18 يونيو 2026

المظهر أم الأخلاق؟ كيف أصبحت الصورة معياراً للحكم على الأشخاص في المجتمع؟

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

بات المظهر الخارجي مفتاحاً استراتيجياً في علاقتنا مع الآخر، في ظل هيمنة الصورة على باقي التفاصيل «القيمية» إذا صح التعبير. فالسلطة غدت للشكل والأناقة على حساب البعد الأخلاقي، وهو ما يتبدى في المسار المجتمعي والوظيفي حيث يحظى بالوظيفة الشاب الوسيم ذو المظهر الجذاب، ويقبع الشاب ذو المظهر البسيط في منزله بانتظار الفرصة وهو ما ينطبق على الفتاة، وهذه صورة من صور غلبة المظهر والأخلاق بعيداً عن تعميمها.

سيادة المظهر تنسحب، وبعيداً عن التعميم أيضاً، على خيارات الزواج إذ غدا المظهر هاجساً عند بعض الشباب من كلا الجنسين من دون إقامة اعتبار لمفهوم الزواج وأسس الاختيار القائم على الدين والأخلاق قبل المظهر، وهو ما يبرر نسب الطلاق المرتفعة في مجتمعاتنا في العام الأول من الزواج سواء بسبب سوء الاختيار أو عدم تفاهم الشريكين على مبادئ العلاقات الزوجية كون كلاهما اختار المظهر. يرفض علي المعمري الحكم على الأشخاص من المظهر لأنه ليس مقياساً لجوهر الفرد وأخلاقه. بيد أن ثمة حالات تتطلب مظهراً لائقاً. في هذه الحالة، يتوقف المعمري عند أبعاد المظهر إذ «ليس من المحبب أن يحضر أحدهم احتفالاً معيناً أو فعالية دون الاعتناء بهندامه». بيد أن الفرد هو الذي يحدد علاقته بهندامه ومظهره، وهذا ليس سائداً في مجتمعنا إذ يأسف المعمري لوجود «أفراد، وهم كثيرون، يحكمون على مظهر الفرد ويولون الاهتمام للمظاهر والكماليات وتغليبها على المضمون».

المظهر «غشاش»!

من جهته، يوافق الحمادي على رأي المعمري بخصوص سيطرة المظاهر وغلبتها على الأخلاق: «بات الواقع صعباً في ظل الحكم على مظهر الفرد وغالباً ما يكون المظهر «غشاشاً»، وهذا الأمر يسري سواء على العلاقات الاجتماعية أو على خيارات الارتباط أو على الصعيد الوظيفي».

تلك المطبات يعزوها الحمادي إلى التربية وشخصية كل فرد: «على صعيدي الشخصي، لا أحكم على المظهر وأرى أنه علينا أن نزرع في نفوس الجيل الحالي البعد الأخلاقي وعدم طغيان المظهر على هذا البعد». بدورها، تعترف أسماء بن حيدر أن المظهر اللائق يدل على ذوق واهتمام الفرد بنفسه: «وهو ما ينعكس على الانطباع الأول، وفي بعض الأحيان، أحكم على فرد من خلال مظهره ولكنها ليست قاعدة أتبعها في مسار تعاملي مع الأفراد».

فالمظهر يشكل مفتاح العلاقة مع الآخر أو الحكم عليه: «من جهتي، لا أعني المظهر المبالغ به لجهة اقتناء الماركات، بل بقدر ما تعنيني «الأناقة في المظهر» أي أن يكون الفرد «مرتباً» بالمعنى الأقرب للكلمة». ولكن الحكم على المظهر هو «وقتي». توضح أسماء أن هذا الأمر هو «رهن التعامل الدائم مع الفرد أو التواصل المؤقت، وهو عنصر يلعب دوراً في الحكم الحقيقي على الفرد، بعيداً عن المظهر في حال التماس المباشر معه ولكن في النهاية، لا يمكن حصر الشخص في هذا النطاق ويبقى المظهر والجوهر في حالة اختبار مستمرة ويبقى الجوهر هو الغالب».

امتلاك المادة = تقدير الذات!

الحكم المسبق على المظهر وتنحي الأخلاق عن الصورة إشكاليتان سيطرتا على تفكير البعض في زمننا الراهن، في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديثة وما تسوقه من قيم جديدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمظاهر والرفاهية والعيش في أجواء من الفخامة.

