تغضبون، يصاب الطفل بالتوتر، تسيل الدموع وأحياناً من الطرفين.
الأمر مرهق: دراما وصراخ وإحساس بالذنب وحزن وشعور بالقطيعة مع الطفل. ثم تسألون أنفسكم ما إن كنتم حقاً قادرين على القيام بهذه الأمور بطريقة أفضل في إطار تربية الأطفال بدون عنف.
أنتم تريدون أن تضعوا حداً للسلوك غير السوي ولكنكم تريدون أيضاً أن تتصرفوا بطريقة جيدة تحسن علاقتكم مع طفلكم، لأنكم تريدون بناء هذه العلاقة لا إلحاق الضرر بها ضمن العلاقة بين الأهل والأطفال.
وهذا ما يرغب هذا الكتاب بإعطائكم إياه. أنتم قادرون على تعليم أطفالكم الانضباط بدون عنف بطريقة محترمة ومحبة ومناسبة لوضع قواعد واضحة ومتماسكة. ونحن نقدم إليكم في هذا الكتاب طريقة لتحقيق الانضباط مبنية على ما علمتنا إياه العلوم العصبية.
وسنقترح عليكم مبادئ واستراتيجيات تساعدكم على إزالة البعد الدرامي والانفعالات القوية التي ترتبط عموماً بعملية الانضباط. وستصير حياتكم في النهاية أكثر بساطة وستتمكنون من خلق ارتباطات في دماغ أطفالكم قادرة على تمكينهم عاطفياً واجتماعياً، ليس فقط على المدى القصير، بل على امتداد حياتهم ضمن تنمية مهارات الطفل.
يسعى الانضباط الفعال إلى تحقيق هدفين بديهيين: الأول هو بالطبع أن يبدي أطفالنا تعاوناً وأن يتصرفوا بطريقة مناسبة، أي مساعدة الطفل على تجنب السلوكيات غير المقبولة، وهو هدف الانضباط على المدى القصير.
وإذا كان هذا التعاون مهماً، إلا أن ثمة هدف آخر لا يقل أهمية وهو على المدى الطويل ويقضي بتعليم الطفل كيف يطور قدراته على التعامل مع الأوضاع الصعبة والإحباطات والعواصف العاطفية التي قد تجعله يفقد السيطرة على نفسه، وهو ما يعزز تنمية الذكاء العاطفي لدى الأطفال. وهي قدرات داخلية يشكل اكتسابها تجاوزاً لتحسين السلوك الفوري في لحظة معينة لتفيد الطفل ليس فقط على المدى القصير ولكن أيضاً في ما بعد وفي وضعيات متعددة.
فهذا الهدف الثاني الأساسي والداخلي يعمل على مساعدة الطفل على تطوير قدرة على السيطرة الذاتية وتنمية الذكاء العاطفي لدى الأطفال وبناء مرتكزات أخلاقية وقيم تربوية، بطريقة تجعله يظل متنبهاً وواعياً حتى في غياب أشخاص يمثلون السلطة.
أما الهدف النهائي فهو مساعدته على النضوج ليصبح إنساناً طيباً ومسؤولاً وقادراً على إقامة علاقات منسجمة مع الآخرين في حياة مفعمة بالمعنى، وهو جوهر التربية السليمة للأطفال. وإذا كنا نطلق على هذه المقاربة صفة «العصبية الذكية» فهذا لأننا حين نستخدم جزأي دماغنا كأهل، باستطاعتنا أن نبحث عن الدرس الفوري (الخارجي) والدروس الداخلية الطويلة الأمد. وحين يتلقى الطفل هذا النوع من التعليم المقصود، يكبر بدوره وهو يتقن استخدام جزأي دماغه.
