تأجيل الإنجاب في العام الأول من الزواج.. هل يقلل الطلاق المبكر ويعزز استقرار الأسرة؟
في دراسة صدرت عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر عن أن 49% من حالات الطلاق المبكر تقع خلال العام الأول من الزواج، وتوصلت الدراسة بعد دراسة نسبة من هذه الحالات أن أغلبها تكون لديهم أطفال بنسبة 75%.
وأوصت الدراسة بـتأجيل الإنجاب من قبل الزوجين لمدة عام على الأقل إذا لم تكن هناك فترة خطوبة كافية للتعرف بينهما. هذه الأرقام المفزعة دفعت عدة جهات إلى التفكير في مقترح «نعم للإنجاب بعد عام من الزواج» للحد من تزايد عدد الأطفال الذين يولدون بعيداً عن آبائهم، وبدأت تدعو لهذا المقترح من قبل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
إن فكرة تأجيل الإنجاب لمدة عام تهدف للحد من الطلاق المبكر، لأن النسبة الأعلى من الطلاق تكون بالعام الأول من الزواج، مشيرة إلى أن الفكرة لن تجد الترحاب الشديد خاصة أنه من الصعب قبول الفكرة خصوصاً أن الإنجاب في المجتمعات العربية هو أحد التقاليد الضرورية المترتبة على الزواج وأحد مرتكزات البناء الأسري واستقرار الأسرة، فيما يكون عدم الإنجاب سبباً أساسياً من أسباب هدم الأسرة وتفكك العلاقات الزوجية.
الفكرة في صالح الطرفين وليست على حساب الرجل في شيء حيث قمنا بعمل الاستطلاع من خلال الصفحة الرسمية للحملة وعدد من صفحات منظمات نسائية وأظهرت نتيجة الاستطلاع «موافق» على اقتراح عدم الإنجاب قبل عام من الزواج بنسبة 81% وغير الموافق 19%.
كانت «كل الأسرة» قد تناولت نتائج هذه الدراسة في تحقيق سابق وطرحت فكرة تأجيل الإنجاب خلال العام الأول من الزواج على عدد من أساتذة الطب النفسي والعلاقات الزوجية والأسرية وأساتذة النساء والتوليد للوقوف على إمكانية أن يساعد ذلك في التخفيف من معدلات الطلاق وحماية الأبناء من الضياع بسبب حدوث الطلاق المبكر؟ وهل سيساهم هذا الاقتراح في استقرار الأسرة واستقرار الزوجين والتأقلم على الحياة الزوجية الجديدة قبل تحمل مسؤوليات الإنجاب والحمل وتربية الأبناء؟
في البداية يؤكد الدكتور محمد هاني، استشاري الطب النفسي والعلاقات الزوجية والأسرية، أنه من الأفضل في كثير من الأحيان للزوجين تأجيل الإنجاب أو الحمل بعد الزواج لفترة من الزمن حتى يتعرفا على بعضهما أكثر ويزداد بينهما الحب والترابط، خاصة إذا كان الزواج تقليدياً وكانت فترة الخطوبة قصيرة ولم يستطع الطرفان قضاء وقت كاف مع بعضهما.
وأكد استشاري العلاقات الأسرية أن أغلب حالات مشاكل الزواج تبدأ بعد الشهر الأول من الزواج، وذلك تبين من إحصاءات قام بها المجلس القومي للمرأة ومنظمات ومؤسسات نسائية وقد تحدث بعض هذه الحالات في أول شهور من الزواج وتكون الزوجة حاملا منذ الأيام الأولى وهنا يكون الضحايا هم الأطفال الذين يولدون منذ اليوم الأول محرومين من حنان الأب وعطفه ورعايته وقد يحرمون من حنان الأم أيضا في حالة زواجها ويربون في تشتت بين أبوين كليهما ذهب ليكمل حياته.
لكن الدكتور محمد هاني يري أن هذا الاقتراح رغم أنه رائع إلا أنه من الصعب أن يطبق في القرى والمناطق الشعبية، فبعد شهرين من الزواج يبدأ الأهل والأصدقاء والجيران يسألون الزوجين عن سبب عدم حدوث الحمل ويدفعهم للبحث في الأمر وتداركه سريعا لذلك يجب توعية الأهل قبل العريس والعروسة بأهمية أن يأخذ الزوجان فرصة للتأقلم على الحياة الزوجية الجديدة. وفي الوقت نفسه يحذر الدكتور محمد هاني من زيادة الفترة بشكل مبالغ فيه خاصة إذا كانت من أجل التعارف والود بين الطرفين والتعود على الحياة ومسؤولياتها.
.. ولكن بشروط
ويتفق معه الدكتور عبد المجيد عويس، استشاري العلاقات الزوجية والأسرية، في أن هذا المقترح رائع لكن ينبغي ألا تتعدى هذه الفترة العام أو العامين على الأكثر والبدء في التفكير في الحمل بعدها ويفضل للزوجين إجراء الفحوص للتأكد من عدم وجود مشكلة تأخر الإنجاب ولا يجب تأجيل إجراء الفحوص، لأنه وارد أن تكون هناك مشكلة تستغرق عاماً أو عامين، وبالتالي تطول فترة عدم الإنجاب.
ويشير د عبد المجيد عويس إلى أن عاماً من الزواج فترة كافية للطرفين للتأقلم على حياتهما الجديدة وتحديد شكل مستقبلهما معاً وما إذا كانت حياتهما معاً ستستمر في هدوء أو أن الحياة بينهما أصبحت مستحيلة.
