19 أبريل 2026

اكتئاب الطالبات... مؤشرات لا يجب تجاهلها و7 استراتيجيات للتعافي

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

 في واقعنا الراهن، بات الاكتئاب يتسلل إلى حياة الطالبات في مختلف المراحل الدراسية، بأشكال سلوكية خفية يصعب الانتباه لها من الوهلة الأولى.

وبين ضغوط الدراسة، والمقارنات الاجتماعية، والتنمّر، والتغيّرات الهرمونية، وتوقعات الأسرة المرتفعة، تجد بعض الطالبات أنفسهن في صراع داخلي يظهر في صورة عزلة مفاجئة، تراجع دراسي، أو سلوكات غير مألوفة.

في هذا السياق، تسلط جميلة الشامسي، مرشد أكاديمي ومهني، الضوء على الاكتئاب الخفي لدى الطالبات، وأسبابه النفسية والاجتماعية، وأبرز علاماته المبكرة، إلى جانب دور الأسرة والمدرسة، في الاكتشاف والدعم.

تقول: «على صعيدي الشخصي|، وباعتباري مرشدة أكاديمية ومهنية داخل مدرسة، أحرص على التواصل المباشر وتقديم النصح بأسلوبي الخاص. أتابع الطالبات عن قرب، سواء في مرحلة المراهقة، أو في المرحلة الابتدائية، لأن لكل فئة عمرية خصوصيتها، وطريقتها في التعامل مع الضغوط، بخاصة خلال فترات الامتحانات».

مجلة كل الأسرة

يشكّل الاكتئاب الخفي، لدى الطالبات والمراهقات، أحد أكثر الاضطرابات النفسية صعوبة في الاكتشاف، إذ لا تظهر له أعراض واضحة أو مباشرة يمكن ملاحظتها بسهولة. فهو اكتئاب «صامت»، يتخفّى خلف سلوكات مختلفة قد لا تُفسَّر في بدايتها على أنها مؤشرات نفسية مقلقة.

أسباب اكتئاب الطالبات

يعود هذا النوع من الاكتئاب إلى أسباب متداخلة عدّة، تُورد بعضها الشامسي :

  • الضغوط الدراسية، سواء نتيجة كثافة المناهج أو الخوف من الامتحانات وتقييم الأداء.
  • مشكلات عائلية تؤثر، بطبيعة الحال، في الطالب أو الطالبة، وهذا أمر نلاحظه ونتعامل معه بواقعية. 
  • التوقعات العالية، سواء الصادرة عن الأهل، أو تلك التي تفرضها الطالبة على نفسها، إذ تجد  نفسها محاصرة بسقف مرتفع من الطموحات قد لا يستطيع تحقيقه، ما يولّد لديها مشاعر الفشل والإحباط.
  • المقارنات الاجتماعية، تقارن المراهقة  نفسها بالآخرين، لا سيّما إذا كانت تنتمي إلى بيئة اجتماعية أو اقتصادية أقل، ما يعزز الشعور بالنقص والدونية، سواء في مرحلة المراهقة، أو حتى في المراحل الدراسية المبكرة، كالمرحلة الابتدائية.
  • التعرّض للتنمّر بأشكاله المختلفة داخل المدرسة، فالتنمّر، مهما اختلفت وسائله، يولد لدى الطالبة حالة من الإحباط، ويدفعها تدريجياً، إلى الانعزال، والابتعاد عن محيطها المدرسي والاجتماعي.
  • الصدمة أو فقدان شخص مقرّب، في مقدمة العوامل النفسية المؤثرة. ففقدان أحد الوالدين، أو الإخوة، أو صديقة مقرّبة، يترك فراغاً عاطفياً كبيراً، بخاصة إذا كانت العلاقة مع هذا الشخص قوية وملموسة في حياتها اليومية.
  • التغيرات الهورمونية، أبرز أسباب الاكتئاب لدى البنات في مرحلة المراهقة. فهذه التغيرات تشمل شكل الجسم، الحجم، نمو بعض الأعضاء، وظهور حبوب الشباب، أو التغيرات الجلدية، ما قد يولد لديهن شعوراً بعدم الرضا عن المظهر. وفي بعض الحالات، تلجأ الفتاة إلى الانعزال تماماً، أو تصادق زميلة تشبهها، في الشخصية أو المظهر، كنوع من التكيّف مع التغيرات التي تمر بها.
مجلة كل الأسرة

مراحل الوصول إلى الاكتئاب؟

ترصد جميلة الشامسي مراحل الوصول إلى الاكتئاب، قائلة «مع تراكم هذه المشاعر السلبية، تنتقل الطالبة تدريجياً، إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث يتحول الإحباط إلى اكتئاب خفي لا يُعبّر عنه بالكلام، بل يظهر من خلال تغيّرات في السلوك، أو الانسحاب، أو فقدان الدافعية. فاستمرار هذه العوامل، تُدخل الطالبة في مرحلة الانطواء، حيث تفضّل العزلة والانسحاب، لتتحول هذه الحالة تدريجياً، إلى اكتئاب خفي يصعب اكتشافه في مراحله الأولى، لكنه يترك أثراً نفسياً عميقاً، إن لم يُلتفت إليه مبكراً».

 وتضرب المرشدة الأكاديمية مثالاً: «في بعض الحالات، يمكن أن يؤدي فقدان الأم، أو الأب، إلى شعور دائم بعدم الاكتمال، أو فقدان الدعم العاطفي. وقد تظهر هذه المشاعر بشكل سلوكي، مثل إثارة المشكلات عمداً، في أوقات اجتماعية معيّنة، أو محاولة لفت الانتباه إلى نفسها بسبب الفراغ العاطفي الذي تعيشه».

