صداقات النساء.. بين الغيرة والتغيير والعقلنة: لماذا تنهار بعض العلاقات وتستمر أخرى؟
أشياء كثيرة تغيرت حول مفهوم صداقات النساء من الصورة البسيطة لها والسائدة منذ عشرات السنين إلى مفاهيم جديدة باتت تحكمها البيئة والثقافة والجانب الاقتصادي والعمر والعمل وحتى الظروف الاجتماعية.. بل وربما حتى الغيرة بين الصديقات التي هي العنوان الأبرز في تلك العلاقات. وفي مجتمع النساء فإن قلة الاهتمام والغيرة والمقارنة والخيانة تحل في كثير من الأحيان محل الانسجام والود، لتكتب شهادة وفاة لكثير من العلاقات الاجتماعية بين النساء عند أول منعطف تغيير يعصف بها، وليحل الهجر والقطيعة مكان التسامح والتماس الأعذار.
ويبقى أن الصداقة يجب أن تقوم على مبدأ القبول غير المشروط بين الطرفين إلا أن الكثير من العلاقات التي تبدو ظاهرياً علاقات صداقة تحمل بين طياتها الكثير من الآلم، «كل الأسرة» استطلعت الآراء وسألت المختصين من استشاريين نفسيين واجتماعيين لتتعرف إلى أسباب فشل الصداقة بين النساء، ضمن إطار أوسع من العلاقات الإنسانية.
أمينة عمر «معلمة» ترى أن الصداقة لا تحددها الجنسية أو الديانة، فمن الممكن أن تكون هناك علاقة صداقة ناجحة مع صديقة من بيئة أو جنسية أخرى فأهم ما في الصداقة وجود حالة من التفاهم والتواصل، مؤكدة أهمية عدم اتخاذ زملاء العمل أصدقاء لكون هذا النوع من الصداقات يصحبه نوع من التنازلات ضمن العلاقات الاجتماعية بين النساء. وتذكر نسباً عن تجربتها مع إحدى صديقاتها، صديقتي ربة منزل ونحن على علاقة منذ فترة ليست بالقصيرة لكنها غالباً ما تكون منزعجة فهي تتوقع مني أن أكون على تواصل دائم معها على الرغم من انشغالي بظروف عملي، ومسؤولياتي الأخرى، وفارق المسافة فهي تسكن دبي وأنا أسكن الشارقة موضحة أن أكثر أسباب الخلاف بين الصديقات هو التوقع باهتمام أكبر، لكن ما يجب أن يدركه الجميع هو أن لكل شخص أولويات والتزامات من عمل وعائلة والتزامات أخرى.
عوامل عدة
تقول علياء الأمير «موظفة» «تعرضت إلى أخفاق في علاقة صداقة وإن أكثر الإخفاقات التي تتعرض لها هذه العلاقات تقع بسبب الغيرة والإحساس بالنقص، فالإنسان يشعر بالنقص إذا كان الآخر متفوقاً عليه أو كان يعاني من نقص في جانب ما». وتضيف «جميع العلاقات الإنسانية يحكمها عامل الشخصية فإذا لم تتوافق شخصيتي مع الطرف الآخر لعلاقة الصداقة عندها لا يمكن للعلاقة أن تستمر، وهناك عدة عوامل أخرى منها البيئة أو المنطقة وكذلك اختلاف الثقافات، لكن يبقى عامل الشخصية هو الفيصل في جميع العلاقات، هناك محددات وعوامل يجب أن يصل إليها الشخص حتى يمكننا أن نطلق عليه صديقاً يجب أن يكون هناك تقبل وارتياح ومنفعة متبادلة توفر الدعم النفسي والمعنوي تمكننا من تكوين علاقات أبدية، وفيما لو حدث أي إخفاق من قبل أحد الأطراف يجب أن يلتمس العذر للطرف الثاني وألا ينسب الأمر إلى أسباب شخصية».
سوء الاختيار
توضح أمنية الأمين «طبيبة» الصداقة رباط جميل بين شخصين لا حدود ولا توقيت لها التنازلات والوفاء والتماثل والتشابه في الشخصيتين مهم في ديمومة واستمرارية العلاقة لأطول فترة ممكنة، ولا شك أن أهمية وجود الصديقة تصبح حاضرة بشدة عندما نواجه المشكلات الحياتية وهو ما يتطلب تحليها بالتقدير والتماس العذر للطرف الآخر وفي حالة غياب هذه الصفات لا شك أن الأمر يعني نوعاً من سوء الاختيار.. تتابع أن الظروف الشخصية تتسبب أحياناً في وقوع خلافات بين الصديقات «تغيرت صديقتي بعد زواجي بسبب انشغالي عنها وقلة لقاءاتي معها فهي لم تتفهم طبيعة حياتي والمسؤوليات الجديدة بسبب فهمها الخاطئ لمستجداتي فقد ظنت أنني تغيرت واستغنيت عن صداقتها».
