تأثير الأحلام على حياتنا: كيف يترجم العقل الباطن هواجسنا اليومية؟
هل تؤثر الأحلام وتأثيرها على النفس بأنواعها في الفرد و يومياته وحياته؟ السؤال بسيط ولكن يحمل في طياته الكثير من الأسرار والماورائيات التي يعجز الفرد عن إيجاد تفسير لها، لما يحمله عالم الأحلام وتفسيرها من فرادة حيث ثبت «أن ما يستغرق ثواني معدودة يكون في الحقيقة حلماً مدته ساعات «عدا عن الحديث عن أحلام بـ«الألوان» وأحلام بـ«الأبيض والأسود». وتلعب الأحلام دوراً كبيراً في التفريغ النفسي وترجمة يوميات الفرد على شكل سيناريو وقد تؤثر في بعض الأفراد وتمنعهم من النوم في حال كانت مزعجة أو تحمل ملامح موت أو فقدان. وفي حين يعتبر علماء الطاقة الحيوية أن الأحلام تقوي المعتقدات الدينية والحلم أو الرؤيا هي طريقة التواصل مع الأجداد والأنبياء والملائكة، تذهب بعض الآراء والمدارس إلى اعتبار تفسير الأحلام وعلاقتها بالعقل الباطن ترجمة للطاقات والرغبات المكبوتة لدى الفرد خلال يومه وتنسج على شكل سيناريو «في الحلم».
فإلى أي مدى تؤثر الأحلام على الحياة اليومية في حياتنا أو تمنعنا من الإنجاز وكيف نمايز بين أنواع الأحلام الثلاثة وهي أحلام النوم العادية وأحلام اليقظة والرؤيا. تمايز أم عبدالرحمن بين الرؤيا وأضغاث الأحلام: «لا تؤثر الأحلام فيّ ولكن في حال كانت "بشرى"، أشعر بطمأنينة أن ثمة مشكلة ستنتهي "على خير" ولكن دون اللجوء إلى التفسير». تتفاءل أم عبدالرحمن كثيراً عندما تكون بعض الأحلام في سياق «الرؤيا»: «لست من الأفراد الذين يسيطر هاجس الأحلام على حياتهم ولكن أستبشر بالرؤيا والتي لها دلالات وتأتي بعد مشكلة أواجهها أو أفكر فيها وألجأ إلى الدعاء وقيام الليل والصدقة للتقرب من الله سبحانه وتعالى».
تروي: «كانت تواجهني مشكلة عائلية وقفت عاجزة عن حلها وكنت ألجأ للدعاء وقراءة القرآن وحتى ذبح الأضحية ليستجيب الله لدعائي ويحقق أمنيتي في إيجاد حل وفي إحدى الليالي، رأيت حلماً أدرجه كـ"رؤيا" ورأيت الشيخ زايد، رحمه الله في منزلنا متكئاً برأسه على يده اليمنى وكنت أشكو حالي له ليحثني على المضي قدماً بالموضوع ومراجعة الجهات المختصة وبعد فترة وبعد سعي حثيث مني، حلّت المشكلة والحمدالله».
وترصد أم عبدالرحمن بعض الأفراد الذين «يقبضون» على الحلم لسنوات طويلة ويصل بهم الأمر إلى حد «الوسواس»، موجزة أنه من الطبيعي أن يتماهى الفرد مع أفكاره وهواجسه وتظهر في أحلامه ولكن «من غير الطبيعي أن تؤرق الأحلام حياتنا».
حلم مزعج..إيجابي!
بدورها، تربط مي عمر الأحلام وعلم النفس والمنام بما نهجس به في يومنا: «هي ترجمة لما نفكر فيه في عقلنا الباطن كالحصول على شهادة أو امتحان يتوقف عليه مصير حياتنا أو عمل جديد وكل أحلامنا تنحصر في سياق يومياتنا وهواجسنا حيث تشكّل ترجمة للعقل الباطن ولو كان الدماغ في «استراحة».
تعبّر عمر عن مدى تأثير الحلم عليها ولكن بحدود: «قد يؤثر في سلباً في حال ترجم ما أفكر فيه أو أهجس فيه ولكن لا أصل إلى درجة التشاؤم وقد أحوّل حلماً مزعجاً إلى نقطة إيجابية للتغيير والتنبه لأمور حولي قد أكون أهملتها أو لم أدر لها بالاً منذ زمن».
وإذ ترى أن الأحلام تعكس إحساسنا الداخلي بيومنا، تؤكد أنها لا تبالي بـتفسير الأحلام كون «ثمة أمور كثيرة تشغل بالي بعيداً عن المنامات وتفسيرها».
