مرض الزوجة بين الوفاء الزوجي والحقوق الشرعية.. هل يبرر المرض الطلاق؟
تبقى العلاقة الزوجية سراً من أسرار الرحمة والألفة والتكامل بين الزوجين، ويبقى الصبر على الشدائد والمحن، وعدم التخلي عن شريك العمر في أيام العسر والمرض جزءاً من الميثاق الغليظ الذي يلزم الزوج بالصبر على الزوجة المريضة، وليس أقسى على النفس وخاصة الزوجة وبعد أن يتقدم بها العمر وبعد سنوات طويلة من الوفاء تفاجأ بعض الزوجات بتخلي شريك العمر عنهن بعد أن أثقلهن المرض ناسياً العشرة الطيبة والتفاني في الحفاظ على البيت والأسرة وتضحيات بلا حدود تحملتها الزوجة، ليتخلى عنها تاركاً إياها وحيدة تصارع آلام المرض والطلاق في آن معاً بداعي عدم تمكنها من القيام بواجباتها الزوجية الشرعية، وهي الحقوق التي كفلها له الدين والقانون ليبدأ حياة جديدة مع زوجة أخرى، وهذا ما يثير التساؤل التالي: هل من حق الزوج التخلي عن زوجته وهي تواجه محنة المرض؟ الجواب تركناه للمتخصصين في القانون والدين وعلم النفس ليضعوا النقاط على الحروف من خلال التحقيق التالي.
يقول جواد المنذري «متزوج» إن الطلاق أمر حلله الله سبحانه وتعالى من أجل تجنب وقوع الضرر، وإن كان يبقى في النهاية أبغض الحلال، ويبقى الزواج مؤسسة قائمة على الشراكة في جميع الحالات والظروف في «السراء والضراء»، واستخدام الزوج مرض الزوجة عذراً من أجل الانفصال هو أمر ليس من الدين ولا الإنسانية في شيء، بل يجب عليه أن يكون قدوة حسنة لأولاده ومثالاً على نكران الذات، وصون العشرة والتضحية في سبيل شريكة الحياة التي قاسمته الحياة بحلوها ومرها، مؤكداً أن ما يحدث من حالات يتخلى فيها الأزواج عن زوجاتهم بداعي حرمانه من حقوقه الشرعية وممارسة حياته الطبيعية يعود لتغير الكثير من المفاهيم والأفكار لدى جيل اليوم الذي يفتقد إلى الولاء والمسؤولية وفهم المعنى الحقيقي للزواج.
ويرى محمد أحمد «متزوج» أنه من حق الزوج الزواج من امرأة أخرى إذا ما مرضت زوجته فقد أباح الشرع للرجل الزواج بأربع، لكن أن يطلق زوجته وهي مريضة فهو أمر غير مقبول، وينسى أن الحياة الزوجية إنما تقوم على التعاون الدائم في «السراء والضراء» و«العافية والبلاء»، ومن الممكن أن تكون له مبرراته سواء كانت صائبة أو خاطئة لكن عليه ألا ينسى أنه يجب أن يكون سنداً لزوجته وألا يتخلى عنها في شدتها أو عن تحمل دوره كزوج وأب.
القضاء والقدر
خالد علي يرى أن تخلي الزوج عن زوجته بطلاقها في مرضها هو دليل على أنانية وحبه للنفس دون الاهتمام بمشاعر الزوجة المريضة في الوقت الذي تحتاج فيه إلى الرعاية النفسية والصحية، والرجل بطبيعة تكوينه يكون أقل وفاء من المرأة التي تتصف بالعاطفة والالتزام تجاه الأسرة والزوج بينما تسيطر على الرجل غرائزه خصوصاً إذا لم يكن ملتزماً دينياً ولم يكن مؤمناً بالقضاء والقدر.
ويضيف: «كل فرد في الحياة معرض للمرض لذلك يجب أن يكون الزواج مبنياً على حسن الاختيار القائم على التأني ومعرفة الطرف الآخر وفهم طبيعته وأفكاره، فالاختيار الخاطئ يعجل بنهاية العلاقة الزوجية سواء كانت الزوجة مريضة أم لا، وللحقيقة فإن للبيئة والتنشئة الأثر الكبير في تكوين شخصية الرجل».
وتقول زينب عبد الرحمن «مطلقة» إن بعض الأزواج يتخذون من مرض الزوجة عذراً، وبمجرد تأكده من مرض زوجته يتجه للتفكير في نفسه، ويتحين الفرصة للزواج من أخرى أو يتركها عند أهلها حتى تتوفى بحجة عدم القدرة على رعايتها صحياً دون مراعاة لمشاعرها في الوقت الذي يجب عليه أن يكون هو العون لها، وعلى العكس من ذلك تكون الزوجة من يقف إلى جانبه في مرضه، وعليه هو أن يرضي الله وضميره كإنسان وأب وزوج.
وتذكر زينب زوجة أخيها التي طلقها زوجها لمجرد أنها أصيبت بمرض فقر الدم ليتركها على الرغم من وجود أطفال، ويتزوج من أخرى ليكون عذره هو مرض زوجته وعجزه عن الاهتمام بها.
