د. لينا أميري: الإصغاء إلى أطفالنا «لغة حب» تحميهم من رفاق السوء
يحتاج أبناؤنا إلى التعبير عن أنفسهم، ومشاعرهم، وهواجسهم . هذا البوح كفيل بأن يرمّم مخاوفهم، ويشعرهم بالأمان بوجود سند، وهو الأهل، يصغون إليهم، ويعانقون أحلامهم . بيد أن هذه الحاجة قد تصطدم بإيقاع الحياة السريع، وضغوط العمل، وازدحام المسؤوليات، ما يجعل هذا الإصغاء يتراجع إلى آخر قائمة أولويات الأهل.
وعندما يفتقد الطفل الإصغاء الحقيقي من قبل الأهل، قد يكون أكثر عرضة للمؤثرات الخارجية حيث تتشكّل ملامح توازنه النفسي والعاطفي.
فكيف نصغي إلى أطفالنا؟ وكيف نتجاوز كل التحدّيات لإرساء «آذان صاغية» بالكامل، ليشعر طفلنا بأنه «هام ومسموع»؟
تضع الدكتورة لينا أميري، استشاري طب نفسي عام في عيادة «حكيني»، بدبي -تخصص الأطفال والمراهقين، النقاط على حروف المعادلة، حيث إن الإصغاء عملية تتطلب أطرافاً عدّة مرتكزها الأب، والأم، والطفل، بمساندة الظروف وآليات مواجهة الضغوطات .
عوامل تعيق الإصغاء لأطفالنا
ترصد د.لينا العوائق التي تجعلنا بعيدين عن الإصغاء إلى أطفالنا:
1. انشغال الأهل بالعمل ومسؤوليات البيت:
تفرض ضغوط الحياة الحديثة على الأهل سباقاً يومياً لا يتوقف، بين الوظيفة، ومهام المنزل، والالتزامات الاجتماعية. وفي خضم هذا الزخم، يصبح الوقت أثمن من أن يُمنح للحوار العائلي. لكن ما يغيب عن بال الكثيرين أن بضع دقائق من الحديث الصادق مع الطفل قد تُغني عن ساعات من التوجيه، أو العقاب لاحقاً.
2. الانشغال بالهواتف الذكية
تبدو المفارقة مؤلمة: نخرج في نزهة عائلية لنقضي وقتاً جميلاً، لكن العيون تبقى معلقة بالشاشات لا بالوجوه. يتحدث الطفل بحماس عن موقف حدث في مدرسته، بينما الأهل يجيبون ببرود لأن انتباههم مشتت بين إشعارات الهاتف، ومحادثات العمل. هكذا يتسلل الإهمال بصمت، ويشعر الطفل بأن اهتمام والديه افتراضي، بينما وجوده الحقيقي باهت في حياتهما.
3. الردود السطحية:
«أوكي»، «تمام»، «منيح»... كلمات سريعة تُقال بلا وعي، لكنها تترك أثراً عميقاً. فهي تعني للطفل أن كلامه لا يُحدث فرقاً، وأن الإصغاء إليه عبء لا رغبة. ومع تكرار هذه الردود، يبدأ بالتراجع عن الكلام، ثم بالصمت، ثم بالبحث عن آذانٍ أخرى تُنصت إليه، وقد لا تكون دائماً آمنة.
4. غياب الحوار الأسري الحقيقي:
في كثير من البيوت، يتحول الحديث إلى أوامر وإجابات روتينية: «هل أنهيت واجبك؟»، «اغسل يديك»، «نم باكراً»... ولا يبقى مجال للأسئلة الوجدانية التي تفتح باب القلوب: «كيف كان شعورك اليوم؟»، «هل أزعجك شيء في المدرسة؟». هذا الغياب للحوار العاطفي يجعل التواصل جافاً، ويُضعف الروابط داخل الأسرة ببطء.
5. غياب الحضور العاطفي:
حين يتحدث الطفل ويجد والديه ينظران إليه بتركيز، يشعر بأن مشاعره مرئية، وأن وجوده له قيمة. أما حين تُغيب هذه اللغة غير المنطوقة، يتكوّن داخله فراغ عاطفي قد يملأه بطرق خاطئة لاحقاً.
الآثار السلبية والانعكاسات النفسية لتجاهل الإنصات للطفل
تتوقف استشارية الطب النفسي عند أهمية الاستماع للطفل، لما يعززه هذا الإجراء من «مشاركة وجدانية تمنحه شعوراً بالأمان الداخلي»، وتورد التداعيات النفسية لغياب هذا السلوك:
إحساس الطفل بعدم الأهمية
حين لا يُنصت له أحد، يبدأ الطفل بالاعتقاد أن أفكاره لا تستحق الاهتمام، وأن مشاعره لا تُحدث فرقاً. وهذا الإحساس يرافقه لاحقاً في المدرسة، ومع الأصدقاء، بل وحتى في حياته العملية، فيصبح شخصاً متردداً يخشى التعبير عن ذاته.
