5 مايو 2020

ما الذي دفع ثريا شمالي إلى تأليف كتاب "قوة غضب النساء" ؟

كاتبة صحافية

كاتبة صحافية

لا يمكن حصر ثريا شمالي في صفة أو وظيفة واحدة، فهي صحفية خبيرة في العلاقات والاتصالات، تلقي المحاضرات في مدن العالم الصناعي وتنشر مقالاتها في كبريات الصحف الأمريكية وقد حازت جوائز عالمية عدة. لكن أبرز ما قامت به هذه الباحثة هو مراقبتها لمحتوى وسائل الإعلام المختلفة وتحليلها للخطاب التمييزي بين الجنسين. وهي قد أصدرت بالإنجليزية كتاباً كان بمثابة الحجر الثقيل الذي هزّ سكون البحيرة ولفت الأنظار إلى تلك الطاقة الرهيبة المستترة مثل قنبلة موقوتة والناجمة عن تراكم الغضب النسائي عبر التاريخ. 
«كل الأسرة» قرأت الكتاب وتلقي هنا نظرات على بعض آراء مؤلفته.

الغضب النسائي المتراكم عبر العصور
كانت طفلة في الثامنة وكان شقيقها أصغر منها بسنتين. وبعد انتهاء الأسرة من تناول الطعام طلب منها أبوها أن تقوم لتساعد والدتها في جمع الصحون وتنظيف المائدة. نظرت إلى أخيها ووجدت في عينيه نظرة ذات مغزى. كان هو الولد المستريح وهي الأنثى التي عليها أن تخدم ذكور العائلة. هل شعرت الطفلة بالغضب من ذلك التمييز؟ إن من الصعب العودة بالذاكرة إلى الأحاسيس المبكرة من حياة الإنسان، لكن من المؤكد أن ثريا شمالي، واصلت مراقبة شحنات الغضب التي تجمعت لدى بنات حواء؛ بحيث تحولت إلى طاقة يمكن أن تكون إيجابية.

في البدء، لابد من التذكير بأن التمييز الجنسي موجود لدى مختلف الثقافات والمعتقدات. ولا فضل لغرب على شرق في هذا الميدان. إن الاستهانة بالمرأة وغمط حقوقها وتعنيفها هي من الأمور الشائعة في أكثر البلاد تحضراً والتزاماً بقوانين حقوق الإنسان. القانون المكتوب على الورق شيء والممارسة في البيت والشارع والسوق والمكتب شيء آخر. الفارق الوحيد هو أن النساء المظلومات يستطعن اللجوء إلى القضاء لانتزاع حقوقهن في عدد من الدول بأسهل مما يجري في دول أخرى.

غلاف كتاب ثريا شمالي 
غلاف كتاب ثريا شمالي

صدرت في الشهر الماضي الطبعة الفرنسية من كتاب ثريا شمالي والمعنون «قوة غضب النساء». وفيه تقوم المؤلفة بتفكيك الأساليب التي يتبعها المجتمع لخنق وإسكات غضب المرأة. كما أنها تشرح ضرورة أن تتمسك المرأة بالتعبير عن غضبها وأن تنفس عنه وترفض محاولات قمعه وإسكاته. لقد كانت ثريا شمالي، صحفية طوال حياتها الماضية ملتزمة بقضايا المجتمع ومشكلات النساء، فما الذي دفعها إلى تأليف هذا الكتاب في هذا الوقت بالذات؟ تقول إن الانتخابات الأمريكية عام 2016 ثم سعي بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي قد بعثا بإشارات تنبئ بحصول عاصفة سياسية تغرق العالم. وبات من الواضح أن هناك شخصيات سياسية قادرة على استثمار الغضب لأهداف سياسية، وهو أمر غير متاح للجميع. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، رأينا على شاشات التلفزيون كيف يعبر كل من دونالد ترامب وخصمه بيرني ساندرز عن غضبهما واستيائهما بكل طلاقة ويحصد كل منهما الإعجاب. بينما لا تستطيع هيلاري كلينتون أن تطلق مشاعرها مثلهما لأن هذا غير معتاد من النساء ولن تقبله تقاليد المجتمع. ولعل تلك الملاحظة هي التي لمعت في رأس شمالي ودفعتها للبدء في كتابة هذا الكتاب الذي ترصد فيه الطريقة التي تضطر فيها النساء لتمويه غضبهن وكبته عن الظهور في المجال العام.

