8 أبريل 2023

د. هدى محيو تكتب: هل "تشات جي بي تي" قادر على الفهم؟

أستاذة وباحثة جامعية

أستاذة وباحثة جامعية

د. هدى محيو تكتب: هل "تشات جي بي تي" قادر على الفهم؟

كما الكثيرين مثلي، ذهلت مؤخراً أمام «بطولات» تطبيق «تشات جي بي تي»، هذا الذكاء الاصطناعي الذي يحوّل هاتفك إلى محاور صاحب قدرات لا تقاس. ففي بضع ثوانٍ، يجيب عن أي سؤال يطرح عليه ويقدّم إجابة مفصلة في غاية الوضوح، وصائبة في أغلبية أجزائها. ولكن هل هذا يعني أن «تشات جي بي تي» يفهم أسئلتي، في حين أنه يستعين للإجابة عنها بقاعدة بيانات هائلة بحثاً عن مقابلات إحصائية؟

في الحقيقة «تشات جي بي تي» لا يفهم الأسئلة التي نطرحها عليه ولا الإجابات التي يقدّمها لنا. ونقصد بكلمة «يفهم» اكتناه المعنى من الكلمات والتعابير. وهذا أمر يتركنا حائرين؛ لأنه إذا ما قدّم تلميذ هذا المستوى من الإجابة في ورقة الامتحان، فإن أي أستاذ سيضع له علامة ممتازة، وسيظن أنه فهم تماماً المسألة المطروحة. فماذا إذن في فكرة «الفهم» ما يتخطى تماماً قدرات «تشات جي بي تي؟»

نجد الإجابة عن هذا السؤال في النظريات المعاصرة حول ماهية فهم اللغة من قبل الدماغ، لندرك أن ما ينقص الذكاء الاصطناعي هو المقدرة على ربط مفهوم يعبر عنه بواسطة اللغة، مع تجربة حسية ملموسة؛ أي يجب على هذا الذكاء أن يمتلك حواس وجسداً قد مرت عليها تجارب من أجل أن يتفاعل حقاً مع العالم الخارجي، ويكتنه المعاني العميقة للغة. فالفهم هو فهم «متجسد»؛ أي أننا حين نقرأ أو نسمع كلمة «رمى» مثلاً، تنشط لدينا مناطق في الدماغ متصلة بحركة أعلى الجسم.

وهذا يعني أن فهم أي نص نقرؤه يتضمن أن نعيشه بحواسنا وجسمنا انطلاقاً من ذكريات سبق وأن عشناها؛ أي يتضمن كل ما يعجز «تشات جي بي تي» عن القيام به عجزاً تاماً.

نستنتج مما سبق أن الأدوات الرقمية التي تشجع على نوع من الفورية في معالجة الرسائل التي تردنا، لا تؤدي إلا إلى تحليل سطحي للغة غير المتجسدة بشكل كامل، ينجم عنه نوع من الكسل في ربط الكلمة بصورة تتبادر إلى ذهننا، وبالأخص حين يؤمن الفيديو لنا هذه الصورة.

دعونا إذن نشجع الفهم «المتجسد» في كل مرة استطعنا هذا، لنتخلص من الفصل التقليدي بين الفكر والجسد، بما أن العلوم العصبية قد أثبتت أن الجسم يحتل الصدارة في الأنشطة الأكثر مدعاة للتفكير.

أما إذا نسينا هذه الصلة الجوهرية بين الفكر والجسد في التعليم، فإن أنظمتنا التعليمية لن تنتج قريباً سوى تلامذة تأتي أعمالهم عبارة عن نسخ مما يقوم به «تشات جي بي تي»، لكنها ستكون نسخاً أكثر هشاشة وضعفاً.

 

مقالات ذات صلة