ويقول: بعد الزواج تتساقط الأقنعة ومهما طالت فترة الخطوبة فإن العيوب وعدم التوافق لا يظهر والتمثيل ينتهي بعد الزواج مباشرة، تقريبا أغلب حالات الطلاق تكون في السنة الأولى من الزواج لو كان اغلبهم يعلم ما سيحدث معه لأجل تأجيل الإنجاب حتى تتضح له الرؤية وفي حالة عدم التوافق فإن الانفصال بين الزوجين سيكون أسهل للطرفين وكل طرف يستطيع أن يبدأ حياته من جديد مستفيدا من خبراته التي تعلمها في التجربة الأولى.
وينصح استشاري العلاقات الأسرية الزوجين بالاستمتاع بالفترات الأولى من الزواج بقدر المستطاع والتعبير عن الحب بين الطرفين خاصة في الفترات الأولى للزواج التي تنطفئ فيها مشاعر الحب المتوهجة التي استمرت خلال فترة التعارف والخطبة، والأهم دائما خلال هذه السنوات التي تزيد فيها حدة الخلافات الزوجية بين الزوجين بسبب اختلاف الطباع والعادات والنشأة أن يحرص كلا الزوجين على تجديد علاقتهما وحبهما ليخبرا بعضهما بمدى أهمية كل طرف بالنسبة للآخر.
الاتفاق أولاً أفضل
ومن جانبها تنصح الدكتورة رشا عطية، استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، بأن يحسنوا الاختيار منذ البداية ولا مانع من تأجيل الإنجاب لفترة قصيرة بعد الزواج ولكن يتم الاتفاق على ذلك قبل الزواج حتى لا يكون هذا هو السبب في أول خلاف يدب بين الزوجين وتقول: للأسف البنات يعانين من خطأ الاختيار فلا يوجد توجيه من الأهل في اختيار الزوج المناسب، بل إن الكثير من الأهالي يرغبون في زواج ابنتهم خوفا من أن (يفوتها قطار الزواج) لذلك يتم اختيار الزواج على أساس (ظل رجل ولا ظل حيطة) ولابد من تغيير تلك الأفكار.
وتطالب د. رشا عطية بإلزام الشباب بتلقي الدورات التدريبية التي تؤهلهم لبدء الحياة الزوجية وتمكنهم من تكوين أسر ناجحة وتوعيتهم بمعايير الاختيار الأمثل لشريك الحياة، مع مراعاة التكافؤ والتفاهم بعد الخلق والدين وأن يكون هذا الاختيار قائماً على العقل متى حدث القبول فكما يقال إن مرآة الحب عمياء، ولكن في الواقع هي ليست عمياء ولكن نحن من نتعامى عن الأخطاء والعيوب في كثير من الأحيان، ثم بعد الزواج نكتشف أننا لا نستطيع التأقلم مع تلك العيوب.
وتنصح استشاري الصحة النفسية الأسرة بتوعية أبنائها قبل الارتباط بوسائل التعامل مع الزوج أو الزوجة الناشز التي تحتاج لإصلاح وتقول هذا ليس معناه أننا ضد الطلاق في بعض الأحيان، لكن إن شاء بعضنا أن يطلق أو ينفصل فليطلق ولكن عند وقوع أسباب تستحق الطلاق، وبعد محاولات للصلح والوفاق لكن أن تطلب الزوجة من زوجها الطلاق أو تسعى هي إليه لأسباب تافهة وترفض كل الحلول لتلك المشاكل فهذا يعتبر قلة عقل وضعفا في البصيرة.
وسائل منع الحمل الآمنة
وحول تأثير تأجيل الإنجاب على فرص الزوجين في الإنجاب فيما بعد وما هي أنسب الوسائل لذلك، سألنا الدكتور عمرو حسن استشاري النساء والتوليد بكلية الطب بقصر العيني بالقاهرة، فقال: لا مانع من تأجيل الإنجاب لفترة قصيرة من الزواج خاصة أنه في الفترات الأخيرة تقدمت وسائل منع الحمل بشكل كبير، كما أنها أصبحت آمنة بشكل أكبر خصوصاً في بداية الحمل إذا ما قررت السيدة تأجيل الإنجاب وقد ننصحها باستخدام الأقراص وهي الطريقة الأنسب والتي تتسبب في مشكلات أبسط وأقل كما أن الأعراض أصبحت بسيطة جدا عما قبل.
ويحذر الدكتور عمرو حسن الفتيات اللاتي يرغبن في تأجيل الإنجاب بعد الزواج أن يتناولن حبوب منع الحمل دون استشارة الطبيب لاختيار النوع المناسب والأفضل بالنسبة إلى طبيعة الجسم، وهو الأمر الذي يتسبب في حدوث العديد من المشكلات مشيرا إلى أن الحبوب لا تتناسب مع جميع النساء رغم وجود أكثر من نوع وتركيبة.
ويشدد الدكتور عمرو حسن على أنه من الأفضل للزوجين عدم تأجيل الإنجاب لفترات طويلة، لأن ذلك يؤثر على مستوى الخصوبة لدى السيدات ويقول: الدراسات جميعها تشير إلى أن مستوى الخصوبة لدى المرأة ينخفض مع التقدم في العمر أي أن فرصة المرأة للإنجاب في العشرينات من العمر أكثر منها في الثلاثينات وفي الثلاثينات أفضل من الأربعينات، وهكذا. تصل نسبة الخصوبة أو احتمالية الحمل لدى الزوجة في عمر العشرين إلى 20% أو أكثر بينما تقل تدريجيا في الثلاثين ثم الأربعين. ضعي عامل السن في الاعتبار عند اتخاذ مثل هذا القرار وإن كان تأجيل الإنجاب لفترة قصيرة فلن يتأثر مستوى الخصوبة.