نحن نعلم الآن أن طريقة مساعدة الطفل على التنمية القصوى تكمن في مساعدته على خلق روابط عصبية حتى يعمل دماغه بكليته، وهي روابط تنمي لديه قدرات تخوله على إقامة علاقات أفضل وتوفر له الصحة النفسية للطفل. يمكن أن نسمي ما سبق «تغذية» أو «بناء» أو «مرونة دماغية»، ومهما كانت العبارة، نحن هنا أمام نقطة حاسمة وهي أن الكلمات التي نستخدمها والأفعال التي نقوم بها تعدل دماغ الطفل بشكل فعلي وتقولبه بطريقة ملموسة طبقاً للتجارب الجديدة التي سيجتازها ضمن تطور دماغ الطفل.
الانضباط الفعال لا يضع حداً وحسب للسلوك غير المناسب ولا يشجع وحسب على سلوك أفضل، إنه يعلم أطفالنا قدرات أساسية ويغذي الروابط الدماغية التي ستساعدهم على اتخاذ قرارات أفضل وتدبر أمورهم في المستقبل ضمن تنمية مهارات التفكير عند الأطفال.
وهذا بشكل تلقائي لأن أدمغتهم ستكون قد تبرمجت بهذه الطريقة. وهكذا نساعدهم على فهم ما معنى أن يتعاملوا مع انفعالاتهم ونزعاتهم ويأخذوا بالاعتبار مشاعر الآخرين ويفكروا بعواقب أعمالهم ويأخذوا قرارات متزنة وغيرها الكثير.
نحن نساعدهم على تطوير أدمغتهم وعلى أن يصبحوا أفضل في علاقاتهم مع أشقائهم وشقيقاتهم وأهلهم ورفاقهم، أي أن يصبحوا بشراً أفضل. وكلما ساعدناهم على بناء أدمغتهم، كان علينا أن نصارع أقل لبلوغ هدفنا على المدى القصير والحصول على التعاون الآني الذي نطلبه منهم.
فالتشجيع على التعاون وبناء الدماغ هو الهدف المزدوج، الداخلي والخارجي الذي تنشده المقاربة العصبية الذكية، المحبة والفعالة في مجال الانضباط، وهو من أساسيات التربية الحديثة للأطفال.
وهو مسألة تربية تتوخى قدرة الدماغ لا غير. وجدير بالقول إن ما من طفل يشبه طفلاً آخر وكل وضعية تربوية فريدة من نوعها.
ولكن ثمة ثابتة تتأكد في كل مرة وهي: حتى يكون الانضباط فعالاً، يجب أن نكون متصلين بطفلنا على المستوى الشعوري، وهو أساس بناء علاقة صحية مع الطفل.
يجب أن تحتل علاقتنا مع طفلنا مركز كل مبادراتنا. سواء كنا نلعب معهم أو نناقشهم أو نضحك معهم، أو كنا في لحظة تطبيق القواعد السلوكية، فإن هدفنا هو أن يختبروا متانة حبنا وعاطفتنا تجاههم على مستوى عميق، وهو ما يعزز التواصل مع الأطفال.
وكلمة «متصلين» تعني أن نعطي الطفل كل اهتمامنا وأن نحترمه بالقدر الكافي حتى نصغي إليه ونعطي قيمة للطريقة التي سيسهم فيها بحل المشكلة، ونجعله يعلم أننا إلى جانبه، بغض النظر عن رأينا في سلوكه، وهذا من أساسيات التربية الإيجابية للأطفال.
حين نقيم قواعد، نرغب في أن نتصل بعمق مع أطفالنا بطريقة تشهد على الحب الذي نحمله في قلبنا تجاههم. وفي الواقع، حين يتصرفون بطريقة خاطئة، تكون هذه هي اللحظة التي يحتاجون فيها بشدة إلى الاتصال معنا.
والرد الذي نعطيه في مجال الانضباط يجب أن يختلف بحسب سن الطفل وطباعه ومرحلة نموه وبالطبع بحسب سياق الوضع الذي نعيشه، وهو ما يتطلب فهم مراحل نمو الطفل. لكن حجر الزاوية يجب أن يرتكز على التفاعل بكليته وهو التعبير الواضح الذي لا لبس فيه على الاتصال العميق الذي يربط الأهل بالطفل.
