01 يوليو 2026

هوس الشراء عند النساء.. هل يتحول التسوق إلى علاج للاكتئاب وسبب للخلافات الزوجية؟

محررة متعاونة

مجلة كل الأسرة

حاول الزوج الشاب إقناع زوجته بكل الوسائل، أنه في حاجة ماسة إلى جزء من راتبها الشهري، لتساعده في مصاريف الحياة، لكنها رفضت بشدة، فاستسلم الزوج لرغبات زوجته على أن يتولى هو تدبير نفقات الأسرة، ويظل راتبها ملكاً لها، تتصرف فيه كيفما تشاء، لشراء متطلباتها من ملابس وماكياج وأكسسوارات وخلافه. لكن للأسف، لم تتوقف الخلافات الزوجية عند هذا الحد، وبدأت الخلافات تتصاعد من جديد، نتيجة شراء الزوجة المتكرر لحاجات لا تحتاج إليها ومتوافرة لديها في المنزل بالبطاقات الائتمانية الخاصة بزوجها، والتي من المفترض أن تنفق منها فقط على مستلزمات البيت والأولاد، بعد أن أصرت على الاحتفاظ براتبها بالكامل، الذي يفوق راتب زوجها للإنفاق منه على متطلباتها الشخصية من ملابس وخلافه.

تصاعدت حدة الخلافات بين الزوجين، ووصل الأمر بينهما للطلاق أكثر من مرة، ولكن في كل مرة يتراجعان في اللحظة الأخيرة، من أجل الأبناء والعشرة والحب، الذي كان، لكن الديون تثاقلت على الزوج، وبدأ يستدين لتلبية متطلبات زوجته التي لا تنتهي، وفجأة وبدون سابق إنذار وبسبب كم الضغوط التي يتعرض لها الزوج قرر التخلص من حياته بقطع شرايينه، لكن العناية الإلهية أنقذته في اللحظة الأخيرة قبل أن يفارق الحياة، وفي أول كلمات له بعد محاولة الانتحار الفاشلة قال: «كرهت حياتي، بسبب تبذير زوجتي وإصرارها على إدمان التسوق والشراء بشكل جنوني بدعوى أنها تكون سعيدة عند شراء هذه الأشياء، وفي كل مرة تندم وتعود لتقول لي إنها بالفعل أنفقت الكثير من الأموال في أمور غير ضرورية، ولا تدري لماذا أقبلت على الشراء في لحظتها، وما هي إلا أيام وتعود «ريمة لعادتها القديمة».

هذه الواقعة ليست حالة فردية، فوفقاً للعديد من الدراسات، التي تناولت أسباب الخلافات الزوجية، أكد كثير من الأزواج أن الزوجة أحياناً تصاب بـحمى الشراء والتسوق، وتصل إلى مرحلة الإدمان، وعند كل محاولة من الزوج لمواجهة هذا الأمر تتهم زوجها بالبخل، وتفتعل معه الخلافات التي قد تصل للطلاق.

طرحت «كل الأسرة»، تفاصيل هذه الواقعة، وسألت: هل حمى الشراء وإدمان التسوق عادة نسائية تصل بالبعض لتدمير علاقته بشريك الحياة؟ أم أن هذه الحالة تنتاب النساء بسبب الاكتئاب وكثرة هموم الحياة؟ وكيف يتعامل الزوج مع زوجته المصابة بهذه العادة؟ وما الطريقة التي يمكن بها للزوجة أن تتخلص من هذه العادة، قبل أن تدمر حياتها الزوجية؟

الكبت أهم الأسباب

في البداية، أن هذا النوع من المشاكل منتشر بشكل ملحوظ بين المتزوجين حديثاً، وفي النهاية يصل بهما الخلاف إلى الطلاق، أو الخلافات المستمرة، وقد ترضخ الزوجة لرغبات زوجها، لكنها تظل تشعر بالقهر والكبت، خوفاً من شبح الانفصال.

إن المشكلة تكون أحياناً في اختلاف المستوى المادي للزوجين قبل الزواج، حيث تكون الزوجة من أسرة ميسورة الحال، وتربت على الإنفاق بلا حساب، وشراء ما تريد دون أن تشغل نفسها بسعره أو مدى احتياجها له، وللأسف تبدأ المشكلة مع امرأة من هذا النوع عندما تقترن برجل غير ميسور أو ليس من طبقتها، ولا يستطيع أن يحد من إسرافها في الصرف، كما اعتادت كل حياتها فيصطدم الطرفان بواقع مرير، خصوصاً عندما تحاول هي أن تتنازل قليلاً، وتفشل لأن تنازلها لا يدوم طويلاً، لكي تعود إلى ما تربت عليه.