وتشرح: «قد يظهر الاكتئاب الخفي على شكل تصرفات مبالغ فيها، أو غير معتادة. فعلى سبيل المثال، بعض الطالبات يلجأن إلى التلميح، أو التهكّم على الآخرين، المزاح المفرط، والضحك الزائد، وهو سلوك قد يبدو عادياً أو مرحاً، للوهلة الأولى، لكنّه في الواقع ستار لألم داخلي وانكسار نفسي».

وتروي عن فتاة تعرّضت لضغوط كبيرة لتلبية توقعات والدتها والوصول إلى مستوى أكاديمي مرتفع، على الرغم من كفاءتها ومهاراتها، حتى وصلت حالتها إلى إرهاق نفسي شديد، واحتجاز في المستشفى، لمدة أسبوع. وقد أدركت الأم لاحقاً، أن الضغط الزائد كان له أثر مدمر في نفسية ابنتها، وأن الفتاة شعرت بالمسؤولية الزائدة تجاه إرضائها، ما فاقم الأزمة.

مجلة كل الأسرة

فالمبالغة في السلوكات الاجتماعية، سواء بالضحك أو المزاح أو التهكم، قد تكون إشارة خفية بحاجة إلى متابعة دقيقة، من قبل الأسرة والمعلمين.

وترصد جميلة الشامسي تداعيات هذا الواقع النفسي: «من السلوكات الملحوظة لدى بعض الطالبات اللواتي يعانين الاكتئاب الخفي، ما يتجلّى في العدوانية، اللامبالاة، وعدم القدرة على مجاراة أقرانهن في الأداء، الدراسي والاجتماعي. هذه التصرفات تؤدي غالباً، إلى انخفاض المستوى الدراسي، ويزيد شعور الفتاة بأنها مختلفة، أو أقل من زميلاتها، ما يعمّق إحساسها بالنقص والانعزال».

وتضيف: «قد تظهر آلام جسدية متكررة، مثل الصداع أو ألم البطن، والتي تُستخدم، في كثير من الأحيان، كوسيلة للهروب من المواقف، أو المسؤوليات. وقد تبتعد الطالبة عن الآخرين، وتفضل الانعزال في زاوية معيّنة، محاولة بذلك حماية نفسها من التركيز على معاناتها الداخلية. وفي بعض الحالات، قد تلجأ الفتاة إلى اختلاق أعذار، مثل قولها إنها متعبة وتحتاج إلى البقاء في البيت، بينما يكون السبب الحقيقي حالة نفسية، أو ألماً عاطفياً مرتبطا بالأسرة». 

مجلة كل الأسرة

يستدعي هذا النمط من الاكتئاب وعياً أكبر، من الأسرة والمدرسة، معاً، لأن خطورته تكمن في كونه «غير مرئي»، ويتطلب متابعة دقيقة للسلوكات والتغيّرات النفسية لدى المراهقات.

وتوجّه المرشدة الأكاديمية رسالتها إلى الأهالي: «بناتكم، سواء كنّ في المرحلة الابتدائية، أو المراهقة، لا يحتجن إلى النقد المستمر، أو الحكم الدائم عليهن. فالنقد المتكرر يولّد لديهن الرفض، ويبعدهنّ عن التواصل الصادق معكم».

استراتيجيات التعامل مع اكتئاب الطالبات

بدلاً من ذلك، تقترح استراتيجيات عدّة للتعامل مع الوضع ، أبرزها:

  • التفهّم والإصغاء إلى بناتنا، من دون إطلاق الأحكام أو التسرّع في التقويم.
  • مراقبة بناتنا، ليس بالمفهوم التقليدي للمراقبة التي تجعلهن يشعرن بأنهنّ تحت الرقابة الدائمة، بل محاولة أن تكونوا قريبين منهنّ لمعرفة ما يدور في حياتهنّ الداخلية.
  • الاستماع المتواصل والملاحظة الدقيقة، مع إظهار الاهتمام الحقيقي، لتشعر الفتاة بأنها أهم شخص في العالم بالنسبة لكم.
  • فهم الطبيعة الفردية  لكل فتاة، إذ من الهام أن يبحث الأهل عن طريقة التواصل المناسبة لكل ابنة، ولغة الحب التي تشعرها بأنها محبوبة ومفهومة.
  • الاحتواء والإصغاء باهتمام شديد، فالهدوء والصمت من جانب الأهل هام جداً، لأنّه في كثير من الأحيان يحاول الابن، أو الابنة، طلب المساعدة، لكن بطريقة غير مباشرة، من خلال تصرفات أو سلوكات تبدو غريبة على الأهل.
  • الدعم المتواصل يساعد بناتنا على التعبير عن أنفسهنّ بأمان، ويقلل من فرص تراكم الألم النفسي، أو الانعزال، ويقوّي العلاقة مع الأسرة بشكل صحي ومستمر.
  • طلب دعم المتخصصين عند الحاجة ، فالضغط النفسي على الأبناء والبنات، سواء دراسياً أو اجتماعياً، قد يؤدي إلى آثار نفسية خطرة.

وتخلص جميلة الشامسي: «أبناؤنا يحتاجون إلى مساحة للتعلم والنمو، من دون ضغوط مبالغ فيها، وعلى الأهل أن يوازنوا بين التوجيه والدعم، مع مراعاة أن الصحة النفسية تحتاج إلى حماية واهتمام مستمرّين، مثلها مثل الصحة الجسدية».