يؤكد فهد أحمد، أن شريحة مجتمعية كبيرة تولي هذا الموضوع أهمية لدرجة مبالغ بها: «نحن نعيش في عالم مادي وما بين العالم المادي والعالم الداخلي، تكمن محكمة الذات أو السيطرة على الذات حيث السؤال الأدق: «هل النفس هي القائدة أم هي مقادة؟ في هذا الخصوص، يبدو أن تقدير الذات يرتبط بصورة كبيرة بحكم الآخر علينا: «الكثير من الأفراد تبدو صورة ذواتهم مشوهة كونهم يستقون تلك الصورة من خلال رأي الآخرين ونظرة الناس لهم حيث يبدون مبالغة في مظهرهم مع افتقاد الإبداع والكثير من الحكمة، في حين أن يطغى العالم الداخلي على المادة عند البعض ليتسم هؤلاء بتقدير أعلى للذات». يرصد السبب وراء مبالغة شريحة كبيرة من الناس بالهروع نحو المظهر: «في مجتمعاتنا العربية والخليجية، تتركز أعلى نسبة شراء لأدوات التجميل والأناقة بعد مستلزمات الطعام، وهذا ينم عن إيلاء الشكل الخارجي اهتماماً أكبر من الجوهر الداخلي».

هذا البعد يطل على نسب الطلاق المرتفعة وهو ما يعزوه أحمد إلى «اهتمامنا بالناس أكثر من اهتمامنا بأنفسنا وقياس تقديرنا لذواتنا بما نملك من أشياء مادية». إذاً، طغيان المظهر الخارجي يرتبط، بشكل من الأشكال، بضعف العلاقة بين أفراد المجتمع لدرجة مرضية. يوضح: «باتت المقابلات الوظيفية تركز على الشكل الوسيم كفرصة للتوظيف وأصبح المظهر وسيلة عبور للتوظيف أكثر من التركيز على إمكانات ومهارات طالب الوظيفة».

تكلم حتى أراك!

يستعرض موقفاً حصل مع Socrates وتلاميذه حيث كان الأول يخوض، مع تلاميذه، في مواضيع مختلفة وجاء أحد التلاميذ متبختراً ومزهواً بنفسه، فنظر إليه سقراط وقال جملته الشهيرة: «تكلم حتى أراك». يأسف أحمد للاهتمام الزائد بالمظهر حيث «لم نعد نرى الناس على حقيقتهم، بل نرى ما يظهرون لنا. ولهذا، في جل محاضراتي، أطرح سؤالاً في فقرة القناعات وأوجهه لكل من المرأة والرجل كيف يصف الآخر، وللأسف، ثمة نساء يصفن الرجل بـ«الصراف الآلي» ويربطن النظرة له بما يملك من المال كمصدر للسعادة والاستقرار وحتى أن 90% من النساء لا يبدون على حقيقتهن».

المظهر.. مفعول سحري!

إذاً، لا تتجلى تلك الإشكالية كحالة، بل يمكن القول إنها «ظاهرة» وبالأخص لدى بعض الجيل الحالي الذي لم يجد ما يبلور به ثقافته الضحلة إلا من باب التسويق لمظهره.

سلطة المظهر والشخصية وأثرها في الحياة الاجتماعية والزواج هي عناوين يطرحها د. عمر الأمين، في تناوله لتلك الإشكالية. يقول: «إن الله جميل يحب الجمال» وهو حديث نبوي وكان، صلى الله عليه وسلم يدعو دوماً بقوله: «اللهم كما حسنت خلقي، فحسن خلقي». فالمظهر هو عامل جذب للطرف الآخر والدليل أن «امرأة العزيز انجذبت إلى Prophet Yusuf على الرغم من أنه كان خادماً في القصر بسبب جماله». يؤكد الأمين على المفعول السحري للمظاهر في نفس البعض، على الرغم من أن الجوهر هو الأساس: «مخطئ من يعامل الناس بناء على مظهرهم. فلو كان الفرد جميل المظهر وكانت تصرفاته لا ترقى إلى المستوى الأخلاقي المطلوب، ينفر منه المحيطون وتنعدم سبل التواصل الفاعل معه لكون الاحترام والتعامل الراقي هما أساس التعامل مع البشر وليس المظهر». هذا الرقي الأخلاقي ينسحب أيضاً على اختيار شريك الحياة إذ «من الواجب البحث عن جوهر هذا الفرد وإيلاء الاهتمام لفكره وأخلاقه لأنه في حال كان أنيق المظهر وسيئ الأخلاق ولا يدرك مكامن الحوار، تتحول الحياة إلى مأساة في حال الارتباط به».

يخلص الأمين إلى اعتماد مبدأ «الأناقة بالبساطة»، بيد أن وسائل التواصل الاجتماعي أرست لسلطة المظهر، وبالأخص لدى الجيل الحالي مع توافر التكنولوجيا وظهور العديد من «الفاشينستات»، فبات المظهر هو المتطلب الأول في الإقدام على الزواج، مما أدى إلى انقلاب المفاهيم»، معيداً الدعوة إلى تغليب الجوهر على المظهر في نظرتنا إلى الأفراد.