لذلك دائماً ما نطالب كلا الطرفين، بأن يحسنا الاختيار، وأن يختارا شريك الحياة الملائم لهما، من حيث العادات والطباع، وأن يتكيف الطرفان مع ظروفهما الجديدة ويرتضيا ذلك، لكن للأسف الكثير من الشباب يعيشون أحلاماً وردية، وما إن يبدؤوا حياتهم اليومية معاً يكون «الطبع غالباً».

وأن الحرمان العاطفي الذي قد تعانيه الزوجة مع زوجها وبخله عليها بالمدح وانغماسه في الحياة ما بين العمل وتوفير احتياجات الأسرة، متناسياً متطلبات زوجته في سماع كلمات الإعجاب والحب يدفعها للإفراط في الاهتمام بنفسها، وتعويض افتقادها للإطراء بشراء ما يحلو لها، بحثاً منها عن قضاء وقتها، الذي يغيب فيه الزوج في شيء يسعدها.

ونطالب الشباب والشابات المقبلين على الزواج بفتح حوارات مستمرة حول هذه الأمور كلها، وحسمها قبل الارتباط، حتى لا يقعوا في فخ الطلاق السريع، ويكون الضحية دائماً هم الأبناء، مؤكداً أنه دائماً ينصح كل شاب مقبل على الزواج بأن يفاتح خطيبته أو من يتقدم لخطبتها بكل الأمور التي قد تزعجه فيها بعد الارتباط ويصل معها فيها إلى حلول وسط؛ لأن (اللي أوله شرط آخره نور)، والزواج الذي يبدأ على بينة ورضا في كل الأمور الشائكة يكلل بالنجاح، ويكون عمره طويلاً ويمر هادئاً بلا خلافات.

جزء من الاكتئاب

نشير هنا إلى أن الكثير من الدراسات النفسية، أكدت أن النساء أكثر عرضة لـهوس الشراء من الرجال، وذلك لطبيعتهن وحبهن للتسوق، ويجب على كل زوجين في بداية حياتهما الزوجية الاتفاق على مجموعة من القواعد تكون في شكل اتفاق بينهما، حتى لا يثير مثل هذا النوع من الأمور خلافات بينهما في المستقبل.

وهوس الشراء الذي يصيب البعض من الرجال والنساء يعد جزءاً من مرض الاكتئاب، خاصة بالنسبة إلى الذين يتعرضون لنوبة اكتئاب شديدة يقوم الفرد فيها لا شعورياً بتصرفات سلوكية تضره فيما بعد.

فتنتاب الإنسان حالة من الرغبة في الهروب من واقعه ومشكلاته إلى اللذة والمتعة، ولرفع روحه المعنوية من حالة غير سارة يعيش بها إلى اصطناع حالة سعادة يعيش فيها من خلال قيامه بـالتسوق القهري بين المجمعات التجارية؛ ليشعر بسعادة وقتية أو لقضاء وقت فراغ، كما أنه لا يكون واعياً لأهمية ما يشتريه ولحدود إمكاناته المادية.

كما أن التعرض للكبت يؤدي بالشخص إلى إدمان التسوق، حيث يشعر هذا النوع من النساء مدمنات الشراء بسعادة غامرة أثناء عملية شراء الأغراض، ومن الممكن أن يلحق ذلك شعور بالندم، بسبب ما أنفقته من مال في أمور، هي ليست بحاجة لها، فتجدها تحرص على عدم عرض مشترياتها أمام زوجها والمقربين منها، لتتجنب الانتقاد فيزيد هذا من إحساسها بالندم.

ونؤكد هنا أن عاطفية المرأة بشكل أكثر من الرجل، هي التي تدفعها لترجمة التصرفات بشكل خاطئ أحياناً، فالعاطفة تحركها وتتحكم فيها، وفي سلوكاتها، ومن علامات المرأة المدمنة للتسوق أن يكون دولابها مملوءاً بالملابس التي لا تزال على حالتها لم تلبسها بعد، ومع ذلك لا تجد غضاضة في شراء غيرها، فتجدها تعاني تكدساً.

