أصبح المفهوم التقليدي للتقاعد عند البعض، والذي ينسحب فيه الإنسان من عالمه المنفتح وسط بيئة عمل وشبكة علاقات كبيرة إلى مشهد آخر أكثر صعوبة حيث الوحدة والفراغ والبعد التدريجي عن العلاقات الاجتماعية، من كلاسيكيات الزمن الماضي خاصة إذا وجد المتقاعد من يدعمه داخل محيط أسرته، ويشعره بأهميته وقدرته على العطاء بتولي مهام أخرى تعود بالنفع على الجميع، وفي السطور التالية نستعرض نماذج ناجحة اتخذت من الإيجابية مسلكاً لطريقها، واستطاعت أن توجد لنفسها عالماً آخر جديداً مفعماً بالعمل والحركة والتغيير، ساهم أفراد أسرها بتشجيعها وتقديم العون لها ولو من الناحية المعنوية، لتكون المحصلة قدرات عالية وروحاً يملأها الحماس والنشاط والحيوية.
(ف.س)، متقاعدة منذ 17 عاماً، تقول: كثير من الناس يظنون أن مرحلة التقاعد مرحلة الهدم والانسحاب من الحياة تدريجياً، إلا أن الوضع لم يكن عندي كذلك فقد دعمتني أسرتي وشعرت بأهمية تواجدي معها وتفرغي بعض الوقت للاهتمام بمشكلاتها ومتطلباتها، بجانب هذا كله زاد حماسي في أن أجعل لحياتي طعماً آخر بدأته قبل التقاعد وهو خوض مجال العمل التطوعي بعد التقاعد، فمنذ أكثر من 30 عاماً جذبني هذا العمل وعندما وصلت إلى سن التقاعد قررت أن أنشغل أكثر به وأجعل لحياتي هدفاً جديداً ورؤى مختلفة، ليس هذا فقط بل قررت أن أستثمر وقتي في مبادرات تفيد المجتمع وكوني معلمة سابقة قررت وبعض المتقاعدات ممن تجمعني بهن صلة قوية إطلاق مشروع نحن المتقاعدات، يهدف إلى تقوية المهارات الأساسية لطلاب المرحلة التأسيسية الذين لديهم ضعف في بعض المواد، وها نحن نسير في خطتنا ونشعر بسعادة كبيرة لأننا ما زلنا أشخاصاً منتجين في المجتمع.
وتضيف: لا يوجد لدي وقت فراغ وأقسم الوقت الذي أقضيه في المنزل بين أحفادي، فأنا المسؤولة عن تدريسهم وعندما ننهي عملنا أجلس معهم لأستمع لحديثهم وأتعرف إلى طريقة تفكيرهم لربما قدمت لهم نصيحة تفيدهم في حياتهم.
«تحررت من القيد الوظيفي وانطلقت إلى عالم جديد ببداية مختلفة»، بتلك الكلمات المعبرة بدأ (ج.ع.أ)، حديثه معنا مشيراً إلى حياته الجديدة كما وصفها بعد التقاعد المبكر، وأضاف: لم يمض على تقاعدي من الوظيفة سوى أقل من عام ومنذ ذلك الحين أشعر وكأنني ولدت من جديد، وكثيراً ما أشبه نفسي بموظف كان في قسم معين وانتقل إلى آخر بمهام جديدة ومختلفة، ومثلما لا تتوقف الحياة عند رحيل أحد كذلك تستمر بالإنسان بعد التقاعد، ومفهوم إعادة بناء الحياة بعد التقاعد، وأتذكر عند بداية التقاعد خشية أبنائي علي أن أشعر بالملل وفراغ الوقت ودائماً ما كانوا يحثونني على أنه قد آن الأوان لأرتاح بعد دوام وظيفي استمر لسنوات طويلة، ولم يكن يدركون ما كنت أخطط له عندما أصل إلى هذه المرحلة وهو الانخراط في عمل شيء أحبه ولم أكن أجد وقتاً له، لأفاجئهم بتأليفي كتاب يتحدث عن البدايات وكيف كان الناس يعيشون قبل الاتحاد، وما إن انتهيت حتى قمت بتأليف كتاب آخر، وكم سعدت بتلك التجربة التي ظللت أنتظر تفرغي لها، ولم أكتف بهذا فقط بل خصصت بعضاً من وقتي لحضور دورات ومحاضرات في الموارد البشرية وكل ما يتعلق ببناء الأسرة، وبعد أن تكونت لدي خبرات كافية قررت أن أفيد بها غيري وأصبحت أقدم محاضرات في العلاقات العامة والشرطة المجتمعية.
ويكمل: مخطئ من يشبه نفسه عند وصوله لسن التقاعد بأنه انتهى دوره ولم يعد له فائدة، فـالحياة بعد سن التقاعد ليست توقفاً بل بداية جديدة، فالإنسان هو من يصنع قرارته ويقرر هدفه وما يبغي أن يكون، فـالنشاط بعد التقاعد مهم جداً، ويومي لم يتغير عليه شيء سوى أنه أصبح أكثر مرونة، فأنا أعد جدولاً أضعه في الليل وألتزم به في الصباح ولا أنسى أبنائي، الذين أحرص على تناول وجبة الإفطار معهم ثم التوجه لقضاء خططي التي وضعتها ليومي المزدحم والمليء بالفعاليات والأحداث الكثيرة.
