في الماضي لم نكن نسمع بحالة تسمى الإدمان على الشراء، وبالتالي لم تكن بالحسبان في المرجعيات العلمية لـالاضطرابات النفسية، ولكن مع الأيام أصبح واقع الشراء المفرط عند البعض موضوع بحوث كثيرة لمعرفة الأسباب والنتائج، بشكل خاص مع ازدياد المشاهدة لهذه الظاهرة التي أصبحت أسهل بالنسبة للأشخاص مع وجود التسوق عبر الإنترنت ووجود البطاقة المصرفية المؤجل دفعها وكثرة مراكز الشراء وسهولة الوصول إلى المواد. كلها عوامل عززت وجود هذه الظاهرة.
وما زال الكثير من الأشخاص ممن تنطبق عليهم صفة المدمن على الشراء يعتبر نفسه قادراً على التوقف عندما يريد وأنه يسيطر على الرغبة بالشراء بشكل كبير وأنه لا يقوم بفعل الشراء إلا بهدف المتعة واللذة، وأن المدمن هو الشخص الذي يدمن على المخدرات أو الكحول، لكن الواقع مختلف. فمن تنطبق عليهم صفة إدمان التسوق هم أشخاص يقومون بفعل الشراء بشكل متكرر ودائم وما يهم بالنسبة إليهم هو فعل الشراء بحد ذاته لا المنتجات التي يشترونها. فقد لا يحتاجونها أبداً أو قد لا تكون من الأساسيات بالنسبة إليهم لكنها ضرورة ملحة يحتاج كل من يعيشها إلى إشباعها. فماذا يحصل في هذه الحال.
إن الرغبة بالشراء المتكرر بشكل سلوك قهري هي حالة إدمانية لثلاثة أسباب أساسية وهي أن الشخص الذي يقوم بهذا الفعل هو شخص بحاجة ملحة إلى القيام به لإشباع لذة معينة، ولا يمكنه الامتناع عن الفعل، بالإضافة إلى أن هذا الفعل هو عمل اعتياد تصاعدي. وما يحصل مع الشخص المدمن على الشراء هو أنه قبل الفعل يعيش حالة من القلق النفسي الشديد لا تزول إلا من خلال فعل الشراء دون الأخذ بالاعتبار الظروف المادية أو الحاجة إلى المشتريات أو المدة الزمنية التي مرت بين المرة والأخرى قبل الشراء، فإن حالة القلق لا يجد لها ارتياحاً إلا بعد حدوث الفعل. لذلك تسمى قهرية لأنها خارجة عن إرادة الشخص وهو فعل يحتاج لإنجازه كي يشعر بالراحة وخفض حجم القلق الذي يسبقه.
يخفق البعض في عدم اعتباره إدماناً نظراً لغياب أي مادة إدمانية تدخل الجسم لذلك لا يشعرون بالخطر الناتج عنه، علماً بأن الإدمان الجسدي ينخرط فيه الإقلاع عن تعاطي المواد المخدرة والعمل على الإدمان الفكري. إنما في الإدمان السلوكي على الشراء فلا يوجد إلا الإدمان النفسي.
أما فيما يختص بالعلاج، فإن الشخص المدمن هو حتماً يحتاج إلى علاج نفسي سلوكي مع العمل على حالة القلق التي ينتج عنها هذا السلوك القهري. إن هذا الإدمان على الشراء يمكن أن يوجد لدى النساء كما لدى الرجال مع تميز أكبر للنساء عن الرجال كما أنه يبرز بشكل كبير في المرحلة العمرية بين سن الخامسة عشرة وسن الخامسة والعشرين مع إمكانية ظهوره في أعمار الراشدين بشكل كبير أيضاً.
وأسباب هذا الإدمان تجد جذورها في الطفولة وعلاقة الولد بأهله ونظرته إلى الذات ونظرة الأهل إليه، كما أنه أيضاً ينتج عن علاقة المكافأة والرابط بين الإشباع العاطفي لدى الولد من خلال الأمور المادية فيكبر الولد مع الحاجة دائماً للشراء للبحث عن تقدير الذات له من خلال الأمور المادية. بمعنى آخر كلما شعر الولد أن قيمته المعنوية تقاس بمقياس مادي فهو يسعى إلى تحقيقها.
من هنا تأتي القهرية في الشراء وتكرار الفعل في كل مرة ترتفع نسبة القلق. فلا يرتاح الفرد إلا بعد فعل الشراء على الرغم من أنه لا يهتم لمضمون الشراء بل للفعل بحد ذاته. فنراه يراكم المشتريات دون الحاجة إليها أو أنه يستلذ بالشراء للآخرين. ففي هذه الحالات عزيزي القارئ لا يكون العلاج بمنع الشخص من الشراء كلياً والانقطاع عن هذا الفعل. بل بالذهاب إلى متخصص نفسي للعلاج النفسي السلوكي. يعمل من خلاله المتخصص على أصول السبب ويساعد الشخص في السيطرة على حالة القلق التي تنتج عنها القهرية في الشراء. وفي حالات كثيرة أخرى يحتاج المتخصص للعمل مع الأشخاص المدمنين على الشراء على ملف الثقة بالنفس والتقدير للذات والعلاقة مع المجتمع.