15 يناير 2026

الدكتورة سامية المعمري: الإدمان قصة ألم يمكن أن تنتهي بالأمل

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

لا تنظر إلى علاج الإدمان بوصفه مساراً طبياً فحسب، بل حكاية إنسانية تبدأ بالألم وتنتهي بالأمل، فعلى مدى أكثر من عشر سنوات في إدارة الرعاية الصحية، كانت شاهدة على لحظات الانكسار كما لحظات التعافي، ما شكّل قناعتها بأن كل إنسان يستحق فرصة جديدة للحياة.

مجلة كل الأسرة

من هذا الإيمان، تقود الدكتورة سامية المعمري، مدير قطاع الخدمات الطبية في المركز الوطني للتأهيل، منظومة علاجية متكاملة، أساسها العمل الجاد ودعم الأسرة، والشراكة المجتمعية، مفاتيح التعافي الحقيقي والمستدام. وفي هذا الحوار، تفتح لنا د. سامية نافذة على تجربتها المهنية والإنسانية، وعلى رؤيتها لعلاج الإدمان كطريق لإعادة بناء الإنسان، لا علاجه فقط.

تشغلين منصب مدير قطاع الخدمات الطبية في المركز الوطني للتأهيل، حدثينا عن  الدور الذي تؤدينه داخل هذه المنظومة العلاجية؟

أقود منظومة علاجية، شاملة ومتكاملة، تضع سلامة المريض وجودة الرعاية في الصدارة، وبخبرة تتجاوز عشر سنوات في إدارة الرعاية الصحية وقيادة المشاريع الاستراتيجية، أُشرف على رحلة المريض منذ أول تواصل، مروراً بإزالة السموم من جسمه، وصولًا إلى المتابعة الممتدة لضمان تعافٍ مستدام، فنحن نعمل كفريق متعدّد التخصصات من النواحي الطبية، والنفسية، والاجتماعية، ونكيّف الممارسات المبنية على الأدلة مع ثقافة وقيم دولتنا، بجانب إشراك الأسرة كشريك أساسي في كل خطة علاجية.

مجلة كل الأسرة

ما أبرز التحدّيات التي تواجه الفريق الطبي في التعامل مع حالات الإدمان، وكيف تتعاملون معها، مهنياً وإنسانياً؟

نواجه الوصمة الاجتماعية، وارتباط التعاطي باضطرابات نفسية، إضافة إلى تغيّر الأنماط، خصوصاً ما يُعرف بـ«البدائل» التي تُسوّق رقمياً كأنها آمنة، فنحن نتعامل مهنياً عبر تقييم دقيق، وخطط علاج فردية تعتمد نماذج مثبتة، مثل برنامج الماتريكس، والمقابلات التحفيزية، والعلاج الأسري. وإنسانياً، نوفر بيئة رحيمة تصون كرامة المريض، وتضع الأسرة والمجتمع في قلب رحلة التعافي.

مجلة كل الأسرة

شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بالصحة النفسية والإدمان في الإمارات، كيف انعكس ذلك على عمل المركز؟

أصبح طلب المساعدة أكبر، وتنامت الشراكات مع الأسر، والمدارس، والجهات المختلفة، ما أتاح لنا التدخل المبكر، ودمج علاج القلق والاكتئاب والصدمات في خطة واحدة، لترسيخ مفهوم أن الصحة النفسية والتعافي مسؤولية مشتركة.

ما أبرز البرامج أو المبادرات التي أطلقها المركز، أخيراً، لتعزيز الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل؟

 تنفيذ أكثر من 107 نشاطات توعوية خلال عام 2024 بالتعاون مع شركاء من القطاعين، العام والخاص، بجانب إطلاق حملة وطنية بعنوان «من الوقاية إلى التعافي»، لترسيخ الوعي باعتباره خط الدفاع الأول، وتنفيذ برنامج تدريبي للمعلمين لرصد المؤشرات المبكرة والتدخل الملائم، شمل أكثر من 60 معلماً في عام 2025، مع متابعة منهجية لقياس الأثر، وغيرها من الفعاليات التي تستهدف الشباب والأسر، معاً.

مجلة كل الأسرة

إلى أيّ مدى يلعب الدعم الأسري والمجتمعي دوراً في نجاح رحلة التعافي؟

يلعب الدعم الأسري والمجتمعي دوراً محورياً، فعندما تصبح الرحلة مشتركة، فضلاً عن التثقيف الأسري، وتنمية مهارات الحياة، بجانب المتابعة بعد الخروج، ترتفع فرص الحفاظ على التعافي بشكل واضح، ويصبح الإدمان قصة ألم يمكن أن تنتهي بالأمل.

