10 يناير 2026

شيخة النويس: الثقة الدولية مسؤولية ورسالة عالمية أتشرّف بحملها

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

في مسيرتها التي انطلقت من إيمان راسخ بقدرة الإنسان على صناعة الفارق، وصولاً إلى واحدة من أهم المناصب الدولية في قطاع السياحة، تشكّل شيخة ناصر النويس، الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة، نموذجاً للمرأة الإماراتية القيادية القوية التي تعاملت مع الثقة التي مُنحت لها على أنها مسؤولية أخلاقية، ورسالة إنسانية، قبل أن تكون منصباً دبلوماسياً رفيعاً.

في حوارنا مع شيخة النويس، نقترب أكثر من ملامح شخصيتها القيادية، وقيَمها التي تراها أساس النجاح، وكيف انعكست بيئة الإمارات الداعمة، وتمكينها للمرأة على ثقتها، وقدرتها على التأثير عالمياً، ليتجاوز الحديث ملفات السياحة، ويكشف روح الإنسان خلف المنصب، ورحلتها كامرأة تمكنت من تحويل الدعم إلى إنجاز، والطموح إلى حضور دولي ملموس.

مجلة كل الأسرة

تم انتخابك لتولّي منصب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة، كيف تنظرين إلى دلالات هذه الثقة الدولية، وما الذي تعنيه لك على الصعيدين، المهني والإنساني؟

أتعامل مع هذه الثقة الدولية بكثير من التقدير والامتنان، فهي بالنسبة لي ليست مجرّد منصب جديد، بل مسؤولية كبيرة، ورسالة عالمية أتشرف بحملها. كما يعكس هذا الانتخاب قناعة المجتمع الدولي بأن قطاع السياحة يمتلك اليوم قدرة حقيقية على بناء جسور الاستقرار، وتعزيز الازدهار المشترك بين الدول، خصوصاً في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى أدوات للتقارب، والتفاهم، والتنمية.
كما تكشف هذه الثقة التقدير العالمي للنهج الذي تتبناه دولة الإمارات في إدارة هذا القطاع الحيوي، نهج القيادة القائم على العمل والنتائج، وبناء شراكات فعّالة تتجاوز الحدود التقليدية للتعاون الدولي. من هذا المنطلق، أعتبر هذا التكليف التزاماً بمواصلة العمل بشفافية وانفتاح، وتطوير منظومة تعاون دولي تسهم في الارتقاء بقطاع السياحة على مستوى العالم، وتمكين الدول من الاستفادة من إمكاناته التنموية، والاقتصادية، والثقافية.

من وجهة نظرك، ما الدلالات التي يحملها هذا الفوز لدولة الإمارات، وما الرسالة التي يوجهها إلى العالم حول مكانتها في قيادة القطاعات الحيوية مثل السياحة؟

يمثل الفوز محطة هامّة في مسيرة دولة الإمارات، فهو ليس حدثاً عابراً، بل ثمرة لرؤية استراتيجية طويلة المدى تبنّتها الدولة في مجالات الدبلوماسية، والتنمية الاقتصادية، والعمل الدولي المشترك. وتولّي الإمارات هذا المستوى من الأدوار القيادية يبعث برسالة واضحة إلى العالم بأنها دولة لا تتحرك بعشوائية، بل وفق خطط مدروسة تقوم على التنفيذ الفعال، والنتائج الملموسة.

كما يظهر الثقة الدولية المتزايدة بقدرة الإمارات على قيادة القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع السياحة، بوصفه محركاً أساسياً للتنمية المستدامة، ووسيلة لتعزيز التفاهم بين الشعوب. فالإمارات اليوم، لا تُعرف كوجهة سياحية عالمية فقط، بل كدولة استطاعت أن تتحول إلى شريك موثوق في صياغة مستقبل السياحة والتنمية، وتقديم نموذج عملي في كيفية تسخير هذا القطاع لمصلحة الاقتصادات والمجتمعات، حول العالم.

مجلة كل الأسرة

ما أبرز أولويّاتك خلال تولّيك الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة، وكيف ستسهم في توجيه مسار المنظمة عالمياً؟

تركّز أولوياتي خلال هذه الفترة على ثلاثة محاور أساسية، ستشكل الإطار الاستراتيجي لعمل المنظمة في السنوات المقبلة، يتمثل المحور الأول في تعزيز مرونة القطاع السياحي، ورفع قدرته على مواجهة الصدمات، والتعافي السريع من الأزمات، إدراكاً منّا بأهمية الاستقرار والجاهزية كعنصرين حاسمين لاستمرار النمو. أما المحور الثاني، فيتمحور حول بناء اقتصاد سياحي أكثر شمولاً، من خلال توسيع آفاق العمل، وتطوير وتأهيل المواهب، وتهيئة البيئة الجاذبة للاستثمارات القائمة على الابتكار والاستدامة. ويأتي المحور الثالث ليركز على تسريع التحولّين، الرقمي والبيئي، بما يضمن جاهزية الوجهات السياحية حول العالم، واستدامة نموّها على المدى الطويل. هذه المحاور مجتمعة ستوجه مبادرات المنظمة وشراكاتها، وتضمن أن يكون تأثير عملنا عالمياً، ملموساً وقابلاً للقياس.