فالعلاقة أهم من أي سلوك معين. ولكن حذار من اعتبار مسألة العلاقة موازية للتراخي. فالاتصال مع طفلنا في لحظة تفرض الانضباط لا يعني أن نتركهم يقومون بما يريدون، بل العكس تماماً.
أن تحب طفلك حقاً هو أن تعطيه ما هو بحاجة إليه أي أن ترسم له حدوداً واضحة ومنسجمة وأن تخلق في حياته بنية موثوقة وأن تحمل إزاءه آمالاً كبيرة، وهو جوهر تربية الأطفال بوعي.
يحتاج الأطفال إلى أن يفهموا الطريقة التي تسير بها الأمور في هذا العالم، ما هو مسموح وما هو ممنوع. فاستيعاب القوانين والحدود سيساعدهم على عيش حياة متناغمة ولا سيما على مستوى العلاقات مع الآخرين.
وإذا ما تعلموا أن يبنوا أنفسهم في حضن منزل يعطيهم شعوراً بالأمان، سيكون من السهل عليهم أن يحققوا أنفسهم بالكامل حين سيواجهون بيئات خارجية، في المدرسة أو العمل أو الحياة الاجتماعية عموماً، وهي بيئات ستتطلب منهم مجموعة منوعة من السلوكيات المناسبة.
يحتاج الطفل إلى أن يكرر التجارب حتى ينمي الروابط العصبية التي ستساعده على التعاطي مع رغباته الجانحة نحو الإشباع الفوري أو ردات فعله العدائية تجاه الآخرين كما ستسمح له بالتعامل مع الوضعيات التي لا تسير مثلما يشتهي.
في الواقع، إن غياب الحدود والقواعد أمر يشكل ضغطاً كبيراً على الطفل، والطفل المتوتر سيكون أشد حساسية من سواه. لذا، حين نقول «كلا» ونضع قواعد، نساعد الطفل على اكتشاف ما هو متوقع ونقدم له إحساساً بالأمان في عالم سيبدو له فوضوياً من دون هذه القواعد. ونحن نصنع بالمناسبة الروابط الدماغية التي ستساعدهم في ما بعد على التعامل بالشكل الصحيح مع المصاعب التي سيواجهها ضمن تنمية شخصية الطفل.
بكلمات أخرى، إن الارتباط العميق مع الطفل يمكن ويجب أن يكون مترافقاً مع قواعد واضحة وصلبة ستولد في حياة الطفل البنية التي يحتاج إليها. وهنا يأتي مفهوم «إعادة التوجيه».
عندما نكون مرتبطين بطفلنا وعندما نساعده على أن يسترجع هدوءه حتى يسمعنا ويفهم تماماً ما نقول، بإمكاننا أن نعيد توجيهه نحو السلوك الأنسب وأن نساعده على إيجاد طريقة أفضل يتدبر أمره بها، وهو ما يعزز تعديل سلوك الطفل. ولكن لا تنسوا أنه طالما كانت مشاعر الطفل وانفعالاته في ذروتها، فإن إعادة التوجيه ستظل من دون أي تأثير.
وستظل العقوبات والعظات غير مفيدة طالما أن الطفل غاضب وغير قادر على سماع الدروس التي تلقونها على مسامعه، كما لو أنك تحاول أن تعلم كلباً الجلوس في حين أنه يتعارك مع كلب آخر. ولكن إذا ساعدت طفلك على أن يهدأ، سيكون متقبلاً وسيفهم ما تحاول أن تقول له بسرعة أكبر من اكتفائك بمعاقبته أو إسماعه درساً أخلاقياً.
يبدو تعليم الانضباط للطفل العمل الأكثر إزعاجاً في التربية في حين أنه العمل الأكثر حسماً وخطورة. وينبغي أن نتذكر أن السلوك غير المناسب لدى الطفل يمكن أن يكون فرصة لخلق روابط أفضل معه وروابط أفضل في دماغه. والانضباط الذي يعتبر الدماغ كلاً متكاملاً يمكنكم من تعديل الطريقة التي تتعاملون فيها مع أطفالكم تعديلاً جذرياً.
تأليف: دانييل سيجل وتينا باين بريسون