طبعاً، لابد من التذكير بأن الغضب شعور إنساني طبيعي لكل البشر، فلماذا تعتبر المؤلفة أن غضب النساء مختلف عن الرجال؟ الجواب هو النظرة المجتمعية المختلفة للغضب. فالبنت التي تثور وترفع صوتها سيقال عنها قليلة أدب ومضطربة عصبياً وتحتاج إلى تربية. في حين أن غضب الولد يعتبر نوعاً من التعبير عن الرأي الشجاع وأن صاحبه يتمتع بشخصية ترفض الخنوع. ووفق الدراسة التي أجرتها المؤلفة فإن النصيحة التي تقدم للبنات هي ضرورة تمالك الأعصاب والابتسام تحت أي ظرف كان والتحدث بأدب والتزام اللطف. والمطلوب منهن التفكير بالآخرين قبل أنفسهن. وبدل التعبير عن سخطها والدفاع عن نفسها في مواقف الظلم فإن البنات يتربين على كتم استيائهن وإخفاء الشعور بالإجحاف. وهكذا تصاب الكثيرات بالحزن في حين يكون من العيب على الولد أن يسكت على الغبن وأن يواجهه بشجاعة وينتزع حقه بيده. وهو إذا لم يفعل فمن الجائز وصفع بأنه «خجول مثل بنت».

هيلاري كلينتون

الاستهانة بمشاعر المرأة 
يحدث هذا في المراحل المبكرة من العمر. أما على المدى الطويل فمن الضروري البدء في طرح السؤال التالي: «ماذا يعني حرمان النساء من حق الدفاع؟». فحين تتعلم المرأة أن تبتلع غضبها وأن تتنازل عن كرامتها وأن تحسب حساب الغير قبل نفسها فإن تراكم هذه المشاعر يمكن أن يتسبب، على المدى الطويل، في تعب عضوي ونفسي وفي ظهور أمراض جسدية وعقلية. كما أنه يمكن أن يربك تأثير الأدوية عليها ويؤخر شفائها بعد العمليات الجراحية. وقد لوحظ أن عدداً من الأمراض، مثل الكآبة أو القلق ينجمان عن الكبت الطويل للغضب وللحاجة عن التعبير عن المشاعر المقهورة. والأخطر من ذلك، فإن هذه الحالات من التأزم لا تخص المرأة وحدها بل تنعكس على حياتها العائلية والزوجية. وتقول المؤلفة إنها حين قامت باستجواب العديد من الرجال والنساء للاستفادة من آرائهم في كتابها، فإن أغلب الرجال ذكروا بأن غضب زوجاتهم هو نوع من الأنانية. أي أنهم لا يتعاطفون مع شعور نسائهم بالقهر، وبدل محاولة تفهم السبب الذي يدفع الزوجة إلى الغضب كنوع من التعبير عن حاجات تفتقدها، فإن الرجل يطلب منها أن تخرس بل ويسخر منها. إنه لا يصغي بجدية لما تود أن تقوله له. إن كلماتها لا قيمة لها. وهو يستهين بها ولا يتوقف عندها.

على مدى صفحات طوال، تستفيض ثريا شمالي في شرح أسباب غضب النساء. ثم تفاجئ القارئ بأن الغضب هو شعور مفيد، يحدث حين تشعر المرأة بالنقمة أن تسكت وتنطوي على نفسها بدون أن تبحث عن حلول. ويحدث في حالات أخرى أن تبادر المرأة إلى تحويل غضبها من مرحلة الإحباط إلى مرحلة التحرك والعمل. وتلجأ هنا إلى قريباتها وصديقاتها لكي تتبادل معهن أحاسيسها وتجد لديهن أحاسيس مماثلة. هنا يمكن لها أن تعثر على نصيرات وأن تفخر بمشاعرها لا أن تخجل منها. وهذا يمنحها نوعاً من الراحة والرضا. إن المجتمع يشجع البنات، عموماً على البقاء سلبيات إزاء العديد من القضايا. في حين أن الغضب ليس شعوراً سلبياً ويجب ألا يكون. لأنه الشعور الذي يقود إلى التغيير. وما هبّة النساء في أمريكا وفي العالم كله ضد الاستغلال والتحرش سوى التعبير الجميل عن الغضب الذي تراكم من قبل. لقد نطقن واعترضن بشكل إيجابي يخدم وجودهن في المجتمع ويمنحهن حقوقهن بعد أن التزمن السكوت السلبي الذي أضر بنفسياتهن وسلبهن كرامتهن.

انتفاضة النساء
نتلفت حولنا في العالم ونجد ظاهرة جديدة تتمثل في الشخصيات النسائية التي تطلق صرخات الغضب: جريتا ثانبرج الطفلة المراهقة السويدية التي تناضل للدفاع عن البيئة، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، أصغر عضو في الكونجرس الأمريكي، والممثلة روز ماكوان، أول امرأة تشهد ضد المنتج السينمائي المتحرش هارفي وينشتاين. لقد حاول كثيرون التقليل من غضبة أولئك النساء والسخرية من دوافعهن، وحتى الطفلة السويدية التي تنشط من أجل بيئة أنظف فإنها تعرضت لحملات من الهجوم الضاري عليها. وقد شاهدنا غضبة بطلة كرة المضرب العالمية سيرينا وليامس حين صرخت تتهم الحكم بالتحيز. وهناك من بارك صرختها وهناك من اتهمها بالشراسة التي لا تليق بأنثى.