أشرتِ في وقت سابق إلى أن قطاع السياحة يعيش اليوم مرحلة مفصلية بفعل التغيّر المناخي والتسارع التكنولوجي. كيف يمكن للقطاع أن يواجه هذه التحوّلات عبر خطط عملية وفاعلة على مستوى الدول والوجهات السياحية؟

التغيّر المناخي والتطور التكنولوجي لم يعودا تحدّيين مستقبليّين، بل واقعان يفرضان تأثيرهما المباشر في اختيار المسافرين، وطريقة إدارة الوجهات، ومسار نمو القطاع ككل. ولمواجهة هذه التحوّلات بصورة عملية، لابدّ من تبنّي خطط تعتمد على تحليل البيانات الدقيقة لفهم الاتجاهات، والتنبؤ بالمخاطر، إلى جانب تعزيز الجاهزية لمختلف الأزمات التي قد تطال القطاع، عبر بناء منظومات استجابة سريعة وفعالة. ويتطلب الأمر أيضاً توسيع استخدام الحلول الرقمية الذكية، سواء في إدارة الوجهات، أو في الخدمات الموجهة إلى السائح، بما يرفع الكفاءة ويحسّن التجربة. كما يجب ألا ننسى دور نماذج الاستثمار الحديثة التي تساعد الدول على تحديث بنيتها التحتية السياحية، بما يجعلها أكثر قدرة على التكيّف مع المتغيّرات، المناخية والتكنولوجية. في النهاية، يبقى النجاح مرهوناً بقدرة جميع الأطراف، من حكومات ومؤسسات وشركاء دوليين، على تنفيذ هذه الخطط ضمن إطار تعاون واضح، وأهداف محدّدة قابلة للمتابعة والقياس.

مجلة كل الأسرة

ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المنظمات الدولية في تعزيز مفهوم «السياحة المسؤولة والمستدامة»، وما الآليات التي يمكن من خلالها تحويل هذا المفهوم إلى ممارسة واقعية عالمياً؟

على المنظمات الدولية أن تقوم بدورها في دفع مفهوم «السياحة المسؤولة والمستدامة» من إطار الشعارات إلى واقع عملي يمكن قياس أثره، بتنسيق الجهود بين الدول والجهات الفاعلة والمختلفة، بما يضمن انسجام السياسات، ووضوح الأولويات، وإسهامها في وضع الأطر والمعايير العالمية التي تساعد الدول على بناء نماذج حوكمة فعالة، وتمكينها من تطوير قدراتها المؤسسية والفنية لإدارة مواردها السياحية، بشكل متوازن ومستدام، من خلال توفير المعرفة المتخصصة، وتعزيز تبادل الخبرات، وتقديم أدوات قياس واضحة تترجم أهداف الاستدامة إلى إجراءات قابلة للتطبيق. فالسياحة المسؤولة تنطلق من أسس عدّة، أبرزها الحوكمة الجيدة، ومشاركة المجتمعات المحلية في صنع القرار، والتخطيط طويل المدى الذي يحفظ البيئة، والثقافة، وحقوق الأجيال المقبلة. ونحن من هنا، سنعمل على دعم هذه المبادئ وتوسيع نطاق تبنّيها عالمياً، لضمان أن يصبح النمو السياحي متوافقاً مع احتياجات الناس والكوكب، على حد سواء.

تمثلين النموذج الملهم للمرأة الإماراتية في مواقع القيادة، كيف ترصدين تأثير دعم القيادة الرشيدة في مسيرتك وتطوّرك المهني؟

نشأت في ظل رؤية وطنية آمنت بالإنسان منذ اللحظة الأولى، واعتبرت تمكينه أساس بناء المستقبل. هذا النهج انعكس بشكل مباشر على مسيرتي المهنية، فالقيادة الرشيدة في دولة الإمارات لم تقدم للمرأة مجرّد تشجيع معنوي، بل وفّرت لها الثقة والفرص الحقيقية لتتولى مواقع قيادية مؤثرة. وعلى مدى سنوات عملي، حظيت بدعم مستمر وتوجيه واضح، إلى جانب استثمار كبير في تطوير مهاراتي، وتمكين قدراتي. هذا الإسناد لم يفتح أمامي أبواب التقدم فقط، بل حمّلني أيضاً مسؤولية نقل هذا الدعم إلى الجيل الجديد، وبخاصة للنساء الطموحات في مختلف القطاعات. بالتالي ما حققته ليس إنجازاً فردياً، بقدر ما هو ثمرة منظومة وطنية تؤمن بقدرة المرأة الإماراتية على القيادة، والمشاركة في صناعة مستقبل أكثر إشراقاً.

ما العوامل التي جعلت التجربة الإماراتية في تمكين المرأة نموذجاً متميزاً، وأهّلتها لتقديم كوادر نسائية قادرة على تولي مناصب قيادية على المستوى الدولي؟

يرتكز التميّز في التجربة الإماراتية على منظومة واضحة تجمع بين توفير الفرصة، وتقدير الكفاءة، والاستثمار المستدام في الإنسان. فمنذ السنوات الأولى لتأسيس الدولة، لم تمنح المرأة أدواراً شكلية، أو رمزية، بل جرى تمكينها عبر بيئة متكاملة تبدأ من التعليم النوعي، مروراً بفرص العمل المتساوية، وصولاً إلى المشاركة الفاعلة في مواقع صنع القرار، الحكومي والاقتصادي. وقد صمّمت السياسات الوطنية بحيث تضمن للمرأة مساحة حقيقية للإبداع والقيادة، وتضع معيار الكفاءة فوق أيّ اعتبار آخر. هذا النهج الشامل هو ما سمح للمرأة الإماراتية بأن تنطلق بثقة إلى الساحة الدولية، لتتولى مناصب رفيعة المستوى، حاملة معها نموذجاً وطنياً يؤمن بأن تمكين المرأة ليس مبادرة ظرفية، بل مشروع مستدام يعكس رؤية دولة تؤمن بطاقات جميع أبنائها وبناتها.