البحث عن بدائل خارجية
عندما يغيب الإصغاء في البيت، يبحث الطفل عمّا يُشعره بالاهتمام خارجه. قد يجد ذلك في الألعاب الإلكترونية، أو مواقع التواصل، أو أصدقاء لا يوجّهونه بشكل صحيح. وهنا يبدأ خطر الانسياق خلف مؤثرين سلبيين، أو محتوى غير مناسب.
الشعور بالعزلة والوحدة
قد يبدو الطفل اجتماعياً في مظهره، لكنه داخلياً يعيش عزلة عاطفية عميقة، بخاصة إن واجه تحديات دراسية، أو تنمراً مدرسياً ولم يجد من يصغي إليه بصدق. فالصمت عند الأطفال قد يكون صرخة لا تُسمع.
خطر القلق والاكتئاب
تشير دراسات تربوية ونفسية إلى أن غياب الإصغاء العاطفي من الأسرة يزيد احتمالية ظهور القلق أو الاكتئاب، في المراهقة، وسن الرشد. فالشعور بأن العالم لا يسمعك يولد انطواء وأفكاراً سلبية حول الذات والعلاقات.
تحمّل المسؤولية قبل الأوان
حين لا يجد الطفل من يصغي إليه، يحاول حلّ مشكلاته بنفسه. وفي كثير من الأحيان، يستخدم خبرته المحدودة في اتخاذ قرارات قد تكون خاطئة، أو مؤذية. فيبدو ناضجاً في الظاهر، لكنه في العمق طفل لم يجد من يفهمه.
نصائح عملية لبناء التواصل والاستماع لأطفالنا
تورد د. لينا أميري بعض النصائح العملية، منها:
1. تخصيص وقت يومي «مقدس» للطفل: يمكن أن يكون عشرين دقيقة قبل النوم، أو أثناء تناول العشاء، الهام أن يكون وقتاً ثابتاً ومخصصاً له فقط. هذا «الوقت الذهبي» هو مساحة أمان يعبر فيها الطفل عن يومه، مخاوفه، أو حتى أحلامه الصغيرة، من دون مقاطعة، أو حكم.
2. تفعيل الحوار في الأنشطة اليومية: يمكن أن يحدث الحديث العميق أثناء قيادة السيارة، أو تحضير الطعام، أو مشاهدة فيلم عائلي. الهام أن يشعر الطفل بأن الإصغاء إليه متاح دائماً، لا يحتاج إلى موعد أو إذن.
3. الاستماع الفعّال: الاستماع الحقيقي يعني الإصغاء بالقلب والعين معاً، وطرح أسئلة متابعة مثل: «وماذا شعرت حينها؟»، «برأيك ما السبب؟». هذه الأسئلة تفتح أبواب الحوار وتُظهر للطفل أن والديه لا يسمعان فقط، بل يفهمان أيضاً.
4. الحد من الملهيّات الرقمية أثناء الوقت العائلي: ينبغي أن يكون وقت العائلة خالياً من الهواتف، ولو لساعة واحدة يومياً، حيث يصبح الإصغاء طقساً يومياً يشحن العلاقات بالمحبة.
5. تخصيص نشاط أسبوعي لكل طفل: ليختار الطفل بنفسه النشاط الذي يرغب القيام به، سواء كان رسماً، أو نزهة، أو طبخاً بسيطاً. حين يشارك الأهل فيه بكامل حضورهم، يشعر الطفل أبن اهتمامهم به ليس واجباً بل متعة.
6. الاستعانة بالمساعدة المنزلية بذكاء: يمكن للأهل الاستعانة بالمساعدة المنزلية لتخفيف الأعباء اليومية، لكن الأهم هو توظيف هذا الوقت الإضافي في قضاء لحظات نوعية مع الأبناء، لا في زيادة الانشغال بأمور أخرى. فالطفل لا يحتاج إلى أم خارقة، بل أمّ حاضرة وهادئة.
تخلص د. لينا أميري إلى توجيه رسالة للأهل: طفلك لا ينتظر منك الكمال، ولا يطلب إجابات عن كل شيء، بل يريد فقط أن تكون موجوداً بقلبك وعينيك حين يتحدث. الإصغاء إليه جدار أمان نفسي يحميه من الوحدة والضياع في عالم مزدحم. تذكّر أن نصف ساعة من الإصغاء قد تغيّر مسار حياة كاملة، وأن كلمة تشجيع في لحظة صدق قد تبني جسراً من الثقة يستمر لسنوات. اجعل وقتك مع أبنائك «مقدساً»، لا يقاطعه هاتف، ولا انشغال.