شيخة أم محمد من الأفراد الذين تتماهى مع واقعها في مناماتها: أؤمن بأن جزءاً من أحلامي يتحقق وفي أحيان كثيرة، تحدث معي أمور أشعر أني شاهدتها في حلم وأحياناً يؤثر فيّ في حال كان حلماً مزعجاً ولكن هذا التأثير سرعان ما يتوقف بعد نحو ساعتين من استيقاظي لكني لا ألجأ الى تفسير الأحلام أبداً وفي أغلب الأحيان، تزورني الأحلام على شكل أفكار كانت تدور برأسي خلال النهار».
لم تصل شيخة الى مرحلة التشاؤم على الرغم من «أني أرى منامات مزعجة ولكني لا أتذكر تفاصيلها إلا في حال حدث أمر ما في الواقع مشابه لما ورد في الحلم ولكن في المجمل أحلام المنام لا تؤثر في بالمطلق وقد أتنبه للمنام فور استيقاظي من النوم وبعدها أعيش يومي بشكل طبيعي بعيداً عن أي تأثير سلبي».
سيناريو الأحلام
فكيف يمكن رصد الأبعاد النفسية لتأثير الحلم وماذا عن كونه ترجمة لطاقات وانفعالات غير مستهلكة؟
تتوقف إيمان أحمد، اختصاصية نفسية، عند تفسير سيغموند فرويد للحلم بكونه «بقايا الطاقات غير المستهلكة خلال اليوم والرغبات المرفوضة من الأنا الأعلى وتجد طريقها من خلال الحلم بشكل مقنع». إذاً، من خلال هذه القراءة، تبدو الأحلام في علم النفس كمجموعة طاقات مكثفة خلال اليوم تخرج على شكل سيناريو: "فالرغبات المكبوتة تستغل نوم الدفاعات وتعبر عن طريق الحلم". وتتناول بوقفه المدرسة الجشطالتية والتي تعرّف الحلم كـ «مجموعة من الطاقات غير المستهلكة خلال أسبوع تتكثف وتخرج على شكل «سيناريو» في الحلم، دون الدخول في الرغبات الجنسية والعدوانية».
توضح: "فالحلم يلعب دوراً من الناحية النفسية ويترجم الصدمات النفسية على شكل كوابيس كأن يتعرّض أحدهم لحادث ويرى الحادث في حلمه في كل مرة وبتفاصيله".
ثمة حالات تزور الاستشارية النفسية للعلاج: «فالمشاهد الصدمية هي أكثر ما تؤرق ضحايا الحروب والزلازل والعنف بحيث تتكرّر تلك المشاهد وترتبط بـ«التروما» وهي الصدمة النفسية أو الرضخ (مصطلح تم أخذه من اللغة اليونانية ويعني «الجرح» أو «الإصابة».
وتشرح أحمد: «أحد أعراض الصدمة هو إعادة السيناريو إما بشكل اقتحامي بحيث يسترجع الفرد تفاصيل ما حصل له وهو مستيقظ أو بشكل كوابيس خلال النوم أما أحلام اليقظة، فترتبط معظمها في سن المراهقة حيث يعيش المراهق مواقف معينة على مستوى خياله وتشكل تلك الأحلام كتفريغ للصراع الذي يعيشه وللطاقة الجنسية والرغبات، بما يشكّل نوعاً من الدفاع وإن كانت آلية غير ناضجة المعالم».
ويبقى الحلم مجرد حلم وإن كان دماغنا يجذب ما نخاف منه أو من الخوض فيه، بحسب بوقفه التي تخلص إلى أنّه «ليس من الضروري أن يتنبأ بشيء إلا في حالة الرؤيا»: «يبقى الحلم «حارس النوم» وهو يشكّل محوراً مهما لراحة الدماغ كونه عبارة عن تفريغ لطاقات غير مستهلكة تنسج على شكل سيناريو».
الحلم وعلم الروحانيات
كيف يتم تعريف الأحلام في العلم الروحاني؟
يعرّف مدربو التنمية البشرية والباحثين في علوم أسرار أسماء الله الحسنى، الحلم في العلم الروحاني بـ«كل ما يراه الإنسان في نومه ويكون بسبب تراكمات سواء نفسية أو عضوية أو حتى انفعالات و هذا الحلم أو هذه الرؤيا تكون في باطن عقل الإنسان الذي يطلق عليه العقل الباطن والأحلام لأن الإنسان لديه عقلان، العقل الواعي والعقل الباطن والأحلام تكون في العقل الباطن لأنه العقل الذي يحمل الذاكرة الكبرى والعظمى للإنسان بحيث أن كل تفاصيل حياته وذكرياته مخزنة فيها وقد يستدعي بعض الإشارات والأحداث التي يمكن ألا يكون قد تنبه لها وهو واع، في حين أن العقل الواعي أشبه بالذاكرة المؤقتة».
وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق ورؤيا يحدث الرجل بها نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان».
يوضح الباحثون: «رؤيا حق وهي رؤيا من الله أما الرؤيا التي يحدث الرجل بها نفسه، فتكون نتيجة تراكمات نفسية ورؤيا تحزين من الشيطان وهي تأتي جراء الوسوسة و يكون الشيطان سببها ويمكن التأكيد أن الرؤيا الحق تأتي الإنسان في منامه من الله سبحانه وتعالى كدلالة وإشارة واضحة لا تمييع فيها ويراها الإنسان مثل فلق الصبح بعد استيقاظه من النوم». وأن ليس للحلم وقت: «يمكن أن يحلم الإنسان في أي وقت في حال نومه ولكن المتعارف بين الناس أن الأحلام ترتبط بالليل».
وينظر العلم الروحاني إلى الإنسان كمكوّن من ثلاثة عناصر هي «العقل والروح والجسد»: ثمة غذاء لكل من تلك العناصر. فالأفكار والتمارين العقلية وحل المسائل الرياضية وحفظ الأحداث وتكرارها هي غذاء العقل ويرتكز غذاء الروح على العبادات والأذكار والتأملات والصلوات والجسد يتغذى على الطعام الصحي والنوم المنتظم والحركة ونظافة الجسد والرياضة وإيلاء الاهتمام له».
لا بد من توازن هذه العناصر (أي العقل والروح والجسد) في ظل تأثير الأحلام على بعض الأفراد. يوضح الباحثون: «بعض الأحلام تؤثر في الإنسان سواء إيجاباً أو سلباً وقد تغير مجريات حياته وبعض الأحلام قد تكون سبباً في جريمة وقد تحوّل الأحلام بعض الأشخاص إلى أداة قتل أو بعضها تغير من حال إلى حال أفضل. نسبة التأثير متفاوتة بين الأفراد ولا يمكن قياسها تبعاً لتفاوت خصائص كل فرد والأحلام قد تكون إشارات، وعيداً، تنبيهاً، اضطرابات، أضغاث أحلام أو كوابيس معينة وكلها لها تأثير متفاوت لدى الأفراد كون استقبال الأحلام يختلف أيضاً بين شخص وآخر».
وفيما يتعلق بالأحلام التي تأتي على شكل «كوابيس»، فندعو إلى الاستناد إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه، فلينفث عن يساره ثلاثاً وليتعوذ بالله من شرها، فإنّها لن تضره» كما يفضل عدم إخبار الآخرين بالأحلام السيئة أو المزعجة.
ولكن كيف يتم تناول الرؤيا في العلم الروحاني ؟
يجيب الباحثون: «علم تأويل الرؤيا له مدارس كثيرة تتداخل فيها عوامل الدين والمعرفة والوعي إذ قد يختلف تأويل الرؤيا في الإسلام عن الديانات الأخرى، في ظل تأثير البيئة والدين والمكان والأحوال المحيطة ولكن ثمة دلالات تتشابه لدى من يؤول الأحلام وتفسيراتها».
لا يغفل دور القرآن الكريم في التأويل: «بعض الأحلام والرؤى يمكن تأويلها من القرآن الكريم إذ إن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن وخصص من القصص الموجودة في القرآن جزءاً عن الأحلام والرؤى وتأثيرها الكبير في أمة كاملة في عصر سيدنا يوسف عليه السلام ورؤياه التي تحققّت بفضل التفسير والتأويل الصحيح لهذه الرؤيا».
ويعيد التأكيد على تأثير «الرؤيا» في الأفراد وتماهيهم معها: "بعض الأفراد تحولوا إلى أداة قتل وبعضهم إلى أداة خير ولكن ليست كل رؤيا صحيحة لأن الغالب منها يحتاج إلى تفسير وتأويل وبالأخص بعد أن تحولت اهتماماتنا إلى مادية أكثر من كونها روحانية، وهذا العامل أثر حتى في أحلامنا وأتلمس حاجة البعض إلى الدخول في علوم الروحانيات التي تقود الإنسان إلى حالة استرخاء تريح باله وأحواله".