وتؤكد أم عبدالرحمن «موظفة» الصداقة علاقة جميلة لا يحكمها سوى الاحترام المتبادل والأخلاق السوية، ويجب ألا تتأثر بظروف الحياة والانشغال في متطلبات العيش، بحيث تبقى الصديقة هي الملاذ الآمن بعد الله في وقت الضيق، مؤكدةً أن بعض الصداقات تتعدى علاقة الأخوة.
التغير والغيرة
لفشل الصداقة بين النساء عدة أسباب يقول د. سعيد عبيد: قد تفشل علاقات الصداقة بين النساء لأسباب عديدة، لكن الأغلب يعود لأسباب ثلاثة منها «التغيير» الذي يحدث لأحد طرفي العلاقة سواء كان هذا التغيير للأحسن أو للأسوأ، أو تحقيق أحد لحلم راوده قبل الآخر مما يطلق العنان للغيرة أو الغضب، وبالتالي يؤدي إلى فتور العلاقة وفشلها كزواج طرف قبل الآخر أو الحصول على منصب وظيفي مرموق، وبسبب طبيعة البشر التي تنحاز إلى حب الذات مما يؤدي إلى ظهور الغيرة التي دائماً ما تعبر عنها عبارة «لماذا الغير وليس أنا»، أو أن يظهر الغضب من الطرف الآخر بسبب انشغاله بأعباء الوظيفة وتراجع الاهتمام بالصديق، أو قد يكون فشل العلاقة راجعاً لعامل «الإهمال» المتمثل في عدم التواصل، لذا يجب الانتباه إلى علامات الضجر التي تبدأ بالظهور على الصديق، والتي تنبئ بالإهمال خاصة عندما يبدأ الصديق بالشكوى وهو ما يعني وجود شرخ في هذه العلاقة، والذي تتمثل بداياته بغياب الشعور بالاحتياج الشديد للطرف الآخر لغيابه الدائم، وإذا كان الإهمال والتغير من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى فشل في علاقات الصديقات أو الأصدقاء.. إلا أن الخيانة أكثر الأمور ألماً بسبب الإيذاء الشديد الذي تسببه خاصة وأن الصديق على علم بأدق أسرار صديقه، ولا تقتصر الخيانة على كشف الأسرار للغير وإنما أيضاً التخلي عن الصديق وقت الاحتياج والشدة مما يؤدي للخيانة المتبادلة حيث يقوم الطرف الآخر الذي تعرض لها بممارستها وهنا تأخذ صفة الانتقام ويكون فشل العلاقة في هذه الحالة نهائياً ولا عودة فيه.
عامل العمر
وتوضح د. آلاء الطيب، أن علاقة الصداقة بين النساء تحكمها العديد من العوامل منها ما هو ثقافي واجتماعي ونفسي واقتصادي ناهيك عن عامل العمر الذي يلعب دوراً كبيراً جداً في قياس مستويات السلوك ومصداقية التعامل بين الأفراد، كما وتتأثر المرأة ثقافياً باختيارها صديقاتها وفق بيئتها الثقافية ومستوى إدراكها ووعيها فغالباً المرأة المتفوقة علمياً تبحث عن امرأة تشاركها مستوى ذكائها واهتماماتها العلمية لتجد فيها ضالتها في تبادل الآراء والتحفيز نحو النجاح والطاقة الإيجابية للوصول لأهدافها.
فضلاً عن المخزون الثقافي للمرأة من قيم وأخلاقيات والذي ينعكس في اختيارها للصديقة وما تتحلى به من صفات فالمثل العربي يقول (الطيور على أشكالها تقع) فطريقة إدراك مفهوم الحرية تختلف بحسب ثقافة المرأة، وتفسيرها لهذا المفهوم وتنعكس في ذات الوقت على اختيار ما يناسبها من صديقات.