المظهر الخارجي
معاناة بعض النسوة من الألم والنبذ والإهمال من قبل الأزواج، وكذلك عدم القدرة على القيام بالواجبات تجاه الأسرة والأولاد، وشعورهن بالنقص من جراء المرض الذي ألم بهن وما تركه عليهن من تأثيرات وتغييرات قد تكون بعضها في شكل الجسد والمظهر الخارجي لهن ونظرة المجتمع والمقربين والتي كثيراً ما تكون خاتمتها طلاق الزوجة المريضة وتخلي الزوج عن واجب المساندة.
معاناة إحدى الزوجات التي كانت تنعم بحياة مستقرة لكن بعد اكتشافها إصابتها بمرض سرطان الثدي انقلبت حياتها رأساً على عقب، وبعد فترة من العلاج استمرت لمدة عام ما كان من الزوج إلا التخلي عنها وتطليقها والزواج بأخرى بالرغم من وجود أولاد بعد أن أصبح ينظر إليها أنها أصبحت عبئاً وثقلاً عليه لعدم قدرته على الإنفاق عليها والاهتمام بها وعلاجها، لتتلقى طعنتين في وقت واحد؛ طعنة المرض وطعنة الطلاق.
ونشير هنا إلى معاناة زوجة عقيمة، وبسبب عدم قدرتها على الإنجاب بدأت رحلة علاج استمرت لسبع سنوات، بعدها قرر الزوج الزواج من أخرى مدفوعاً بضغط كبير واستجابة لرغبة الأهل ومشورتهم ليحقق حلمه بأن يكون أباً، وبالرغم من موافقتها على زواجه وبقائها زوجة له إلا أنه كان رافضاً للأمر متعذراً بالأضرار النفسية التي قد يسببها لها وجود امرأة ثانية تشاركها فيه مما أدخلها في أزمة نفسية حولتها إلى إنسانة محطمة.
«مرحلة صعبة وإحساس بالظلم وتأثير نفسي سيئ» هو ما مرت به زوجة لم تدخل قفص الزوجية بعد «معقود قرانها» حينما قرر الخطيب تركها بعد أن لاحظ وجود مرض جلدي ظاهر على يديها، وبعد محاولات متعددة لإثنائه عن قراره أصر على طلاقها بداعي عدم تقبله لمرضها نفسياً بقوله: «مرضها يسبب لي الاشمئزاز».
الطلاق بين القانون والضرر
يعتبر الزواج مؤسسة اجتماعية وقانونية بصلاحه تُبنى الأسرة والمجتمع وبتفككه يتفكك الاثنان، وبإبرام عقد الزواج يندمج الزوجان في مؤسسة يحدد بموجبها حقوق وواجبات كل من الزوجين لضمان استمرار الحياة الزوجية واستقرار الأسرة.
وإن عقد الزواج المبرم بين الزوجين يعد بمثابة وثيقة تحدد واجبات الطرفين وتمنع كلاً منهما من الإخلال بواجباته المالية أو الشخصية تجاه الطرف الثاني كواجب الإنفاق على الزوجة أو العائلة، إضافة إلى الالتزامات الشخصية التي تتعلق أساساً بواجبات الاتصال الجنسي والإخلاص وغيرها من الحقوق التي تكفل استقرار العلاقة الزوجية.
وأن الطلاق جاء ليحل عقد الزواج بالصيغة الموضوعة له شرعاً إذا ما أخل أو تضرر أحد الطرفين من هذا العقد. وبالرغم من أن المرض هو حالة من الممكن أن تصيب أي شخص، فإن القانون يرى في المرض المؤثر في القدرة الجنسية سبباً وجيهاً يمكن للمتضرر منه من الزوجين طلب الطلاق على أساسه.
فعقد الزواج في تعريفه هو العلاقة التي تربط بين امرأة ورجل، ومن بين شروطه وجود علاقة جنسية بين الزوجين باعتبارها عنصراً جوهرياً يمثل انعدامه ضرراً مباشراً للطرف الآخر، وأنه متى فقدت فيه الشروط المطلوبة يتعين فسخ هذا العقد بالطرق القانونية.
لكن القانون وضع صيغة وحدد الحالات التي يمكن للمتضرر من الطرفين فيها طلب الطلاق، كالأمراض التي تشكل عائقاً عن ممارسة الحياة الجنسية وتشكل ضرراً مباشراً يحق للمتضرر من الزوجين طلب الطلاق بسبب المرض بدافع الضرر، ويكون ذلك بعد انتهاء المدة الزمنية التي يحددها القاضي والتي قد تصل إلى سنة من أجل تماثل المريض من الزوجين للشفاء.
وبعد انقضاء المهلة يحق للمتضرر طلب الطلاق إذا لم يصل الشريك إلى حالة الشفاء التام من المرض، أما إذا قام أحد الزوجين بطلب الطلاق بسبب مرض شريكه وتبين أن المرض لا يعيق الحياة الزوجية، ففي هذه الحالة لا حق للطرف المتضرر من مرض شريكه في طلب الطلاق للضرر.
