كلمات قاتلة... بين الأم وابنتها.. الأم الوسواسية: 'أنا أقول هذا من أجلك'
«أنا ضحيت من أجلك»، «حين كنت حاملاً بك كنت آمل بأن أرزق بولد»، «ألن تتوقفي عن تناول الطعام؟ ستصبحين سمينة»... سواء قيلت هذه العبارات وأخرى مثلها بلهجة مزاح أو بطريقة جدية، فهي جمل تجرح وتؤلم وتكشف وجوهاً عديدة من طبيعة العلاقة القائمة بين أم وابنتها. إن فهم هذه العبارات وبعدها الآخر يمكن من فهم طبيعة العلاقة من أجل العمل على حل النزاعات الكامنة وإعادة الحوار الحقيقي بين الأم وابنتها في العلاقات الأسرية. حذار وهذا النوع من الأمهات والأم المتسلطة.
«تظن أمي أنها وحدها التي تعرف كيف تدير شؤون الأسرة. وهكذا حينما تراني أحضر طبق عجة بالبيض تقول لي: «انت تخفقين البيض بالمقلوب!» كما لو أن هناك اتجاهاً معيناً لخفق البيض وهي وحدها من يعرفه. تقول لي أيضاً: «خزانتك موضبة بالمقلوب، أنت وضعت الأشياء الثقيلة في أعلى». هي تظن أنها تمتلك معرفة كونية حول كل الأمور ثم تضيف: «أنا أقول هذا من أجلك»، كما لو أنها تعرف أكثر مني ما هو جيد بالنسبة إلي، كما لو أني ما أزال في سنتي الثالثة في حين أني أبلغ الثانية والستين من عمري».
إن الأم التي تقول هذا لابنتها هي امرأة أم وسواسية ومهووسة وعاجزة عن قبول إمكانية أن تكون ابنتها على حق أو أن تكون قادرة على أن تتدبر أمورها بنفسها من دون أن تتبع نصائحها. هذا النوع من الجمل يهدف إلى إبقاء الابنة في وضعية الطفلة لأنها إذا ما كبرت ستكون قادرة على أن تستغني عن نصائح أمها والتهرب بذلك من سيطرتها عليها فتشعر الأم فجأة بأنها غير ذات فائدة، وهو شكل من التحكم النفسي داخل الأسرة.
الأم الرفيقة الأفضل
الأمهات اللواتي يردن أن يكن رفيقات بناتهن لا يسعين جيمعهن إلى التعرف إلى أسرارهن، تلك التي يجب ألا تسمعها الأم. بعضهن يرفضن التقدم في السن وترك صولجان الشباب لبناتهن وبعضهن الآخر يسعين وراء علاقة اندماجية مع ابنتهن بواسطة هذه الطريقة. وبعضهن الخير يحاولن إقامة علاقة حصرية مع الابنة من أجل عيش حياتها بالوكالة. هؤلاء الأمهات يلحقن ضرراً كبيراً بأمهاتهن لأنهن يقمن بامتصاص وتدمير مستقبل الابنة بمنعها من بلوغ النضح والاستقلالية التي ينبغي على الابنة الوصول إليهما بشكل طبيعي، وهو ما يؤثر في الصحة النفسية للابنة.
قد تستمتع الابنة بهذه اللعبة وقد تكون فخورة بالوجه الشاب التي تظهره الأم، لكن المشكلة في هذا الثنائي الأم والابنة هي أن الهرمية العاطفي غير محترمة وهي أن الأم قد تصبح أحياناً منافسة بالمعنى الواسع وليس حاجز أمان كما ينبغي أن تكون. وقد تجوز هذه اللعبة حينما تكون الابنة في العشرين والأم في الأربعين، ولكن بعد عشر سنوات ستبدأ الأم بدخول سن الشيخوخة ولن تنظر بعين الرضى إلى شباب ابنتها البالغة من العمر ثلاثين سنة في حين أن شبابها هي إلى زوال. إن وضعية الرفيقة لن تعود صالحة في سن اليأس والنساء اللواتي يوظفن كل مشاعرهن في مظهرهن يعشن بشكل سيئ جداً خيانة الجسد لهن وقد يحاولن أن يجعلن بناتهن يدفعن الثمن في إطار التربية العاطفية غير المتوازنة.
الأم ولسان السوء: «أنت حامل ببنت؟ إني أرثي لحالها»
«حين قلت لأمي أني حامل ببنت قالت لي بهدوء وبابتسامة زائفة: إني أرثي لحالها. وحين ستكون معي سأخبرها حقيقتك». «يا ابنتي، أنت أم غير صالحة»: هذه فكرة تحتل المرتبة الأولى في الانتقادات التي توجهها بعض الأمهات لبناتهن. حين تصفها بأنها أم غير صالحة، تقوم الأم التي ستصبح جدة بتبرئة نفسها، كما لو أنها تقول: «أنا لم أكن أماً غير صالحة، الأم غير الصالحة هي أنت».
ما الذي يدفع أم هذه المرأة الحامل إلى الرغبة في تدمير الصورة التي تبنيها ابنتها عن نفسها في وضعيتها الجديدة كأم؟ هل هي الحاجة إلى نزع المسؤولية عن نفسها؟ كيف بإمكان أم أن تقول هذه الكلمات من دون أن تدرك السم الذي تحمله؟ إن الاحتقار الذي تكنه لابنتها واضح وهي تنتقم مما تعتبر أنه قد عانته معها كأم: «ساخبرها حقيقتك». لكن في ما وراء هذا الانتقام ثمة محاولة للاستخواذ على الحفيدة لأن جدتها لا تطيق أن تكون ابنتها ستصبح أماً بدورها، وهو ما يعكس خللاً في العلاقة بين الأم وابنتها.