من الأكيد أن هذه المواقف العدائية تنطلق من عقلية ذكورية ترفض رؤية الأمور بشكلها الواضح. وليس من السهل على أي عربي ذي سلطة أن يتخلى عن سلطته ويتنازل عن جانب منها لكائن يعتبره أضعف منه. فكيف إذا خرجت من الصفوف امرأة ترفع الصوت ضد الممارسات الخاطئة السائدة؟ تقول شمالي إن المجتمعات لم تتعود أن تربط بين الأنوثة وبين النفوذ. فهؤلاء النساء يتجرأن على محاسبة الرجال ويفعلن هذا بدون شعور بالدونية أو بالخجل، بل بقوة قادرة على تغيير الأمور وجمع ملايين الأنصار حولهن.
مع ظهور حركة «مي تو» صار للغضب النسائي تأثير إيجابي. خصوصاً بعد أن ناصرت نساء شهيرات تلك الحركة التي تفضح المتحرشين. وبينهن من أخذت الكلام لكي تندد بالعنف الجنسي ومن فضحت رجالًا معروفين مارسوا معها الابتزاز العاطفي مقابل منحها حقها في الحصول على فرصة عمل. وهنا تساءل العالم: «إذا كانت ممثلات شهيرات مثل هؤلاء قد تعرضن للتحرش وحتى للاغتصاب، فأي واقع مؤلم تواجهه النساء المجهولات والأقل مالًا وشهرة؟». وهناك بين الشابات من قالت لنفسها إن هذا يمكن أن يحصل لها أيضاً، وبالتالي لابد من تحرك جماعي كبير على صعيد الدول والتشريعات التي تعاقب ابتزاز النساء والتحرش الجنسي في العمل وفي الشارع وتغلظ من تجريم قضايا الاغتصاب وقتلهن.

«إذا كانت ممثلات شهيرات مثل هؤلاء قد تعرضن للتحرش وحتى للاغتصاب، فأي واقع مؤلم تواجهه النساء المجهولات والأقل مالًا وشهرة؟»

وصلت ثريا شمالي إلى باريس للترويج للطبعة الفرنسية من كتابها. وتصادفت زيارتها مع خروج الممثلة الفرنسية المعروفة أديل هاينل إلى العلن وكشفت عن تعرضها للتحرش من مخرج ومنتج شهير. فالمجتمع الفرنسي أكثر سرية من الأمريكي فيما يتعلق بالعلاقات بين الجنسين. وليس من السهل التنديد بالمتحرشين لأن التجاذبات بين الرجل والمرأة تستند إلى ثقافة متأصلة وتعتبر من الأمور الشرعية. وهناك نساء نشرن عريضة ضد تجريم المتحرشين وقلن فيها إن من المؤسف محاولة منع الرجال من التغزل بالنساء وإبداء الانجذاب نحوهن. وقد سألت الصحافة المؤلفة ثريا شمالي عن ردة فعلها إزاء هذه الحادثة. وكان جوابها إن ما قامت به الممثلة هو عمل شجاع. وأشارت إلى أن السياسيات الفرنسيات سبقن الأمريكيات في مناصرة حركة «مي تو» التي أطلقن عليها تسمية فرنسية هي «أفضحي خنزيرك».

ترى شمالي أن قوة «مي تو» تكمن في أنها نجحت في نسج شبكة عالمية حقيقية لمكافحة التحرش. ولعل هناك من لم يفهم، بعد، أهمية تواصل النساء فيما بينهن بدون اعتبار للحدود الجغرافية وفي نشاط عابر للقارات. وهو عمل لم يحدث في التاريخ من قبل. أي أن تستعيد المرأة حقها في الدفاع عن جسدها.حسناً، لنعد إلى بداية المقال: ما الذي حدث بعد أن طلب الأب من ثريا أن تنظف المائدة وتجمع الصحون؟ تضحك اليوم وهي تستعيد تلك الحادثة وتقول إنها مارست الاحتجاج منذ نعومة أظفارها، وهي قد رفضت رفع الصحون المتسخة ما لم يشاركها شقيقها في العمل.

اقرأ ايضاً:
اجذبي الطاقة الإيجابية إلى حياتِك بهذه الطرق الذكية!
للمرأة المغتربة في الإمارات.. هذه هي حقوقك عند الطلاق
هل ينصف القانون الإماراتي المرأة المعنفة؟
هل أنت شخصية قلقة؟ وما درجة توترك؟
4 حكم ستغير حياتك للأفضل 

 

مقالات ذات صلة