أسماء العريّض: فن الخزف رحلة تأمل وعلاج بالطين من دبي إلى العالمية
في منزلها بدبي حيث يسكن الهدوء في كل زاوية، تبني الفنانة التشكيلية التونسية أسماء العريّض ,المتخصصة في فن الخزف والتصميم النموذجي,عالما خاصا من التأمل والسكينة باستخدام أكثر المواد ارتباطا بالإنسان: الطين الطبيعي .
في تجربة العريّض، يتحوّل الخزف الفني من مجرد صناعة إلى حالة ذهنية وتأملية حقيقية:" الطين ليس مادة جامدة، بل مرآة للروح، ووسيلة لتفريغ التوتر، وتجربة حب وانسجام مع الذات والقطع التي أنتجها يدوياً أستلهم أشكالها من الطبيعة، والزخارف العربية، ومن رؤاي الخاصة ,وأعيد صياغتها بلغة تصميمية معاصرة، توازن بين الجمال والوظيفة ضمن التصميم الفني المعاصر".
تقيم العريّض ورشا بـ"الطين" ورش الخزف تعيد فيها المشاركين إلى ذواتهم الأولى، وتتيح لهم فرصة تفريغ التوتر والضغط النفسي,لتتحوّل تجربة العمل بالطين من مجرد ممارسة فنية إلى طقس إنساني علاجي ضمن العلاج بالفن.
تصف التجربة: «عندما تعمل مع الطين، فإنك تتخلص من الكثير من الضغوط. ينفصل المخ قليلًا عن الحياة اليومية، ويأخذ فترة من الراحة. بعض الأشخاص ينفصلون ,خلال الورش,عن العالم مؤقتًا» ضمن تخفيف التوتر.
العجن ...ورحلة التأمل
تبدأ التجربة بالعجن:"هذه أول خطوة تقنية لإخراج الهواء من الطين، لكنها أيضًا تفريغ للطاقة. بعض المشاركين يعجنون ويعجنون دون أن يصنعوا شيئًا، ثم يتركون العجينة جانبًا ويقولون: الحمد لله، فرّغت كل شيء بداخلي» ضمن تمارين التأمل.
هذه المرحلة تمنح المشاركين فرصة التواصل مع المادة، وفهم ذواتهم، وإطلاق الطاقة المكبوتة، وهو ما يجعل فن الخزف عند العريّض فرصة للتأمل والتواصل مع الذات.
في ورشتها، لا تستخدم أسماء العريّض أدوات معقدة:«أقدم كرة من الطين وأداتين فقط. أريد من المشاركين أن يعتمدوا على أيديهم وعقولهم، فهذا جوهر التأمل وغالبا ما تسبق التجربة جلسة تأمل ويوغا لمدة 30 دقيقة، تحت إشراف مدربة مختصة، ثم ينتقل المشاركون مباشرة إلى الطين، لتكتمل دائرة التركيز ضمن جلسات اليوغا والتأمل ".
الطين كمرآة للمشاعر
توضح العريّض أن الطين يحمل طاقة خاصة، ويستجيب لمشاعر من يتعامل معه: «الطين يحمل طاقة معينة. نحن مكوّنون من ماء وطين، لذلك الطين أقرب المواد إلينا. عندما تلمسه لأول مرة، تشعر أنه مألوف، حتى لو لم تستخدمه من قبل,لدرجة أن بعض المشاركين لا يغادرون بعد انتهاء الوقت لأنهم يشعرون بالراحة. الطين يمتص التوتر، وفي كل ورشة، أرى كيف يتغيّر الناس أمام عينيّ" ضمن الطاقة الإيجابية.
وتؤكد أن المشاعر الإيجابية ضرورية لإنجاح العمل: «إذا عملت وأنت غاضب أو متوتر، قد تنكسر القطعة في الفرن. الطين يعكس كل ما بداخلك، ولأمر أشبه بما يقوله البعض: إذا وضعت فيها مشاعر سلبية، فإن الطين يعكسها. لذلك، من الضروري أن يكون العمل مغمورا بالحب والفرح” ضمن التوازن النفسي.