هل يجب تركها تفعل هذا؟ بالطبع كلا! لذا لا يوجد أمام الابنة سوى طريقين إما أن تهدد والدتها بالانقطاع عنها في حال تفوهت بكلمات تضر بصورتها أمام ابنتها وإما أن تقطع علاقتها فوراً بها في حال لم تكن أكيدة بأن أمها ستلتزم بحسن التصرف لأن الحفيدة هي من ستدفع الثمن وكذلك نوعية العلاقة بينها وبين أمها في إطار النزاعات الأسرية.
الأم المعلمة: «ستفهمين حينما تصبحين أماً...»
قد يكون مثيراً للاهتمام معرفة السياق الذي تستخدم فيه الأم هذه العبارة. هل هي توحي لابنتها أنها لم تكبر بما فيه الكفاية لتتقاسم أسرار أمها. أما إذا نظرنا إلى هذه الجملة من زاوية مختلفة، نرى أنها تشي برفض تعليم ابنتها ما يجب أن تعرفه، ربما لتتجنب أن تتخطاها ابنتها. الجملة تدل على أم لا تريد أن تسقط من برجها العاجي، فهي ترى نفسها دائماً أعلى من ابنتها وليس من الضروري أن تخفض منزلتها وتشرح الأمور إذا ما اعتبرت أن ابنتها غير قادرة على الفهم، وهو سلوك مرتبط أحياناً بـ الأم المتسلطة.
هذا النوع من الملاحظات يشبه عبارة «أنت صغير وستفهم حينما تصير أكبر سناً»، وهي عبارة تضع الطفل في منزل الغبي والسعيد بغبائه وتكبح فضوليته الطبيعية. هي تظهر رفضاً لاعتباره كائناً ذكياً. «أنت صغير» يعني بالنسبة للطفل أنه غير مكتمل ولم يكبر بسرعة كافية ليتقاسم معارف أهله، ولأنه صغير يرفضه أهله. ومن ناحية أخرى، تشي هذه الجملة بعدم الرغبة الواضحة من قبل الأهل في تحفيز فضولية الطفل، فهم لا يسعون إلى أن يكبر لأنهم لا يريدون في الحقيقة أن يروه قد كبر.
الأم المروِّضة: «الأطفال يجب ترويضهم»
«كانت أمي تعتبر أن العالم مكان غير سليم وخطير، يملؤه أشخاص أغبياء ووقحين ولامبالين. كانت تصفهم بأنهم سيئو النية تجاهنا في حين أننا وأمي مصيرنا الفشل والمأساة. كانت تشدنا إلى أسفل وكانت تبقيني إلى جانبها بمعزل من العالم ومن الآخرين طوال سنوات حياتي الأربع الأولى. ثم كان علي أن أذهب إلى المدرسة وفجأة رمتني في الحلية المملوءة بالضجيج والناس في رياض الأطفال.
دهشت أولاً من تحوّل البنت الصغيرة التي كانت ثرثارة ومرحة إلى فتاة صامتة وخائفة. ثم أنبتني على خجلي الزائد وعلى عجزي عن إقامة علاقات صداقة وفرض احترامي على الآخرين. كما لامتني على عدم اندفاعي نحو الدراسة، وكانت حياتي الدراسية كارثية واتهمتني بأني قصدت ألا أعمل في المدرسة بهدف إثارة غضبها.
ألصقت بي تهم الكسل والعجز والبطء وقلة القيمة والخجل والخوف وسوء النية... كلن كل هذا يبرر بنظرها سلوكها القاسي معي فكانت تلاحقني باستمرار وتهددني وتقلل من شأني وتذلني وتصرخ في وجهي وفي الوقت نفسه تساعدني في كل شيء وتحميني فوق اللزوم كما لو أنني معاقة. تطلب مني الكمال والخضوع التام وكل خطأ اقترفه كان يثير لديها حالات غضب فظيعة ترعبني إلى أقصى حدود.
كانت تؤكد أن الأطفال يجب ترويضهم، لكن ترويضي كان عملية فاشلة. لقد قللت من شأني ولم أعد أخافها ولم أعد أخشى أن أكون ابنة سيئة منذ أن فهمت أنها هي من فعل بي هذا، لقد تجرأت على ألا أطيعها وعلى أن أخيب أملها. يبقى أن أقبل بخسارة الطفولة التي سرقتها مني».
هذه شهادة امرأة عرفت كيف تهرب من براثن أم مريضة انتقمت من ابنتها بسبب الرفض الاجتماعي الذي عانته والناجم عن رفضها هي للمجتمع. فالطفل بالنسبة إليها عبء وقيد ينبغي تخفيفه بممارسة سلطة استبدادية والتربية تختصر بعلاقة موازين قوى وصراع بين مسيطِر ومسيطَر عليه، وهو نموذج واضح من التربية العاطفية السلبية داخل العلاقات الأسرية.
*الكتاب من تأليف: جوزف وكارولين مسنجر
* إعداد: د. هدى محيو