خطط (ع.أ)، (65 عاماً)، لحياته بعد رحلة طويلة عمل فيها في بذاعة وتلفزيون أبوظبي ليطرق بعد مرور 26 عاماً قضاها في الوظيفة، أبواب أخرى متنوعة لشغل وقته بالشكل الذي يرضيه، ويقول: الإنسان هو من يحدد اختياراته ومخطئ من يظن أن الحياة تتوقف بانتهاء فترة العمل الوظيفي، فطالما لدى الشخص العقل الذي يفكر والصحة التي تعينه فعليه أن يسعى في الحياة، فبعد أن أمضيت سنوات في الوظيفة قررت ممارسة الأشياء التي ظللت أنتظر لحظة تفرغي لها، وأعانني على ذلك أبنائي وطالبوني بأن أتفرغ لشؤون مزرعتي، وسعدت بالفكرة التي زادت من حماسي وإقبالي على العمل وها أنا أقسم وقتي بين المزرعة والشيء الآخر الذي أحبه، وهو المشاركة في الأنشطة التراثية والاحتفالات التي تقيمها الجهات المختلفة في المناسبات الوطنية، ليس هذا فحسب بل أخوض تجربة التمثيل الآن.
ويتابع: أما على المستوى العائلي فأنا سعيد بتفرغي لأسرتي والتي تحتويني بشكل كبير وتدعمني في كل شيء، والحقيقة أنني أعيش مع أبنائي أجواء مختلفة لم أشعر بها وقت أن كنت ملتزماً بدوام يأخذ معظم وقتي، فقد أصبحت أشاركهم النزهات والتسوق وشراء أغراض البيت، وهنا يظهر دور احتواء الأسرة للمتقاعد، ليس هذا فحسب بل أصبحنا نعد الخطط لنهاية الأسبوع ونحدد المواعيد التي تناسب ظروف الجميع لزيارة الأهل والمعارف وغيرها من المشاريع التي جعلت حياتي مليئة بالأحداث المختلفة والتي تجنبني الشعور بلحظة ملل.
(س.أ) يقول: التقاعد ليس نهاية الحياة، بل هو بداية مرحلة مختلفة من الحياة يجب أن يستغلها المتقاعد بأن يعيش المرحلة بأفضل ما يكون، ويؤكد أهمية التخطيط لما بعد التقاعد، وأن يجنب نفسه أهم المشكلات التي يواجهها الكثيرون خاصة ممن كانوا في مواقع مرموقة وذات سلطة تساعدهم في مساعدة الآخرين وبتركهم لأماكنهم يشعرون بأنه لم يعودوا مقدرين من جانب هؤلاء، والمشكلة الأخرى تلك المرتبطة بالوضع الاقتصادي، فمع التقاعد ينخفض الراتب بشكل قد لا يؤمن لصاحبه المستوى الحياتي الذي اعتاد عليه وبالتالي يفقد قدرته المادية وعطاءه لمن حوله، وهنا ننصح بأهمية خوض دورات وورش العمل التي تفتح لتلك الفئة مجالات عمل مختلفة، تسهم في شغل أوقات فراغهم بما هو مفيد وفي الوقت نفسه تفتح لهم أبواباً لعوائد مادية تعود بالنفع عليهم وعلى أسرهم.
ويتابع: ينضم إلينا الكثيرون ممن ينظرون للحياة بشكل إيجابي، ويحرصون على تطوير ذواتهم وتعزيز خبراتهم التراكمية بخوض ورش العمل والدورات في إدارة الأعمال وإدارة الفعاليات وغيرها من البرامج، التي تساعدهم على مواكبة المستجدات من حولهم وتجعلهم داخل نطاق الخدمة وليس خارجها كما يصف البعض نفسه.
احتواء المتقاعد مهمة تقع على كاهل الزوجة والأبناء
احتواء الرجل بعد الوصول إلى سن التقاعد مهمة تقع على كاهل الزوجة والأبناء، فعندما يدخل في هذه المرحلة تجد الزوجة نفسها أمام شخص يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في المنزل، لا يفعل شيئاً سوى انتقاد ومراقبة تصرفات من حوله وكأنها وظيفته الجديدة التي سيتفرغ لها في حياته المقبلة ويعد هذا السلوك نوعاً من الإسقاط، فبعد أن كان يمارس الزوج سلطته على موظفيه بات يبحث عن تفريغ طاقته على من حوله من أفراد أسرته ومن هنا يبدأ الصدام إما بفرض سيطرته واستسلام الآخرين لقوانينه الجديدة أو باعتراضهم على ما يفعله وهو ما قد ينعكس عليه سلباً فيبدأ في الشعور بالوحدة والاغتراب وربما يزيد الأمر إلى حالة اكتئاب.
ولتجنب حدوث هذا الصدام لابد للمتقاعد من تهيئة نفسه لتلك المرحلة والتي تكون معلومة لكل شخص فهي لا تأتي فجأة وحتى يجنب نفسه من ردة الفعل السلبية تجاه الروتين اليومي، وبناء عليه لابد من شغل الوقت بشيء إيجابي إما بشؤون الأسرة بدلاً من انتقادها كأن يساعد في حل مشكلة معينة أو المساهمة في شراء متطلبات المنزل وتخليص المعاملات التي تعود بالنفع على أفرادها، وإن كنت أرى أن تحجيم المتقاعد في هذا الدور ربما ينفع بعض الشيء إلا أنه قد يمل منه بعد فترة، أو باستثمار الوقت فيما هو أكثر إيجابية مثل، الانشغال بالقراءة والاطلاع أو الانخراط في مجال العمل التطوعي، فمثلا من لديه خبرات سابقة في الهندسة عليه أن يفيد غيره بتلك المكتسبات التي حققها على مدار سنوات أو التفرغ لهواية حرمته الوظيفة من الاستمتاع بها، وهنا يظهر دور الأسرة في دعم هذه الاختيارات.