على سبيل المثال «تميل المرأة المتحررة في مظهرها في مجتمعاتنا الشرقية إلى اختيار رفيقات يشبهونها في المظهر لأنها ترى فيهن صفات قريبة لصفاتها الثقافية»، إن نظرة المرأة لتشكيل علاقات الصداقات وحجم هذه العلاقات من حيث الحجم والنوع تتأثر بلا شك بتطبع المرأة ببيئتها الثقافية فهناك بيئات لا تعترف بصداقة النساء ولا تعدها من العوامل الأساسية لاستمرار العلاقات الإنسانية بين بني البشر، وهناك بيئات ثقافية أخرى ترى أن موضوع صداقات النساء أمر بديهي وطبيعي وتحتاجه المرأة كما يحتاجه الرجل، ويبقى الأمر نسبياً حسب البيئة التي تنتمي إليها المرأة فهي نتاج بيئتها الثقافية وتجسيد للصورة المقبولة ثقافياً لمجتمعها المحلي.
توضح الطائي دور العامل الاجتماعي في اختيار الصديقة المناسبة والأمثلة كثيرة ومثيرة في هذا المجال «المرأة غير المتزوجة التي ليس لديها مسؤوليات ومتعلقات أسرية غالباً ما تختار صديقاتها من غير المتزوجات ليشاركنها أوقات الفراغ والاهتمامات المختلفة التي تحتاج إلى قضاء أوقات طويلة أو سفرات بعيدة»، لا يفوتنا في هذا المجال أن نسلط الضوء على ترتيب المرأة داخل أسرتها وعدد أفرادها فإذا كان لها عدد كبير من الأخوات وقريبات لها في العمر فنلاحظ أن اهتمامها بتكوين الصداقات يكون محدوداً لأنها مكتفية بأخواتها وغالباً ما تكون صديقاتها مشتركات مع أخواتها، تتميز أغلب علاقات الصداقة من هذا النوع بالسطحية تارة وبعدم القدرة على حفظ أسرار الصديقة وبوحها للأخوات تارة أخرى.
كما أن العوامل الاجتماعية تؤثر في استمرار علاقات الصداقة فالمرأة المتزوجة تجبرها في بعض الأحيان علاقاتها الأسرية على تحديد نوع الصديقة ومدى قربها من الأسرة وتجبرها في أحيان أخرى على التخلي عن علاقات صداقة قديمة واستبدالها بعلاقات صداقة جديدة تتلاءم مع بيئتها الاجتماعية الجديدة، مثال ذلك الخوف من الخيانة الزوجية مع الصديقة القديمة أوعدم تناسب شخصيتها وأفكارها مع التوجهات الاجتماعية للأسرة الجديدة التي كونتها المرأة.
تضيف أن للعامل النفسي ارتباطاً وثيقاً بملامح شخصية المرأة وما تعرضت له من وسائل التنشئة الاجتماعية وملامح الشخصية تقول الطائي «تنقسم إلى صنفين عامة وخاصة وكلاهما يؤثر في البناء النفسي للمرأة ومدى إدراكها لمفهوم الصداقة ومعطياتها من ثوابت وقيم وأهداف «كما يحدد العامل النفسي عمق الصداقة المتمثل بتبادل الآراء بين طرفي الصداقة وطرح المشكلات الخاصة ومشكلات العمل والبوح بالأسرار مما يؤدي إلى فقدان الثقة، ولا يغيب عن أذهاننا أن هذا النوع من العلاقات بين النساء يعتمد على درجة كبيرة على نسبة الذكاء الاجتماعي التي تتميز بها شخصية المرأة وتحدد دور كل من طرفي العلاقة ونوعها وإذا ما كانت متوازنة، انقيادية، سلطوية أو اتكالية، غالباً ما تستمر علاقات الصداقة إذا ما كانت المرأة تشكي همومها لصديقتها وتكون الصديقة مستمعة جيدة والعكس صحيح، أما إذا ما كانت الصديقة كثيرة الشكوى وشخصيتها متشائمة فإنها تبعث الملل والطاقة السلبية للطرف الآخر فتنتهي الصداقة أو لا تستمر طويلاً أو متقطعة على فترات زمنية متباعدة نسبياً، ومن المتعارف عليه أن الصفة المميزة لشخصية المرأة هي العاطفة لذلك دائماً ماتحكم علاقة الصداقة النسائية العواطف في اختيار الصديقة وفي مدحها أو ذمها وتفضيلها أو رفضها وقربها أوبعدها من بين مجموعة الصديقات، ونقيس على ذلك نوع الصداقة ومدى استمراريتها في النجاح أو الفشل، وما دامت العاطفة لها الغلبة في تحديد نوع الصداقة بين النساء إذاً لابد أن نركز على مسألة الغيرة التي تمثل الصفة الأزلية لشخصية المرأة وكيفية تأثيرها في هذا النوع من العلاقات الإنسانية.