الإدمان ليس مسألة أخلاقية بل اضطراب صحي يحتاج إلى علاج وتأهيل وإعادة دمج

في رأيكِ، ما الصورة النمطية الخاطئة التي لا يزال المجتمع يحملها عن الإدمان أو المدمنين؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة هو النظر إلى الإدمان على أنه مسألة أخلاقية، بينما هو في الحقيقة اضطراب، صحي وسلوكي، يحتاج إلى علاج وتأهيل وإعادة دمج، لا عقاب، هذه النظرة الخاطئة تسهم في عزلة المريض، وتمنعه من طلب المساعدة في الوقت المناسب، ونحن نسعى لتصحيح هذا المفهوم من خلال الحملات التي تؤكد أن التوعية المبكرة والمتابعة طويلة الأمد تصنعان الفارق في مواجهة الإدمان.

مجلة كل الأسرة

كيف يوازن المركز بين الجوانب الطبية والعلاجية وبين التوعية المجتمعية والبحث العلمي؟

نحن مركز متعاون مع منظمة الصحة العالمية منذ عام 2017، ونشارك في تعزيز الاستجابة الصحية عبر شراكات إقليمية رفيعة المستوى، في أبوظبي، فمختبرنا معتمد من UNODC لرصد المواد الناشئة ودعم القرار العلاجي، وبالتوازي، نقود حملات توعوية ملائمة ثقافياً، تصل إلى الناس بلغتهم، ومنصاتهم لتعزيز الوقاية المبكرة. 

بعيدًا عن مجال العمل، ما الذي دفعكِ لاختيار التخصص في مجال التأهيل وعلاج الإدمان؟

إيماني بأن التعافي ممكن لكل إنسان، وأن التركيز على سلامة المريض وجودة الرعاية قادر على تغيير حياة، الأفراد والأسر. كما عززت خبرتي في إدارة الرعاية الصحية قناعتي بأن التأهيل من أكثر المسارات تأثيراً في حماية الصحة العامة.

مجلة كل الأسرة

هل مررتِ بتجربة أو موقف شخصي ترك أثراً في مسيرتك المهنية ودفعكِ للاستمرار رغم الصعوبات؟

لن أنسى شاباً تعافى بدعم أسرته، وبرنامج متابعة ممتد، فعاد إلى الدراسة، وبنى هويته من جديد. هذه القصة أكدت لي أن المتابعة الطويلة الأمد وتمكين الأسرة يصنعان الفارق.

كيف تتعاملين مع الضغط النفسي الناتج عن طبيعة العمل في هذا المجال الحساس؟

أعتمد على العمل الجماعي، والإشراف السريري المنتظم، ووضع حدود مهنية واضحة، كما أحافظ على توازني من خلال المشي، وقضاء وقت نوعي مع العائلة، وعلى الرغم من أنها عادات بسيطة، لكن أثرها كبير.

من هي الشخصية التي كان لها أكبر تأثير في حياتكِ المهنية أو الإنسانية؟

أساتذة وقيادات صحية، رسّخوا لديّ قيمة كرامة المريض، والرحمة القائمة على العلم، وأن القيادة الحقيقية تعني رفع معايير السلامة، وتمكين الفريق.

مجلة كل الأسرة

ما المبدأ الذي تسيرين عليه في حياتكِ العملية؟

التعافي ممكن، والرحمة طريق إلى التغيير القائم على العلم.

كيف توازنين بين مسؤولياتكِ كقيادية وحياتك الخاصة؟

من خلال تحديد الأولويات، والتفويض الذكي الذي يمكّن الفريق، وتخصيص مساحات محمية للراحة والعائلة. فالاستدامة تبدأ من احترام حدود الإنسان، ووقته.

ما الأنشطة أو الهوايات التي تساعدكِ على استعادة طاقتكِ بعد يوم عمل طويل؟

المشي، والقراءة، وقضاء وقت مع العائلة في أجواء بسيطة تعيد الاتزان، وتضمن العطاء المستمر.

ما الرسالة التي تودين توجيهها للشباب حول مفهوم القوة الحقيقية في مواجهة الإدمان أو الضغوط الحياتية؟

اطلبوا المساعدة مبكراً، وابنوا مهارات الحياة مثل الذكاء العاطفي، والتواصل، والتفكير النقدي، ولا تنخدعوا ببدائل تُسوّق على أنها آمنة، وهي ليست كذلك. تحدثوا مع أهلكم، ومعلّميكم، والجأوا إلى قنوات الإبلاغ الآمنة، وتأكدوا أن الدعم دائما موجود، والتعافي ممكن.