أهم وسيلة للعلاج من حمى التسوق، هي أن تعترف المرأة بأنها تعاني مشكلة، وتسعى لحلها، كما أنه لا بد لها من الابتعاد لفترة من الزمن عن أي شيء يثير عندها شهوة الشراء والتسوق، عبر المواقع الإلكترونية، وستجد نفسها قد تخلصت من جزء كبير من المشكلة.

كما أنه ينبغي لها أن تحدد قبل الذهاب للتسوق الأشياء الضرورية التي تحتاج إليها، وتدونها في ورقة خارجية تأخذها معها، وأن يكون بداخلها قرار أنها لن تقتني شيئاً، هي ليست بحاجة له.

كما ينبغي عدم مجاراة الأصدقاء في هذه السلوكيات الاستهلاكية من دون وعي، أو سبب، فلكل شخص ظروفه، ولكل أسرة التزاماتها، والتقليد الأعمى في هذه الأمور لا يحقق السعادة والرضا، بل يجلب الخراب والتصدع للعلاقات الزوجية.

إن الواقع يؤكد وجود علاقة طردية بين معدلات الإصابة بـهوس الشراء ومعدلات أوقات الفراغ لدى النساء، مما يتيح لهن القيام بجولات التسوق غير الضرورية لمجرد تضييع الوقت؛ لذلك على المرأة التي تجد في نفسها أنها أدمنت التسوق والشراء، البحث عن فرصة جديدة لقضاء أوقات فراغها بشكل مختلف، بعيداً عن التسوق والشراء.

ومن الأمور المفيدة أيضاً في التخلص من هذه العادة، التوقف عن الذهاب للأسواق والمحالّ في فترات التخفيضات والخصومات، وعدم شراء كميات كبيرة من السلع التي تخضع لغرض التخفيض، حيث يبرر المتسوق شراءه لكميات كبيرة تحت شعار اقتناص الفرصة.

دورات تدريبية

السلوكيات الاستهلاكية وحمى الشراء تكبر مع الشخص منذ صغره، وهي من الأمور المهمة التي يجب تربية الطفل عليها منذ نعومة أظافره، أن يكون رشيداً في احتياجاته، وألا يقتني الأشياء لمجرد الرغبة في ذلك بلا وعي لفائدتها وجدواها.

ومن الضروري أن تعلم الأم بنتها تخطيط وتأسيس ميزانية شهرية يتحدد فيها بند الإيرادات والدخل الشهري يقابله بند المصروفات والنثريات، وفي ضوء الميزانية يتم تحديد أيام ثابتة للتسوق؛ حتى تتعلم كيف تدير أسرتها في المستقبل، ولا مانع من إعداد دورات تدريبية للمقبلين على الزواج من الجنسين لتعليمهم، كيفية إدارة شؤون المنزل بلا إفراط ولا تفريط.

وأيضاً يجب على كل زوج أن يراعي نفسية زوجته فما تحتاج إليه هي يختلف عما يراه هو، ولا مانع من تلبية بعض من حاجاتها، حتى وإن رأى أنه لا داعي لها ما دمت لم تخرج عن الحد المعقول، فالتسوق وحب الشراء بالفعل له تأثير سحري في النساء أكثر من الرجال، والمرأة بطبيعتها تحب التألق والجمال، وتصاب بالملل سريعاً من أشيائها، لذلك تبحث دائماً عن التجديد.

كما أنها تحتاج إلى الكثير من دفعات الثقة من الزوج والمحيطين بها، حتى تكتسب روحاً معنوية جيدة قد تقلل من إسرافها في بعض الأمور، التي تجد فيها السعادة، وليس معنى أن الزوجة مدمنة للشراء أن يحرمها زوجها من إدارة أمور الأسرة المادية ويتولاها هو.

ومن الأفضل أحياناً أن يسلم الزوج لزوجته مصروف البيت، لتدرك هي حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق الأسرة، وتحد من سلوكها الاستهلاكي وتبذيرها. وننصح النساء مدمنات التسوق، بعدم الخروج في جولات تسويقية وهن يحملن الكثير من الأموال، وعدم استخدام بطاقات الائتمان المفتوحة، ويفضل أن تكون محددة بمبلغ معين.

كما يجب عليها زيادة نشاطها الاجتماعي والثقافي، وممارسة الهوايات وتطوير المهارات، خاصة أن نسبة كبيرة من المهووسات بالتسوق والشراء من الفئات التي لديها أوقات فراغ، وكذلك من ذوات الدخول المرتفعة، والتي يمكن توجيه واستغلال أموالهن في أمور ليست مهمة.

*القاهرة_"كل الأسرة"