وتروي :"لقد حدث معي هذا الأمر مرات عديدة. عندما أشعر بالتوتر أو أنني لا أملك الوقت الكافي للعمل على القطعة، أؤجل العمل حتى أكون في الحالة المناسبة. فالعمل مع السيراميك يحتاج إلى مراحل محددة تبدأ بعجن الطين وإضافة الماء، وهي من أهم مراحل العملية. العجن الجيد يساعد في إزالة الهواء من الطين، لأن وجود الهواء قد يؤدي إلى تشقق القطعة عند دخولها الفرن".
من العجن إلى التشكيل
ترفض أسماء العريّض إضافة الألوان في الورش وتبقي الطين على طبيعته: "الطين كافٍ للتعبير عن الأفكار والمشاعر. لا نحتاج لتزيين إضافي والجمال في البساطة" ضمن الفن البسيط.
تشرح تفاصيل عملية صناعة الخزف بعين خبيرة، مع البعد التأملي:
- العجن الجيد: لإخراج الهواء من الطين، منعًا لتشققه لاحقًا.
- التشكيل اليدوي: باليد أو باستخدام الدولاب اليدوي، حيث تحمل كل قطعة بصمة صانعها ضمن الحرف اليدوية.
- الصبر والهدوء: مفتاح التعامل مع المادة و المشاركين في الورشة.
من التجارب التي لا تنساها العريّض إحدى المشاركات التي دخلت الورشة وهي في قمة التوتر «كانت غاضبة جدًا، وأداؤها لم يكن جيدًا. لكنني فهمت أن المشكلة ليست في الطين. ساعدتها بهدوء، خطوة بخطوة، حتى هدأت. وتعلمت أن الصبر أهم من أي مهارة تقنية» ضمن تجارب إنسانية.
ترى الخزافة العريّض في فن الخزف طقسًا وروحيًا يولد مساحة آمنة للتعبير، للتفريغ، وللتوازن:"الهدف أن يشعر الشخص بالراحة ويخرج من حالة التوتر وبعض الأشخاص تكون لديهم فكرة أو تصميم معين، أقدم لهم قليلاً من التوجيه. بعد ذلك، ألاحظ أنهم يركزون تماما، و يستمتعون بالتجربة. التعامل مع الطين يتطلب تركيزًا وتأملًا، خاصة عندما يكون الهدف ليس فقط صنع شيء بل التفاعل مع المادة بشكل أعمق" ضمن الفن العلاجي.
شاركت أسماء العريض في عدة فعاليات ثقافية و تسعى لغرس حب الفن والصبر في الأجيال الجديدة. أما حلمها القريب، فهو إيصال "صوت الطين" إلى العالمية.وكانت قد أسست ,عام 2017، Baya Ceramic، مستلهمة الاسم من ابنتها «بيّة».
هي ليست مجرد فنانة خزف. هي تروي حكاياتها عبر الطين، وتترجم أعمالها جماليات العلاقة العميقة بين الفن والهوية "العمل بالطين تجربة علاجية تجمع بين الإبداع وتخفيف الضغط النفسي. أفضل أن أظل كما أنا،فنانة تشكيلية خزافة أولاً وقبل كل شيء. . ما يهمني هو أن يشعر الشخص بالراحة، ويخرج من حالة التوتر”.
وكانت العريّض قد انطلقت من خلفية أكاديمية ومهنية في التصميم الداخلي وهندسة الديكور، حيث عملت في هذا المجال لفترة، قبل أن تقودها تجربتها الذاتية وشغفها العميق بالمادة الخام إلى عالم الخزف، وتختم بالقول "الخزف احتفى بما افتقدته في التصميم.أشعر أنني أتنفس عندما أضع يدّي في الطين".
* تصوير: السيد رمضان