عقلنة الصداقة
إن التحولات السريعة الحاصلة في مجتمعاتنا العالمية والتأثر بثقافة الآخر والثقافة المادية من تطور تكنولوجي هائل كان لها الأثر الواضح في عقلنة علاقة الصداقة بين النساء «عدد كبير من النساء في الوقت الحاضر يشتغلن في أعمال جديدة ومهن مختلفة، وهذه البيئات الجديدة أكسبت النساء تجارب حياتية مغايرة للتجارب التقليدية السابقة مما زاد من صلابتهن النفسية في مواجهة مشكلات الحياة والتعرف إلى طرق ووسائل جديدة لإدارة علاقاتهن مع الأخريات فزادت من قدرتهن على التحكم بعواطفهن وعدم انعكاسها في علاقات صداقة عميقة، وهذا ساعد على أن تكون لدى المرأة القدرة على الاحتفاظ بأسرارها الأسرية أو الزوجية من جهة وعلى أن تكون موضوعية في تقييم علاقة الصداقة مع الأخريات وتحديد نوع هذه العلاقة».
توضح، لكن الصورة ليست وردية وجميلة في جميع الأحوال فقد تسببت مواقع التواصل الاجتماعي بأنواع مختلفة من المشكلات الاجتماعية بين الصديقات مثل نشر الصور الشخصية أو التعليقات والمحادثات الخاصة وما تسببه من فضائح وانتهاك لخصوصيات الأخريات، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى مشكلات أسرية تتسبب بالطلاق أو حرمان المرأة من إكمال تعليمها...
فضلاً عن نشوب مشاعر الغيرة والحسد بين الصديقات نتيجة ما يتبادلنه من صور حياتهن الشخصية من ملبس ومأكل وتنقل وسفرات ونزهات أو تفوقهن هن أو أحد أفراد أسرهن في مجال الدراسة والعمل. مما يؤدي إلى تشويه مفهوم الصداقة بين النساء وابتعاده عن تحقيق الهدف الأساس التي نشأت من أجله.
د. آلاء الطيب: المستوى الاقتصادي يحدد نجاح علاقة الصداقة
يلعب العامل الاقتصادي دوراً في تحديد علاقة الصداقة بين النساء «تحاول المرأة أن تعقد علاقات الصداقة مع النساء اللواتي في مستواها الاقتصادي آخذة بالاعتبار القدرة المالية عند التبضع أو التنزه والسفر أو حتى أماكن اللقاء»، لكن في بعض الأحيان تكون علاقات غير متوازنة قائمة على استغلال الصديقة مادياً غالباً ما يبوئ هذا النوع من العلاقات بالفشل، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يمكن أن نعتمد على العامل الاقتصادي فقط في قياس نجاح علاقة الصداقة بين النساء أو فشلها؟ والإجابة تكون بالتأكيد لا لأن العلاقات الإنسانية بشكل عام تعتمد على كيفية قبولنا للآخر وفق منظومتنا الأخلاقية التي تحدد لنا المقبول والمرفوض الاجتماعي».
كما ان عامل العمر يؤثر في الصداقات بين النساء «فالفتاة في مرحلة المراهقة تميل إلى تكوين علاقات صداقة دون النظر في كثير من الأحيان إلى قيم الصداقة الحقيقية وغالباً ما تكون تجارب الصداقة في هذه المرحلة فاشلة وسلبية لا سيما إذا ارتكزت على المظاهر والسلوكيات الخاطئة، ويتطور مفهوم الصداقة لدى المرأة بتطور مراحلها العمرية وخوضها لتجارب حياتية مختلفة تمكنها من تحديد الصديقة المناسبة لها، فعلي حين تكثر مشكلات الصداقة بين النساء ما بين سن 15-35 سنة فإنها تستقر على الاختيار المناسب للصديقة بعد هذه السن، فتركز المرأة في هذه المرحلة على الجماعات الصغيرة وتبتعد عن الجماعات الكبيرة لأنها تجد في العلاقات المحدودة البيئة المناسبة للثقة وتبادل الأحاديث الخاصة ومناقشة المشكلات الشخصية».