واجبات الزوج
يكتسب الزواج أهمية كبيرة وأحاطه الله عز وجل بعناية بالغة، فوضع حدوده ومعالمه الأساسية التي يقوم عليها من حيث حقوق وواجبات كل طرف فيه تجاه الآخر للحفاظ على هذا الرابط المقدس دون وقوع ظلم على أحد طرفيه، كالتعامل فيما بينهما بالمعروف وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والمشاركة في كل ما يعود بالنفع والفائدة على الأسرة.
وتتحدد واجبات الزوج تجاه زوجته بالنفقة والرعاية التي تكفل لها الشعور بالطمأنينة والراحة النفسية، والتي تشتمل على الإنفاق على الغذاء والكسوة وتوفير المسكن المناسب والهدية والسفر والعلاج إذا ما مرضت.
وبذلك يكون الزوج ملزماً بالإنفاق عليها حتى وإن كانت مقتدرة مالياً، فهو مكلف بكل شيء ما دامت في عصمته حتى وإن كان فقيراً، إلا إذا تنازلت هي عن حقها في الإنفاق عليها، وهذا من تكريم الإسلام للمرأة.
فهو بذلك ملزم بعلاجها في مرضها، وإن شاركت هي في علاج نفسها وساعدته فإنما هذا من حسن العشرة بين الأزواج ومن صور الوفاء بين الزوجين.
وإن طلاق الزوجة المريضة ليس من المروءة والإنسانية، فالحياة متقلبة بين «العسر واليسر» و«الصحة والمرض»، والأولى بالزوج أن يصبر ويحتسب ويدعو لها، وهذا من مقتضيات الكتاب والسنة والعشرة الزوجية، قال تعالى: «وعاشروهن بالمعروف».
ومن حقوق الزوجين الاستمتاع بالحياة الزوجية، فإذا كانت الزوجة مريضة بمرض يمنعها من أداء واجباتها الزوجية تجاه الزوج وعدم قدرته على أن يعصم نفسه ويمكن أن يوقعه في ارتكاب المعصية، عندها يجوز له الزواج بأخرى دون أن يوقع الضرر بزوجته المريضة بطلاقها، مع المحافظة على حقوق الزوجة المريضة ورعايتها وعدم التخلي عنها.
إصابة المرأة بالمرض يزيد من حالة رفضها للذات
إن الضرر الناجم عن مسائل الزواج والطلاق يعتبر واحداً من تلك الأضرار ذات التأثير المادي والنفسي في الفرد في ذات الوقت، والذي قد يمنعه من مواصلة حياته كغيره من الآخرين لما قد يسببه له من اضطراب نفسي قد يمنعه من الارتباط مستقبلاً.
ويكون مردود فعل الطلاق على المرأة أشد وقعاً منه على الرجل، وحجم الضرر وتداعياته يعتمد على شخص المرأة ذاتها، وعلى نوع العلاقة التي كانت تربطها بالشريك. فبعض النساء تكون مدركة ومتقبلة أنها خاضت غمار تجربة مع رجل لا يمكن لها أن تستمر معه ولا يمكن علاج الصدع الناشئ بينهما.
وأن أغلب النساء ينظرن إلى الطلاق على أنه واقع لوجود خلل في شخصها هي أو جمالها أو سلوكها، والمرأة المريضة على الأخص تشعر بالانهيار النفسي بسبب إصابتها بالمرض، ومما يزيد خطورة الأمر هو محاولة الزوج التخلي عنها بالطلاق مما يزيد من تدهور حالتها النفسية.
كما أن الإصابة بالمرض تزيد من حالة رفض الذات والتي قد تؤدي بها إلى الاكتئاب، وخاصة المرأة المريضة بمرض يسبب خللاً في الصورة الجسدية لها كمرض سرطان الثدي أو الرحم أو الأمراض الجلدية باعتبارها أمراضاً تؤثر في الصورة الجمالية.
ومما يزيد من حدة المشكلة عدم تقبل الزوج لإصابة زوجته بالمرض في كثير من الحالات، ليكون الطلاق بسبب المرض خلال فترة العلاج، وبحكم التكوين العاطفي للمرأة يكون هذا الفعل سبباً لإصابتها بالقلق والاضطرابات الجسدية والنفسية.
وقد يؤدي ذلك في بعض الحالات إلى اضطراب في الصحة النفسية قد يصل بها إلى أفكار إيذاء النفس، وهو ما يؤكد أهمية الدعم النفسي للزوجة المريضة ووقوف الأسرة والزوج إلى جانبها خلال رحلة العلاج.
إن الزواج والمرض اختبار حقيقي لمعاني الرحمة والوفاء والمسؤولية، فحين تواجه الزوجة محنة صحية تكون بحاجة إلى المساندة والدعم أكثر من أي وقت مضى، ويظل الوفاء وحسن العشرة والالتزام بالواجبات الأسرية من أهم الأسس التي تحفظ استقرار الأسرة وتعزز الاستقرار الأسري في مواجهة التحديات.
